فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب تحليل سياسي لوثيقة (الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها) أديس أبابا، 22–23 أغسطس 2026م

أرفدني الأخ والصديق، الصحفي المخضرم عاصم السني الدسوقي، بمنشور وثيقة الموقف السياسي المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها (عملية السلام التي نريد) ، للتعليق عليها وتحليل مضامينها ومواقف القوى الموقعة عليها. ومن هنا يطرح عنوان هذه المقالة، (وثيقة أديس أبابا وإشكالية المركز الثالث في المشهد السوداني)، سؤالاً يتجاوز القراءة المباشرة لمضمون الوثيقة ومواقف القوى الموقعة عليها، ليمتد إلى مدى استقلاليتها وحيادها، ومدى استقلال وحياد القوى والأشخاص الذين صاغوها وشاركوا في اجتماعها، وذلك بالنظر إلى طبيعة الدولة التي احتضنت الاجتماع وموقعها المتزايد في المشهد الإقليمي للحرب السودانية.
فإثيوبيا لم تعد، في ضوء ما أثير خلال الآونة الأخيرة من تحليلات وتقارير إعلامية واستخباراتية، مجرد دولة مضيفة أو منصة محايدة للحوار السوداني، وإنما أصبحت موضع تقارير واتهامات ومؤشرات تتصل بدورها المحتمل في النزاع المسلح الداخلي في السودان، ولا سيما ما نُسب إليها من إسناد أو تسهيل دعم لمليشيا الدعم السريع. ومن ثم، فإن اختيار أديس أبابا مكاناً لاجتماع قوى تقدم نفسها بوصفها (غير مصطفة مع أطراف الحرب) يضفي على مسألة الحياد والاستقلالية بُعداً إضافياً لا يمكن تجاهله في تقييم الوثيقة وموقعها السياسي.
وعليه، فإن قراءة (الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها) لا ينبغي أن تقتصر على تحليل ما تضمنته من مبادئ ومواقف بشأن الحرب والسلام ومستقبل الدولة السودانية، ولا على قبول توصيف القوى الموقعة لنفسها باعتبارها تمثل (مركزاً ثالثاً) خارج ثنائية الجيش والدعم السريع – بحسب توصيف الوثيقة – وإنما تستلزم كذلك فحص البيئة السياسية والأمنية والإقليمية التي صدرت فيها الوثيقة، والخلفيات السياسية للقوى والأشخاص الذين يقفون وراءها، وعلاقاتهم السابقة والحالية بأطراف الحرب الدائرة في السودان، ومدى استقلالهم عن الدولة المضيفة ومصالحها وتحالفاتها الإقليمية.
فالسؤال الذي تطرحه الوثيقة، إذن، ليس فقط: ماذا تقول؟ وإنما أيضاً: من يقولها؟ ومن يمثل؟ وأين قيلت؟ وتحت أي بيئة سياسية وإقليمية صدرت؟ وإلى أي مدى تستطيع القوى التي أصدرتها أن تثبت أنها تمثل بالفعل (مركزاً ثالثاً) مستقلاً عن الحرب التي تشنها مليشيا الدعم السريع على الدولة ومؤسساتها الوطنية، وعن مشاريع السلطة المتنافسة، وعن التأثيرات والرعايات الإقليمية؟
ومن هذه الزاوية، فإن جوهر التحليل لا يتمثل في إسقاط الوثيقة لمجرد انعقاد اجتماعها في أديس أبابا، ولا في قبولها لمجرد إعلانها رفض الحرب، وإنما في اختبار الاتساق بين خطابها عن الاستقلال وعدم الاصطفاف وبين موقع القوى التي أصدرتها، والبيئة التي احتضنتها، ومواقفها السابقة، ومعاييرها في التعامل مع الحرب الدائرة في السودان والتدخلات الإقليمية. وهنا تحديداً تبرز إشكالية (المركز الثالث): هل نحن أمام محاولة حقيقية لتأسيس مركز وطني مستقل يتجاوز حرب المليشيا على الدولة ومؤسساتها الوطنية، ويعيد بناء المجال السياسي على أساس مدني ودستوري جامع؟ أم أننا أمام إعادة تموضع سياسي داخل الصراع نفسه، تحت مظلة إقليمية جديدة، وبخطاب مدني مختلف؟
(أولاً) محاولة تأسيس (مركز ثالث):
———————————-
تطرح وثيقة (الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها)، الصادرة عن اجتماع أديس أبابا في 22–23 أغسطس 2026م، نفسها بوصفها محاولة لتأسيس (مركز ثالث) في المشهد السوداني؛ مركز يرفض ثنائية القوات المسلحة السودانية والسلطة المركزية للدولة ومؤسساتها من جهة، وقوات الدعم السريع والحكومة الموازية من جهة أخرى، ويرفض كذلك اختزال مستقبل السودان في تفاهم بين طرفي الاقتتال (حرب المليشيا على الدولة ومؤسساتها الوطنية). وهذا التموضع يفسر لماذا يشغل رفض (الحوار السوداني– السوداني) الذي دعا إليه الفريق أول عبد الفتاح البرهان حيزاً حجاجياً أكبر من إدانة الدعم السريع بصورة مباشرة؛ فالخصم المباشر للوثيقة في لحظتها السياسية الراهنة يبدو هو مشروع إعادة شرعنة النظام السابق القديم الإسلاموي الحركي، ولا سيما المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، عبر حوار يجري تحت الحماية العسكرية، وليس فقط قوات الدعم السريع باعتبارها الطرف الآخر في الحرب على الدولة المركزية ومؤسساتها الدستورية.
ويتسق ذلك مع السياق الذي أحاط باجتماع أديس أبابا، حيث أعلنت القوى المشاركة رفضها للدعوة التي أطلقها قائد الجيش لما وصفه (بالحوار السوداني–السوداني)، واعتبرتها (حواراً تضليلياً) يهدف إلى شرعنة الحكم العسكري وتكريس واقع الانقسام في البلاد. ومن هذه الزاوية، فإن الوثيقة لا تقدم نفسها بوصفها مجرد بيان مناهض للحرب، وإنما بوصفها محاولة لإعادة تعريف من يملك حق تمثيل المجال المدني ومن يملك حق صياغة مستقبل الدولة السودانية بعد الحرب.
(ثانياً) بين مضمون الوثيقة وموقع القوى التي أصدرتها:
———————————-
إلا أن هذا الادعاء (مزاعم تأسيس طرف ثالث) يفتح سؤالاً أعمق يتعلق بمدى مصداقية الوثيقة واستقلاليتها السياسية. فصفة (غير المصطفة مع أطراف الحرب) بحسب الوثيقة، ليست حقيقة تكتسب قوتها بمجرد إعلانها في الوثيقة، وإنما تحتاج إلى اختبار في ضوء تاريخ القوى الموقعة، وعلاقاتها السابقة والحالية مع مؤسسات الدولة الحالية ومليشيا الدعم السريع، ومواقفها من مشاريع السلطة الموازية، ومصادر الدعم السياسي والإقليمي المحيطة بها، فضلاً عن طبيعة الدولة التي استضافت الاجتماع (أثيوبيا)، وما يثار حولها من مزاعم دولية ذات موثوقية عالية ومحايده.
ومن ثم، فإن قراءة الوثيقة ينبغي أن تتم على مستويين متمايزين:
(أولاً) مستوى مضمونها السياسي والمعياري،
(ثانياً) مستوى موقع القوى التي أصدرتها واستقلالها عن بيئة الصراع السوداني والإقليمي.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول سلامة بعض المبادئ التي تطرحها الوثيقة إلى افتراض تلقائي لحياد الجهات التي صاغتها أو وقعت عليها.
(ثالثاً) رفض (الحوار) وإعادة تعريف العملية السياسية:
———————————
تبدأ هذه المسألة من البنية الحجاجية التي أقامت عليها الوثيقة رفضها لما تسميه (الحوار). فهي تقوم على تمييز اصطلاحي وسياسي بين (الحوار) ومن جهة (عملية السلام)، ثم تبني رفضها على مجموعة من الحجج المترابطة: (أولها) أن الحوار الذي يجري من داخل مناطق السيطرة العسكرية يكرس التقسيم الجغرافي باعتباره أمراً واقعاً؛ (ثانيها) أن الدعوة صادرة عن طرف في الحرب، وليس عن وسيط محايد؛
(ثالثها) أنه لا يمكن بناء عملية سياسية ذات مصداقية في ظل استمرار القصف والمجاعة والانتهاكات الإنسانية؛ (رابعها) أن الحوار قد يتحول إلى غطاء سياسي لاستمرار المسار العسكري الذي بدأ بعد انقلاب أكتوبر 2021م؛ (خامسها) وهو الأخطر سياسياً في تصور الوثيقة، أن الدعوة قد تستخدم لإعادة تأهيل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية التي أسقطتها ثورة ديسمبر.
وتكتسب الحجة الأخيرة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مجرد رفض مبادرة سياسية إلى مفهوم أوسع هو (اختطاف الدولة)، بما يحمله من دلالة على أن النظام السابق الإسلاموي الحركي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد تيار سياسي يمكن أن يعود إلى العملية السياسية، وإنما باعتباره جزءاً من البنية التي أنتجت الأزمات المتراكمة وانتهت إلى الحرب الحالية. وبذلك تربط الوثيقة بين جذور الحرب ومسألة عدم الإفلات من المساءلة السياسية والقانونية، وتطرح تصوراً مفاده أن السلام لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق على وقف القتال، وإنما ينبغي أن يتضمن إعادة تأسيس للنظام السياسي والدولة.
(رابعاً) القوة المعيارية للوثيقة وحدودها السياسية:
———————————
من الناحية المعيارية، يمثل هذا الجانب إحدى نقاط القوة في الوثيقة؛ فهي لا تختزل (السلام) في وقف إطلاق النار، وإنما تميز بين وقف الأعمال العدائية وبين العملية السياسية التي تعيد بناء الشرعية والمؤسسات. كما أنها تحذر من تعدد مسارات الوساطة دون تنسيق، وتفضل خارطة الطريق الرباعية التي طرحت في سبتمبر 2025م باعتبارها إطاراً أكثر اتساقاً، محذرة من أن تعدد المبادرات، بين الرباعية والخماسية وإيغاد والوساطات الثنائية وغيرها، قد يؤدي إلى إضعاف الضغط الدولي بدلاً من تعزيزه.
لكن قوة الحجة المعيارية لا تجيب وحدها عن سؤال الموقع السياسي للوثيقة. فالقوى التي تقدم نفسها باعتبارها (غير مصطفة) ليست بالضرورة قوى نشأت من خارج الصراع السياسي على السلطة. وهنا يصبح التاريخ السياسي القريب لهذه القوى عنصراً أساسياً في اختبار ادعاء الحياد.
(خامساً) التاريخ السياسي للقوى المدنية واختبار الحياد:
——————————–
الواقع السياسي التاريخي يقول أن عبد الله حمدوك، الذي يمثل أحد أبرز الرموز السياسية المرتبطة بهذا التيار المدني تحت ستار (تأسيس مركز ثالث)، كان قد وقع، بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، اتفاقاً سياسياً مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان في 21 نوفمبر 2021م، وهو اتفاق لاقى ترحيباً من بعض الأطراف الإقليمية والدولية، بينما أدانته المكونات المدنية الرئيسية وبعض من الشارع السوداني ورفضته. وهذا يعني أن القيادة السياسية التي ارتبطت لاحقاً بتكوينات (تقدم) ومن ثم (صمود)، وأخيراً (تأسيس) لم تكن دائماً في موقع المواجهة المطلقة مع السلطة العسكرية، وإنما مرت بمرحلة من الشراكة السياسية المباشرة معها.
ثم انتقلت العلاقة السياسية إلى طور مختلف بعد اندلاع الحرب، عندما عقد تحالف (تقدم) لقاءات سياسية مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في مطلع 2024م، في إطار محاولة التحالف المدني تقديم نفسه ممثلاً لجبهة واسعة من المدنيين والسعي إلى وقف الحرب. إلا أن هذا التقارب مع الدعم السريع، وما ارتبط به من إعلان مبادئ ومواقف سياسية، أصبح لاحقاً أحد أسباب الأزمة الداخلية داخل التحالف المدني نفسه، ولا سيما بعد الخلاف حول مشروع تشكيل حكومة مدنية في مناطق سيطرة الدعم السريع.
وفي 10 فبراير 2025م انقسمت (تقدم) رسمياً إلى مسارين؛ مسار أيد تشكيل حكومة مدنية بديلة في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهو المسار الذي ارتبط لاحقاً بتأسيس تأسيس)، ومسار آخر ضم عدداً من القوى، بينها حزب الأمة، ورفض هذا الاتجاه وشكل (صمود) بقيادة ذات عبدالله حمدوك. ومن ثم، فإن الموقع الحالي لهذه القوى لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ الانقسام نفسه.
(سادساً) الحياد السياسي أم إعادة التموضع؟
———————————
هنا تظهر نقطة تحليلية مهمة: بحسب الوثيقة صفة (غير المصطفة مع أطراف الحرب) التي تتبناها الوثيقة قد تكون بالفعل موقفاً سياسياً حقيقياً في المرحلة الراهنة، لكنها ليست بالضرورة حياداً بنيوياً أصيلاً. فهذه القوى مرت خلال السنوات الأخيرة بتجربتين مباشرتين في التفاعل مع طرفي الصراع: تفاعل سياسي مع السلطة العسكرية من خلال اتفاق نوفمبر 2021م، ثم تفاعل سياسي مع قيادة الدعم السريع خلال مرحلة (تقدم) في 2024م، قبل أن تنشأ الانقسامات التي أعادت تشكيل المشهد المدني في 2025م بتأسيس تكتل صمود.
ومن ثم يمكن النظر إلى موقع (صمود) وحلفائه باعتباره، جزئياً، إعادة تموضع وتصحيحاً لمسار سياسي سابق، وليس مجرد نشوء لمركز ثالث لم يكن له تاريخ في معادلة الصراع على السلطة.
وهذا لا يسقط بالضرورة القيمة السياسية للمواقف التي تتضمنها الوثيقة، ولا يعني أن القوى الموقعة أصبحت بالضرورة حليفة للدعم السريع أو للجيش السوداني. وإنما يعني أن القراءة المهنية يجب أن تميز بين الحجية المعيارية لمضمون الوثيقة وبين قوة ادعائها بأنها تقف فوق الصراع السياسي السوداني. فقد تكون الوثيقة قوية في نقدها لبعض مسارات السلطة، وفي الوقت ذاته تكون القوى التي أنتجتها طرفاً سياسياً منازعاً على تمثيل الحل المدني.
(سابعاً) الصراع على تمثيل (الحل المدني):
———————————-
هذا يفسر جزئياً حدة هجوم الوثيقة على (حوار البرهان). فرفض هذا الحوار ليس فقط موقفاً أخلاقياً من مسار سياسي تقوده السلطة العسكرية، وإنما يمكن أن يُقرأ أيضاً ضمن منافسة مباشرة على سؤال: من يمثل(الحل المدني)؟ ومن يملك حق تعريف العملية السياسية المقبلة؟
فالسلطة المركزية تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها الإطار المؤسسي للدولة، بينما تسعى القوى المدنية المناهضة لها إلى تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الشرعية السياسية للمرحلة الانتقالية، في حين يسعى الدعم السريع إلى تحويل سيطرته العسكرية والجغرافية إلى نفوذ سياسي ومؤسسات موازية.
ومن هنا لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع بين الجيش والدعم السريع، بل أصبحت أيضاً صراعاً على تمثيل المجال المدني وعلى من يملك حق إعادة تأسيس السلطة السياسية للدولة السودانية بعد الحرب.
(ثامناً) الحياد السياسي لا يعني الحياد أمام الجريمة:
———————————
هذا الصراع السياسي الدائر حول السلطة في السودان لا ينبغي أن يحجب البُعد الإنساني والقانوني للحرب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التوتر في الوثيقة. فهي تتحاشى في عدد من المواضع تسمية قوات الدعم السريع صراحة عند الحديث عن الانتهاكات، وتفضل صيغاً عامة مثل (الكارثة الإنسانية) ، (الفظائع) ،(سلاح مفتك بالأطفال)، دون إسناد محدد لمرتكب الانتهاك في أغلب المواضع.
ويمكن تفسير ذلك من الناحية السياسية باعتباره محاولة للمحافظة على موقع (القوى غير المصطفة)، لكن هذا الأسلوب يخلق فجوة بين لغة الوثيقة وبين مستوى التوثيق الأممي والحقوقي الذي أصبح أكثر تحديداً في نسبة عدد كبير من الانتهاكات إلى مرتكبيها، وبخاصة مليشيا الدعم السريع.
وفيما يتعلق بالفاشر بصورة خاصة، فقد خلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى أن عمليات القتل الجماعي والفظائع المرتبطة بها التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع ومحيطها أثناء الاستيلاء على المدينة في أواخر أكتوبر 2025م تمثل مؤشرات على مسار إبادة جماعية. كما وثقت منظمة العفو الدولية، بعد تحقيق مطول، جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي خلال حملة مليشيا الدعم السريع للاستيلاء على الفاشر، في حين وثقت مفوضية حقوق الإنسان عمليات إعدام بإجراءات موجزة نفذها مقاتلو مليشيا الدعم السريع بحق مدنيين، غالباً على أساس الانتماء العرقي غير العربي، وبما في ذلك الانتهاكات والجرائم التي شهدتها أحداث الجنينة عام 2023م.
ومن منظور تحليلي، فإن هذه الوقائع تفرض التمييز بين الحياد السياسي والحياد الأخلاقي والقانوني. فمن الممكن لقوة مدنية أن تكون غير منحازة سياسياً إلى أي من طرفي الحرب، لكن ذلك لا يعني أن تكون محايدة أمام جريمة قتل أو تطهير عرقي أو اغتصاب أو تهجير قسري. فالحياد بين الأطراف السياسية لا يجوز أن يتحول إلى حياد تجاه المسؤولية الجنائية.
وفي المقابل، فإن توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء القوات المسلحة من المساءلة عن أي انتهاكات انتقائية معيارية أو غيرها تثبت في حق أفرادها أو وحداتها. فالمعيار الصحيح هو مساءلة مرتكب الجريمة أياً كان موقعه، وعدم استخدام الانتهاكات التي ارتكبها طرف لتبرير الانتهاكات التي ارتكبها الطرف الآخر.
(تاسعاً) الدولة والسلطة والقوة المسلحة والكيان الموازي:
———————————
هنا تظهر أهمية التمييز بين الدولة والسلطة والقوة المسلحة والكيان السياسي الموازي. فالقوات المسلحة السودانية، باعتبارها مؤسسة من مؤسسات الدولة، ليست هي السلطة السياسية القائمة بكل سياساتها وقراراتها، كما أن نقد السلطة لا يعني إسقاط الدولة أو إنكار مؤسساتها.
وفي المقابل، فإن قوات الدعم السريع، باعتبارها قوة مسلحة، لا تتحول بمجرد السيطرة على جزء من الإقليم إلى دولة أو حكومة شرعية مساوية للسلطة المركزية.
وهذه النقطة أصبحت أكثر حضوراً في الخطاب الإقليمي والدولي، مع بروز اتجاه دولي واسع يرفض التعامل مع أي حكومة أو كيان سياسي موازٍ ينشأ عن سيطرة قوة مسلحة باعتباره مساوياً للسلطة المركزية للدولة السودانية. والمقصود هنا ليس منح السلطة المركزية حصانة سياسية أو إعفاءها من النقد والمساءلة، وإنما الحفاظ على مبدأ أساسي في العلاقات الدولية والقانون الدولي العام: السيطرة الفعلية على الأرض لا تنشئ بذاتها شرعية لإنشاء دولة أو حكومة موازية.
(عاشراً) التفاوض لا يساوي الاعتراف:
———————————-
ينبغي التفريق بين التفاوض والاعتراف. فالتفاوض مع مليشيا الدعم السريع قد يكون ضرورة لإنهاء الحرب، ووقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وتبادل الأسرى، وترتيبات الأمن ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، لكن ذلك لا يعني الاعتراف به كحكومة أو كسلطة مساوية للدولة السودانية.
وهنا ينبغي أن تخضع وثيقة أديس أبابا لاختبار واضح: إذا كانت ترفض احتكار الجيش للعملية السياسية، فعليها أن ترفض بالقدر ذاته احتكار مليشيا الدعم السريع للعملية السياسية بحكم السيطرة العسكرية. وإذا كانت ترفض الحكومة الموازية، فعليها أن تعلن بوضوح رفض أي كيان سياسي موازٍ للدولة المركزية أياً كان منشئه. وإذا كانت ترفض استخدام القوة لإنتاج الشرعية، فعليها أن تطبق هذا المعيار على جميع القوى المسلحة دون استثناء.
(حادي عشر) إشكالية الدولة المضيفة:
———————————
تزداد هذه المسألة حساسية بسبب الدولة التي استضافت الاجتماع. فإثيوبيا ليست مجرد موقع جغرافي محايد في سياق الحرب السودانية، وإنما دولة مجاورة ذات مصالح أمنية وسياسية وإقليمية مباشرة في السودان، وقد شهدت السنوات الأخيرة اتهامات وتقارير متعددة بشأن طبيعة العلاقات الإثيوبية مع أطراف سودانية مختلفة. ومن ثم، فإن اختيار أديس أبابا لاستضافة اجتماع يهدف إلى إنتاج موقف (مستقل عن أطراف الحرب) لا يمكن فصله عن موقع الدولة المضيفة نفسها في البيئة الإقليمية للصراع، ولا سيما أن الوثيقة تتضمن في خاتمتها شكراً صريحاً لإثيوبيا (قيادةً وشعباً) على إتاحة الفرصة وعلى جهودها التاريخية في إحلال السلام.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء التحقيقات والتقارير التي ظهرت خلال عام 2026م الجاري، والتي تتجاوز في دلالتها حدود الاتهام السياسي المرسل إلى مؤشرات مادية وأمنية وسياسية تستدعي إعادة النظر في صفة الحياد الإثيوبي.
فبحسب تحقيق استخباراتي كشفت عنه رويترز في فبراير 2026م، جرى الكشف عن معسكر تدريب داخل الأراضي الإثيوبية لعناصر تابعة لمليشيا الدعم السريع، إلى جانب مرتزقة أجانب، بالقرب من مطار جرى تطويره ليشمل حظائر للطائرات ومحطات للتحكم الأرضي ومعدات لدعم الطائرات المسيّرة، بما يتطابق مع مواصفات قاعدتين أخريين للمسيّرات في إثيوبيا. كما رصدت صور الأقمار الصناعية أكثر من 640 خيمة عسكرية وحاويات شحن مصطفة في يناير 2026م، فضلاً عن برقية دبلوماسية ومذكرة أمنية داخلية تشير إلى إشراف مباشر من رئيس الاستخبارات الإثيوبية على المشروع.
وهنا ينبغي التمييز بين مجرد الاتهام السياسي بوجود انحياز إثيوبي وبين المؤشرات المادية والاستخباراتية التي يمكن أن تُقرأ باعتبارها قرائن على انخراط مؤسسات أو أجهزة إثيوبية في دعم مليشيا الدعم السريع في حربها ضد سلطة الدولة المركزية ومؤسساتها الدستورية.
فوجود معسكر تدريب، ومنشآت مرتبطة بالطائرات المسيّرة، وحشود لوجستية، فضلاً عن الإشارة إلى إشراف أمني رفيع المستوى، ينقل النقاش من مستوى الموقف السياسي المجرد إلى مستوى السلوك الفعلي للدولة أو بعض مؤسساتها. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه التقارير، بذاتها، إلى أحكام قضائية نهائية، وإنما التعامل معها بوصفها معطيات تستوجب التحقق المستقل والتحقيق المهني، وتكفي في الوقت ذاته لإنتاج سؤال سياسي مشروع حول مدى حياد الدولة المضيفة (أثيوبيا).
وتزداد دلالة هذه المعطيات بما يشير إلى أن الأراضي الإثيوبية استخدمت في تدريب أو تسليح أو إسناد مليشيا الدعم السريع؛ إذ عندئذ لا يعود دور الدولة المضيفة مقتصراً على توفير منصة للحوار أو استضافة الاجتماعات، وإنما تصبح جزءاً من البيئة الإقليمية المباشرة للنزاع. وبذلك ينتقل النقاش من سؤال(هل تستضيف إثيوبيا الحوار؟) إلى سؤال أعمق يتعلق (بما إذا كانت الدولة المضيفة تفصل فعلاً بين دورها كوسيط أو مستضيف وبين مصالحها وسلوكها الإقليمي في الحرب السودانية؟).
ولا تقف دلالات هذا الانحياز المحتمل عند الجانب العسكري والأمني، وإنما تتصل أيضاً بحسابات جيوسياسية أوسع؛ إذ تربط تحليلات أخرى الموقف الإثيوبي بحسابات الصراع الإقليمي، وتشير إلى أن إثيوبيا تقدم دعماً دبلوماسياً لقوات الدعم السريع في سياق توتراتها مع مصر بشأن سد النهضة، بما يضعها ضمن جهات فاعلة تتعارض بعض حساباتها الاستراتيجية مع المصالح المصرية.
ومن ثم، فإن المسألة لا تتعلق فقط بعلاقة إثيوبيا بأطراف الحرب السودانية، وإنما بتقاطع هذه العلاقة مع التنافس الإقليمي الأوسع، ولا سيما أن الموقف المصري يميل بوضوح إلى دعم سلطة الدولة المؤسسية؛ الأمر الذي يجعل المصالح الإثيوبية والمصرية متعارضة في بعض دوائر الصراع، ويطرح بالتالي سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة أديس أبابا على الاضطلاع بدور الوسيط المحايد.
(ثاني عشر) إشكالية اختيار أديس أبابا لعقد الاجتماع:
——————————-
من هذه الزاوية، فإن اختيار أديس أبابا لعقد اجتماع يهدف إلى إنتاج موقف (مستقل عن أطراف الحرب) يخلق إشكالية سياسية لا يمكن تجاهلها. فالمسألة لا تتعلق بمجرد مكان انعقاد الاجتماع، ولا بمجرد كون إثيوبيا دولة مجاورة للسودان، وإنما تتعلق بمدى استقلال البيئة التي احتضنت الاجتماع عن شبكات الصراع ومصالحه الإقليمية. وإذا كانت الدولة المضيفة نفسها موضع تقارير وتحقيقات تتحدث عن علاقات أو أدوار محتملة في دعم أحد أطراف الحرب (مليشيا الدعم السريع)، فإن ذلك لا يثبت تبعية القوى المشاركة لها، لكنه يجعل صفة الحياد التي تحيط بالمكان المضيف موضع سؤال مشروع يحتاج إلى فحص مستقل.
ومن هنا ينبغي التمييز بدقة بين الاستضافة والرعاية، وبين الرعاية والمشاركة في الصراع. فمجرد استضافة دولة لاجتماع سياسي لا يجعل المشاركين تابعين لها، كما أن القوى المدنية السودانية قد تحتاج بالفعل إلى مساحات خارج السودان للاجتماع والعمل السياسي في ظروف الحرب. لكن الاستضافة تصبح ذات دلالة مختلفة إذا اقترنت بتوفير دعم سياسي أو أمني أو لوجستي لأحد أطراف النزاع، أو إذا كانت الدولة المضيفة تستخدم المنصة السياسية لإعادة تشكيل موازين القوى أو التأثير في مخرجات العملية السياسية.
وبهذا المعنى، فإن الادعاء بأن أديس أبابا لم تعد وسيطاً محايداً يمكن مناقشته على مستوى يتجاوز مجرد الاتهام السياسي، مع ضرورة الحفاظ على التمييز المنهجي بين المعلومة الموثقة، والقرينة الاستخباراتية، والتحليل السياسي عالي الموثوقية، والاستنتاج القانوني. فالمعسكر والمنشآت والمعدات التي رصدتها الأقمار الصناعية، والتقارير المتعلقة بالإشراف الأمني، فضلاً عن المزاعم والتقارير الدولية والإقليمية التي تربط إثيوبيا بمليشيا الدعم السريع، تشكل في مجموعها مؤشرات مادية وسياسية ذات وزن لا يمكن تجاهله عند تقييم ادعاء الحياد الإثيوبي؛ إلا أن هذه المؤشرات، مهما بلغت دلالتها السياسية، لا تتحول بذاتها إلى حكم قانوني نهائي بالمسؤولية على الدولة الإثيوبية، وإنما تظل قابلة للتقييم والإثبات في سياقات التحقيق والمساءلة الدولية ذات الطبيعة السياسية والقانونية، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع موازين المصالح والاعتبارات السياسية للدول.
(ثالث عشر) الحياد لا يقاس بالتصريحات والاستضافات:
———————————
إن الحياد لا يُقاس فقط بالتصريحات الرسمية أو باستضافة المفاوضات، وإنما بسلوك الدولة ومؤسساتها، وبمدى استقلالها عن مصالح أطراف النزاع الإقليمية، وبقدرتها على الفصل بين دور الوسيط ومصالحها الاستراتيجية المباشرة. فالوسيط لا يفقد حياده لمجرد أن له مصالح وطنية في المنطقة، وإنما تصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما تتعارض تلك المصالح مع مقتضيات الوساطة، أو عندما تظهر مؤشرات على أن مؤسسات الدولة نفسها قد تكون منخرطة في دعم أحد أطراف النزاع .

