عبد اللطيف السيدح يكتب : ليتك لم تقلها يا سعادة السفير. إن رحلت فإنك تركت أثرا لن يرحل.

لماذا أعلنت الرحيل، يا سعادة السفير? في لحظات الفرحة الكبرى، والبسمة التي ارتسمت على محيا الذين ضمتهم قاعة VIP بمقرهم الجديد المبنى الجديد للقنصلية السودانية العامة بجدة.
سعادة القنصل الناس يعلمون أنه ومنذ مجيء معالي رئيس الوزراء إلى جدة قبل عام بأنك رجوته تلطفا ونظرا لظرفك الصحي بأن يستثنى مدة بقائك في محطة الشدة جدة، وأن تنتقل إلى مكان أخر تكون فيه محفوفا بالعناية الصحية وعلى مقربة من المستشفيات الكبرى، وتمت الإستجابة شريطة أن تكمل ما بدأته من مشروع القرن للدبلوماسية السودانية، أكبر صرح معماري دبلوماسي خدمي تجاري للسودانيين في منطقة الحجاز حيث تهوى الأنفس، ويأتي السودانيون رجالا وعلى كل ضامر، ومن كل فج عميق لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وزيارة المسجد النبوي الشريف على ساكنه أفضل صلاة وأذكى تسليم.
لقد أنجزت ماوعدت، وحققت ما تعهدت به، ورغم ذلك فإن نفوس رعاياك “مقشوطة ومليانة بشيء من حتى”،!!!! لماذا تغادر ولما يعلم المحبون أنك لن تغادر، ولن يقع بينك وبين خلفك تسلم وتسليم إلا من داخل مكتبك الفخيم داخل الصرح العظيم، حيث أنك بذلت عصارة تجربتك في رئاسة لجنة مشتروات المقار الخارجية بالوزارة، وها أنت تهدي وطنك ووزارتك ورعاياك في المملكة العربية السعودية تحفة معمارية قبل أن تغادرهم.
وساعة إذ خرجت كلمات الوداع من بين شفتيك، معلنة أن محطة جدة قد شارفت على نهايتها بالنسبة إليك بسبب ظروفك الصحية، حتى خيم الصمت على القاعة، وسقط الخبر على القلوب سقوط الصاعقة. لأن التصريح الذي جاء أثناء إلقاء خطابك لأعضاء اللجنة العليا لتهيئة المقر وضيوفهم الكرام، ما كان إعلانا إداريا عن انتقال دبلوماسي من محطة إلى أخرى، إنما نبأً أثقل النفوس، لأنه جاء في لحظة كانت فيها العيون معلقة بالحاضر، والأحلام مشدودة إلى المستقبل.
لقد تفجرت قنبلة المغادرة في أول لقاء تفاكري للجنة القومية لتهيئة وتدشين وافتتاح مبنى القنصلية السودانية الجديد بجدة، هذا المبنى الذي ارتبط اسمك به، وأصبح شاهدا على مرحلة استثنائية من تاريخ العمل القنصلي السوداني. وبينما كان الجميع يتحدث عن الافتتاح القادم، كنت أنت تتحدث عن الرحيل.
يا لها من مفارقة موجعة!
لقد قالها شاعرنا وأديبنا السر محمد أحمد “لقد أفرحتنا بهذا المبنى، وأحزنتنا بخبر الرحيل”
لقد كانت محطة جدة، وما تزال، من أصعب المحطات الدبلوماسية. فهي مدينة تحتضن واحدة من أكبر الجاليات السودانية خارج الوطن، وتواجه ملفات متشابكة، وضغوطا متواصلة، وتحديات لا تهدأ. والعمل فيها ليس وظيفة روتينية، إنما مسؤولية وطنية ثقيلة، تحتاج إلى صبر، وحكمة، ونفس طويل مع رعاياها بعضهم يختلف حتى مع نفسه التي بين جوانحه.
ورغم ذلك استطتعت أخي سعادة القنصل أن تهدي محطة جدة رواية مختلفة، رواية عجزت عن تأليفها، إدارات وقناصل وسفراء، وأصبح الكتاب يقرأ واضحا بدون عدسات طبية لعلاج الأنفس المريضة.
لقد تحول حلم امتلاك مقر يليق بالسودان إلى حقيقة قائمة، وسيظل هذا الإنجاز علامة مضيئة في تاريخ الدبلوماسية السودانية بالمملكة العربية السعودية، لذا كان وقع الخبر مؤلما!!، أحقا يغادر صاحب الإنجاز قبل أن يجلس على أرائكه الوثيرة؟، ويتجول في صالة خدمات جمهوره الحديثة؟ ويتنقل بين مساحاته الشاسعة؟ ويشهد احتفالات وعروضا مسرحية شيقة داخل قاعاته الفخيمة؟.
حال جالية أبناء وبنات المنطقة الغربية يقول حزنا “أدوها الطير بعد ما لبنت”؟ لكن نحن نقول لهم، لقد جاءكم الدكتور كمال وأغاثكم محبة، واحتواء، وتقديرا، واحتراما، وقضاء للحوائج، وعصرتم في سنتيه اللتين قضاهما معكم، هذا القصر المنيف، وهذه التحفة المعمارية، وبعد هذا كله تتمسكون به خوفا من المجهول، معكم حق، لكن ظروف الرجل الصحية فوق كل اعتبار، واطمانوا فإن وزير خارجيتكم الهمام لن يرشح لكم من هو أقل من الدكتور كمال، رغما أن الرجل سيتعب من يخلفه.
لقد حصدتم يا أبناء جالية الغربية وأنتم محظوظون ثمرا يانعا، وغرس لكم سعادة القنصل الشجرة، وسقاها، ورعاها حتى أتت ثمارها، فلا تتركوه يغادر قبل أن يستمتع بظلها وكرموه تكريما يليق بمقامه العالي الرفيع.
لقد تأكد لنا من خلال العامين المغيثين لتواجده بيننا أن الإنجازات الكبيرة لا ترتبط بالمناصب، إنما بأصحاب الرؤية والإرادة. وقد أثبتت الأيام أن الرجال يعرفون بما يتركونه من أثر، لا بما يمكثون من زمن.
إن التاريخ لا يحفظ الضجيج، وإنما يحفظ العمل، وسيذكر هذا التاريخ الذي نحتكم إليه جميعا أن الدكتور كمال علي عثمان طه قاد حسم أهم الملفات في تاريخ القنصلية السودانية بجدة، وأنه غادر وقد ترك خلفه إنجازا سيبقى شاهدا على مرحلة عنوانها الإصرار، والعمل المؤسسي، والانتماء الصادق للوطن.
نسأل الله أن يمن عليه بتمام الصحة والعافية، وأن يبارك في خطواته أينما كانت وجهته القادمة، وأن يكون افتتاح هذا الصرح الدبلوماسي الكبير تكريما لكل يد مخلصة أسهمت في بنائه، وفي مقدمتها يد الرجل الذي آمن بالحلم حتى صار حقيقة.
سعادة السفير،، ليتك لم تقلها، ولكن إذا كان لا بد من الرحيل، فحسبك أنك ترحل وقد تركت أثرا عظيما في جدة، والأثر لا يزول .


