مقالات الرأي

غربال الوطنية.. هل إتسعت الثقوب؟    بقلم : أحمد عبدالكريم عبداللّٰه

 

حتى وقت ليس ببعيد كان يوجد في كل بيت سوداني غُربال، يتم به فصل الغث من السمين، ونميز به القمح وأنواع الحبوب الأخرى من الحصى والشوائب ،

ويجب ألا ننسى أن للوطن أيضاً غربال أسمه “الوطنية” كنا عبر تاريخنا ننخل به المواقف، فنفرز من يقف مع السودان عمن يقف عليه، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل إتسعت ثقوب هذا الغربال حتى غدت تمرر كل شيء؟

عند الاستقلال في عام 1956 كان الانتماء بسيطاً بيناً واضحاً بيِّنا ، كان الخلاف حول “كيف نحكم” لا حول “ألسنا سودانيين” اختلفت الأحزاب الكبرى وتجاذبت، لكنها كانت تلتقي في الأعياد والملتقيات وتتحاور تحت قبة البرلمان ، ثم تجتمع على مائدة واحدة ، حتى في أحلك أيام الديمقراطيتين الأولى والثانية، لم يتجاوز سقف الخلاف الدستور والقانون ، وكان الخطر الخارجي كفيلاً بجمع الشتات، في جميع المهددات والخطوب ، كان اسم “السودان” يعلو على اسم الحزب والجهة،

وجاءت فترة مايو 1969 ـ 1985 فحاولت صهر الجميع في بوتقة واحدة ، رفعت شعار “السودان أولاً” بالقوة، وألغت التعدد الحزبي، غير أنها أنجزت مشروعات قومية كبرى ، اختلف الناس مع النظام سياسياً، لكن لم يقم أحداً بوصفهم أو إتهامهم بالعمالة لمجرد معارضته لهم ، كان الاستقطاب فكرياً بين يمين ويسار، وظل محصوراً داخل البيت السوداني الواحد ،

لقد جاءت الضربة الأولى لهيبة الغربال وفاعليته في أعقاب عام 1989 ، دخلنا منطق “من ليس معنا فهو ضدنا”، وهذه حقيقة يجب الإعتراف بها، استشرى التمكين، وسادت لغة الإقصاء، ولأول مرة غدا الانتماء السياسي شرطاً للوظيفة والفرصة، وفي المقابل نشأت معارضة في الخارج جعلت من شعار “إسقاط النظام” غاية تتقدم على شعار “بناء الوطن” وعندها سقطت الأقنعة وبدأت ثقوب الغربال فى الإتساع، ومرت أولى الحصى: بإعتبار المخالف عدواً ،

ثم كان انفصال الجنوب في 2011. وكان ينبغي أن يكون لحظة مراجعة وطنية، إلا أنه تحول إلى فأس في يد كل طرف يضرب به الآخر، “أنتم السبب” ولااا “بل أنتم”.. فاتسعت الثقوب أكثر، وصار إطلاق تهمة الخيانة أمراً ميسوراً ومتاحاً للجميع،

أما منذ 2019 وحتى اليوم فقد تهشم الغربال تماماً ، لم يعد الاستقطاب سياسياً، بل صار وجودياً ، لم نعُد نختلف على البرامج والسياسات، بل صرنا نختلف على تعريف “السوداني”، تحولت الأوصاف إلى صكوك إتهام جاهزة ، وقد كشفت الحرب الأخيرة عمق الشرخ ، وجدنا أنفسنا في خندقين لا يلتقيان، يرفع كل منهما راية الوطن ويتهم الآخر بالخراب ، وللأسف غدا من المألوف أن يتمنى أناس هزيمة مؤسسة وطنية بأكملها، لا لشيء إلا لأنها فى تقديره صارت رمزاً للخصم السياسي ، تلك هي اللحظة التي تمر فيها كل الشوائب بلا حسيب،

إن الفرق بين الأمس واليوم دقيق وخطير ، كنا نقول “أنا أنتمي لهذا الحزب ولكني سوداني أولاً ” ، أما اليوم فقد صرنا نقول “أنا سوداني بشرط أن توافقني في توجهى وحزبي” ، وهكذا حولنا الوطنية من أصل ثابت إلى فرع تابع،

إذن فما المخرج؟ المخرج لا يكمن في لجنة جديدة ولا في وثيقة إضافية ، المخرج يأتى في إعادة نسج الغربال بخيوط متينة، وفي تفعيلها عبر الاتفاق على حد أدنى لا مساومة فيه: أن السودان مقدم على كل اعتبار ، في إدراك أن الانتماء السياسي ليس جرماً، وأن الاختلاف ليس خيانة ، وفي استعادة الشجاعة لنقول لخصمنا: “أنت سوداني وأنا أخالفك الرأي” وأن يعترف هو بسودانيتى وحقى فى التعبير،

وإذا لم يحدث ذلك، ستظل الثقوب تتسع، وسيمر من بينها الوطن قطعة بعد أخرى، حتى لا يبقى لنا في النهاية سوى اسم نتنازع عليه،

 

والله من وراء القصد،،.

زر الذهاب إلى الأعلى