أحمد عبدالكريم عبداللّٰه يكتب دس المحافير … حين يصبح الإعلام الرسمي خصماً للرسالة ،.

في الولاية الشمالية لا يعاني الإعلام من قلة الكفاءات، ولا من شح الموضوعات، ولا من غياب ما يستحق أن يُروى ويُوثق ، بل إن ما يعانيه الإعلام اليوم هو شيء أخطر وأقسى ، صمت المؤسسات الرسمية، قد يكون الصمت ليس بمقصود ولكنه صمت بارد، يُشبه إلى حد بعيد ما درجنا على تسميته في مجتمعنا السوداني بـعبارة دس المحافير ،
لقد اختزل إعلام مؤسساتنا الرسمية نفسه في أضيق صورة ممكنة ، بيان صحفي يُرسل متأخراً بعد أن تكون قد سبقته الشائعة بأيام ، أو مجرد صورة بروتوكولية غير واضحة المعالم لاجتماع، أو خبر من سطرين يُرسل في مجموعة واتساب او فيسبوك او حتى عبر بث اذاعى او تلفزيونى ، ثم ينتهي الأمر ، لا تحليل يشرح القرار، ولا حديث يوضح الأثر، ولا وجود في الميدان لقياس الصدى حيث يصنع الناس رأيهم ، غاب تماماً مفهوم الرسالة الإعلامية التفاعلية التي من المفترض أن تُجيب على أسئلة الناس البسيطة ، لماذا اتخذت هذه المؤسسة هذا القرار؟ ما هي مهامها الحقيقية؟ كيف يستفيد المواطن منها؟ وما هو دوره هو نفسه في إنجاحها؟
وحين غابت هذه الرسالة تركت فراغاً هائلاً، والفراغ المعلوماتى لا يبقى فارغاً ، ومن البديهى والفطرى جداً أن تملأه الشائعة، ويملأه الجهل بدور الدولة، ويملأه الإحساس القاتل لدى المواطن بأن هذه المؤسسات ماهى إلا جزر معزولة ، لا علاقة لها بحياة الناس اليومية ،. فالمواطن يسمع عن مشاريع تُنفذ ولا أحد يدري عنها شيئا، وعن خدمات تُقدم ولا أحد يفهم شروطها وكيف يصل إليها، وعن قرارات تَصدُر ولا أحد يعرف أثرها على معاشه ، هذا ليس إعلاماً بأي حال، بل هو غياب كارثى يُمارس باسم الإعلام ،
بل أن المأساة أحيانا لا تقف عند حد الغياب، بل تتعداه إلى عدم التجاوب أو عدم التفاعل الصريح، حين تذهب بعض الأجهزة الإعلامية، أو يذهب إعلاميون مهنيون يحملون أفكاراً وقوالب برامجية محترفة، هدفها نشر مفاهيم وأدوار هذه المؤسسات وجعلها ثقافة معاشة في المجتمع، يصطدمون بجدار سميك اسمه (عدم التجاوب) ،فنجد إتصال لا يُرد عليه، وموعد يُؤجل إلى ما لا نهاية، ومسؤول إعلام ينظر إلى الإعلامي على أنه دخيل يريد اقتحام مملكته، ويرى في البرنامج المهني انه مجرد ( وجع رأس ) وليس فرصة لخدمة الناس ، هذا بالضبط هو مايوصف عُرفاً بعبارة ( دس المحافير ) الذى يعنى إخفاء الجهد، وطمس الدور، و وأد الرسالة قبل أن تصل إلى مستحقيها ومحتاجيها،
أي منطق هذا الذي يجعل مسؤول الإعلام في مؤسسة خدمية يخاف من الميكرفون أو يريد إقصاء دوره الفاعل ؟ وأي فهم هذا الذي يجعل إعلام مؤسسة تتعامل مع المواطن باعتباره خصماً يجب أن لا يعرف شيئاً، لا باعتباره صاحب الحق الأصيل الذي يجب أن يعرف كل شيء؟
وثمن هذا النهج ندفعه جميعاً وباهظاً ، يُنتج لنا مواطناً جاهلاً بحقوقه وواجباته تجاه مؤسساته، فلا يطالب ولا يشارك ولا يتفاعل، ويُنتج لنا مؤسسة تعمل ثم تعمل ولكن يحكم مسؤول إعلامها بإنطباعيته على كل ذلك العمل بأن يكون في الظلام ، فيُساء فهم جهدها ويُهاجم عملها لأن أحداً لم يشرحه ولم يوضحه او يعكس ايجابياته حتى يحظى بالمطلوب من التفاعل والتجاوب ، ويُنتج لنا إعلاماً يتحول مرغماً من شريك في البناء إلى ناقل للإشاعة الهدامة والمعطلة لأية انجاز أو تقدم ، فقط ولأنه ببساطة لم يجد المصدر الرسمي الذي يرد عليه ويمنحه المعلومة،
الإعلام ليس ترفاً ولا وجاهة أو واجهة للتجميل ، بل إن الإعلام هو الجسر الذي يربط بين الدولة ومواطنيها، وحين يتم قفل هذا الجسر ، فمن البديهى والطبيعى جداً أن يقف المواطن في الضفة الأخرى ، ويصدق أي رواية إلا رواية المسؤول رغم مصداقيتها التى هزمتها سلبية مسؤول إعلام مؤسسته،
نحن في الولاية الشمالية ، بل فى معظم ولايات السودان في أمس الحاجة اليوم إلى ثورة في عقلية إعلام المؤسسات ، نحتاج مسؤولين عنها يفهمون أن الشفافية قوة لا ضعف، وأن الحضور الإعلامي حماية للمؤسسة لا تهديد لها، وأن التفاعل مع الإعلاميين المحترفين ليس منّة تُمنح ،وهو واجب وظيفي وأخلاقي بل هو ( عيش يعطى لخبازة ) قبل أن يكون أي شيء آخر ،
فكفانا ( دس محافير ) فالوطن الذي نريد بناؤه لا يُبنى في الغرف المغلقة، ولا في الأدراج، ولا في البيانات المتأخرة، الوطن يُبنى بوعي الناس وفى صدورهم ، ووعي الناس لا يأتي إلا بإعلام حاضر ومتفاعل وشجاع، يشرح ويوضح وتُقربه المؤسسات ليقترب من المواطن،


