مقالات الرأي

الحق أبلج ٧٦٤ عميد شرطة م لطف الله أحمد عفيفي يكتب حين تسبق الميديا ملفات التحري

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هناك قاعدة ذهبية تعلمناها منذ اليوم الأول في كلية الشرطة، وهي أن سرية التحريات خط أحمر، لأنها ليست مجرد نص قانوني، بل هي صمام أمان العدالة، والضمانة التي تكفل نزاهة الإجراءات، وتحمي حقوق المتهمين والمجني عليهم والشهود، وتمنع أي تأثير على مجريات الدعوى قبل أن تفصل فيها المحاكم.

 

ومن هنا، فإن قضية المقدم شرطة نزار وآخرين تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لا ينبغي تجاهلها.

 

ولا يتعلق الأمر بالحكم الابتدائي، فالقضاء السوداني محل ثقتنا واحترامنا، وهو المؤسسة التي نلوذ بها لإقامة العدل، وما زالت أمام القضية درجات التقاضي التي كفلها القانون.

 

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف كانت تفاصيل التحريات تتداول في وسائل التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية؟

 

لقد تابع الرأي العام ما كان ينشره الناشط الجندي ود المصطفى عن مجريات التحري، حتى بدا وكأن الميديا أصبحت تسبق ملفات التحري، وهو أمر يثير تساؤلات حول كيفية وصول هذه المعلومات إلى الفضاء العام، ومدى توافق ذلك مع مبدأ سرية التحريات الذي يعد من أهم ضمانات العدالة.

 

ثم جاء البيان التفصيلي الصادر عن إعلام نيابة دنقلا عقب صدور الحكم الابتدائي، ليضيف تساؤلا آخر. فمن حق النيابة أن تنور الرأي العام، ولكن من المهم أيضا أن يكون الخطاب الإعلامي متسقا مع حقيقة أن الدعوى قد لا تكون قد استنفدت جميع مراحلها القانونية، وأن احترام درجات التقاضي يعزز ثقة المجتمع في منظومة العدالة.

 

إن هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من شأن أي مؤسسة، وإنما تنطلق من الحرص على ترسيخ دولة القانون، لأن قوة العدالة لا تقاس فقط بالأحكام، وإنما أيضا بسلامة الإجراءات التي تسبقها.

 

ومن زاوية أخرى، فإن هذه القضية تعيد طرح ملف طال الحديث عنه، وهو قانون الشرطة. فقد أثبتت التجربة أن القانون الحالي يحتاج إلى مراجعة جادة تكفل التوازن بين مساءلة رجل الشرطة عند الخطأ، وبين توفير الحماية القانونية التي تمكنه من أداء واجبه بثقة وطمأنينة، دون أن يشعر بأنه يواجه المخاطر وحده.

 

إن الدولة التي تريد شرطة قوية وعادلة، مطالبة كذلك بأن توفر لرجل الشرطة قانونا قويا وعادلا.

 

ويبقى السؤال الذي يستحق الإجابة:

 

هل سنحافظ على سرية التحريات باعتبارها ركنا من أركان العدالة، أم سنسمح بأن تتحول ساحات التواصل الاجتماعي إلى ساحات موازية للتحقيق والمحاكمة؟

 

ذلك سؤال نضعه أمام الجهات العدلية والتشريعية، إيمانا بأن ترسيخ العدالة يبدأ من احترام إجراءاتها، وأن هيبة القانون لا تكتمل إلا بحماية سرية التحريات، وصون استقلال القضاء، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.

 

٤ اغسطس ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى