فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب التكييف الدستوري والقانوني لإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة بقرارات من رئيس مجلس السيادة للعام 2025م (5/5)

(جدلية البقاء في الرتبة لأقصى المدة المقررة وفقاً لما تحدده اللوائح)
تناولت المقالات في سلسلتها التحليلية التكييف الدستوري والقانوني لقرارات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الصادرة لعام 2025م، القاضية بإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة وإحالتهم إلى المعاش، مؤكداً أن سلامة التصرفات الإدارية للسلطات العليا تُعد الركيزة الأساسية لحماية الحقوق الدستورية للأفراد، وفي مقدمتها الحق في العمل وتقلد الوظائف العامة. ولا يقتصر أثر هذا التحليل الأكاديمي والقانوني على هيئة الشرطة فحسب، بل يمتد نطاق أسانيده وتشخيصاته للقرارات والتشريعات ليشمل باقي القوات النظامية، وعلى رأسها القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة؛ نظرًا لوحدة القواعد الحاكمة للمشروعية الإدارية وخضوع الوظيفة العسكرية والنظامية لذات الأطر الدستورية المنظمة للولاية والاختصاص.
وانطلاقاً من هذا الامتداد الموضوعي، يتبين أن الاختصاص الإداري في إصدار قرارات إنهاء الخدمة يمثل ولاية قانونية مقيدة ومحدودة النطاق، وليس ملاءمة تقديرية أو امتيازاً سياسياً نابعاً من علو المنصب. وفي هذا السياق، أوضحت سلسلة المقالات أن حشد الإحالات الإجرائية وقواعد التفسير العامة – كقانون تفسير القوانين لسنة 1974م أو لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م- لا يكفي لخلق اختصاص موضوعي أصيل لم يقرره التشريع المنظم للقوات النظامية، إذ إن نقل هذه الصلاحيات يتطلب سنداً دستورياً وتعديلاً تشريعياً صريحاً ومستوفياً لشروط النفاذ القانونية وعلى رأسها النشر الرسمي في الجريدة الرسمية (الغازيتا)، وهو ما لا يجوز افتراضه أو تقريره بطريق التفسير الضمني أو الاستنتاج المبتسر.
وارتباطاً بهذه العيوب الهيكلية التي شابت القرارات الصادرة 2025م، يقدم التحليل تمييزاً مفاهيمياً بين البطلان النسبي المقيد بمواعيد الطعن الإجرائية العادية، وبين الانعدام والبطلان المطلق الذي ينزع عن القرار مقومات وجوده الجوهرية لصدوره عن جهة تفتقر أصلاً للولاية التشريعية. فالقرار المنعدم يُعامل كأن لم يكن (Ex tunc) مجرداً من أي حصانة قانونية أو زمنية، مما يتيح للقضاء والجهة الإدارية التراجع عنه وإلغاء كافة آثاره المالية والوظيفية في أي وقت دون التقيد بمواعيد الطعن الإداري. وقد حذرت سلسلة المقالات في هذا الصدد من قصور أداء (عقل الدولة) المتمثل في وزارة العدل ومستشاريها القانونيين، مؤكدة أن مراجعة النصوص وتنقيحها الشكلي لا يجوز اتخاذهما ستاراً لإحداث تعديلات موضوعية أو نقل للولايات التشريعية بغير إجازة صريحة من السلطة المختصة.
وتأسيساً على هذا التأصيل القانوني، تتشكل معالم العلاقة بين الرقابة القضائية والمعالجة المؤسسية عبر مسارين رئيسيين: المسار القضائي باللجوء إلى القضاء الإداري والدستوري بدعاوى الانعدام لإعادة الحال إلى ما كان عليه، والمسار الإداري بإنفاذ وزارة العدل لدورها الفني في سحب القرارات الباطلة ومعالجة الاختلالات. وتخلص المقالة إلى حتمية إعمال مبدأ العدالة التناظرية والإنصاف (Analogous Justice)، الذي يوجب سريان أحكام البطلان وإعادة الأوضاع المالية والوظيفية بشكل متكافئ وشامل على جميع المتأثرين بالقرارات المنعدمة في مختلف الأجهزة النظامية؛ تأكيداً على أن كفاءة مؤسسات الدولة تقاس بقدرتها على إخضاع السلطة للقانون لا إخضاع القانون لإرادة السلطة.
وفي هذا السياق، سلّطت العديد من المداخلات والتعقيبات الضوء على تساؤلات محورية تخص نطاق الاختصاص والصلاحية والسلطة في إطار القانون والقضاء الإداري، ولا سيما الإشكالية المرتبطة باستنفاد الحد الأقصى للمدة المقررة في الرتبة وفق اللوائح التنظيمية كسبب لإنهاء الخدمة؛ وهي جدلية قانونية نسعى لتناولها وعرضها تفصيلياً عبر فقرات هذه المقالة.
(أولاً) الصلاحيات والاختصاصات والسلطات: مفهومها وما يجمع بينها:
——————————–
تتكامل مفاهيم الصلاحيات والاختصاصات والسلطات لتشكل معاً البناء التنظيمي والقانوني لأي جهاز إداري، وعلى الرغم من التداخل الشائع بينها في الممارسات اليومية واعتبارها مترادفات، إلا أن لكل منها مدلولاً دقيقاً ومستقلاً. فالاختصاصات تمثل الولاية والنطاق القانوني الموضوعي أو الجغرافي المحدد حصراً بالقوانين والدساتير للجهة الإدارية، بحيث لا يجوز تجاوزها أو التنازل عنها إلا بنص صريح. وفي المقابل، تُعنى السلطات بامتلاك القدرة القانونية والإجبارية لفرض القرارات وإصدار الأوامر وإلزام الأفراد، مستمدةً قوتها من المركز الوظيفي والنصوص التشريعية. بينما تختلف عنها الصلاحيات في كونها الهامش المرن ورخصة التسيير الممنوحة للمسؤول لتحقيق الملاءمة الإدارية وسرعة إنجاز العمل، وغالباً ما تستمد من اللوائح الداخلية والتفويضات الإدارية القابلة للنقل والتنظيم بسهولة مقارنة بالاختصاصات والسلطات.
وعلى الرغم من هذه الفوارق الجوهرية في المصدر والطبيعة وقابلية التفويض، يجمع بين هذه المفاهيم الثلاثة قاسم مشتركة تتمثل في خضوعها جميعاً لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، فلا يُمكن لأي منها أن تُمارس خارج المظلة القانونية المقررة. كما أنها تعمل في إطار منظومة تكاملية تتناغم فيها لخدمة المصلحة العامة وتسيير المرافق العامة بانتظام؛ حيث يحدد الاختصاص مكان ومجال العمل، وتمنح السلطة القوة والإلزام لتنفيذه، وتوفر الصلاحية المرونة الإجرائية اللازمة لإتمامه على الوجه الأكمل. ونتيجة لهذا الارتباط العضوي، فإن إساءة استخدام أي منها أو تجاوز حدودها القانونية يعرض التصرف الإداري للطعن بالبطلان أو الانعدام، ويضع شاغل الوظيفة تحت طائلة المساءلة القضائية والمؤسسية لضمان حماية الحقوق وصيانة المراكز القانونية للأفراد.
(ثانياً) جدلية قضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة:
———————————
تتأتى خطورة الجدل المحيط بعبارة (قضاء أقصى المدة المقررة وفقاً للوائح) – بوصفها ذريعة لإنهاء الخدمة في المؤسسات النظامية كالشرطة، والقوات المسلحة، وجهاز المخابرات العامة – من تكريس بعض الأحكام القضائية لعام 2013م لاتجاه يحصّن هذا الإجراء، معتبرة إياه من صميم الإطلاقات التقديرية وسلطة المواءمة الإدارية المحض، وهو ما أضفى طابع الحصانة على قرارات الإدارة وضيّق نطاق الرقابة القضائية على مشروعيتها. ولتفكيك أبعاد هذه الإشكالية، واستجابةً لما أثارته التعقيبات والمداخلات الواردة على سلسلة هذه المقالة، نتناول أوجه النزاع عبر محاور متسلسلة؛ نتوخى فيها الجلاء التشريعي، واستظهار صحيح التكييف القانوني، مع إبراز الضوابط الحاكمة للتطبيق السليم للقواعد والنصوص.
1. تفكيك إشكالية الاستناد لبلوغ أقصى المدة المقررة في الرتبة:
———————————
تتبلور الإشكالية المحورية في قرارات عام 2025م الصادرة بإنهاء خدمة ضباط الشرطة – بناءً على توصية وزير الداخلية – في الاستناد المباشر إلى المادة (32/ي) من قانون شرطة السودان لسنة 2008م وتعديلاته، والتي علّقت إنهاء الخدمة ببلوغ أقصى المدة المقررة في الرتبة وفقاً للوائح. ويكمن جوهر هذا الجدل الخلافي في توصية وزير الداخلية في انحراف الجهة الإدارية عن المقصد التشريعي السليم؛ إذ عمدت إلى خلع القواعد اللائحية من سياقها الصحيح وتأويلها على غير مقاصدها، عبر تحويل (القيد الزمني المنظم لاستحقاق الترقي) – الذي أُقرّ أصلًا كمعيار لائحي وضابط زمني لتقييم مدى الأهلية للترفع بالترقي إلى الرتبة الأعلى – إلى سبب تلقائي ومستقل لإسقاط المركز الوظيفي والإحالة إلى التقاعد في المعاش الإجباري. فالشروط اللائحية المقررة لقضاء أقصى مدة في الرتبة وُضعت كقيد لإلزام الإدارة بالنظر في الترقية والمفاضلة بين المستحقين، وليست أداة عقابية أو سبباً مجرداً لإخلاء الوظيفة العامة دون نص تشريعي صريح لائحي يقرر هذا الأثر وفق شروطه وعناصرة وإجراءاته.
وما يضاعف شائبة عدم المشروعية التي توصم قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م، هو انحراف المدير العام لقوات الشرطة بممارسة السلطة الممنوحة له بموجب المادة 29/(2 ، 3) من قانون شرطة السودان لسنة 2008م وتعديلاته؛ إذ حصر النص التشريعي صلاحيته في حدود (تحديد أقدميات الضباط وقيدها في سجل قائمة أسماء الضباط) لدى الإدارة العامة للموارد البشرية (الشؤون الإدارية).
ولا تنشئ هذه السلطة التنظيمية المقيدة لتحديد الأقدميات تفويضاً أوسع أو تفسيراً ضمنياً يتيح للمدير العام ممارسة اختيارٍ مطلق وتصرف تحكمي من واقع تلك السجلات، للترخيص بإحالة ضابط الشرطة للتقاعد بالمعاش الإجباري دون التقيد بالمعايير الحاكمة لتدرج الدفعات وأسبقيتها وشروط وعناصر وإجراءات انهاء الخدمة للتقاعد في المعاش الإجباري؛ إذ جرى العصف بأقدمية ضباط ينتمون لدفعات أحدث بإنهاء خدمتهم، في مقابل استبقاء ضباط من دفعات أقدم مستمرين في الخدمة بذات الرتبة، ثم الاتكاء على واقعة (البقاء في الرتبة ببلوغ أقصى المدة المقررة لها) – وهي واقعة صنعتها الإدارة بنفسها عبر التخطي المتعمد – كذريعة لإحالة ضابط الشرطة إلى المعاش.
وهو ما يمثل تجاوزاً صريحاً للحدود التشريعية واستحداثاً لأسباب إنهاء خدمة جديدة لم تنص على أحكامها وشروطها أي قاعدة تشريعية صريحة ومباشرة في لائحة شروط خدمة وترقي ضباط الشرطة لسنة 2018م، مما ينطوي على انحرافٍ بيّن بالسلطة يُعيب أسباب القرار ويجرّده تماماً من سنده الواقعي والقانوني السليم.
2. البُعد الدستوري والسياسي لمشروعية السلطة:
———————————
من الزاوية الدستورية والسياسية، يتصادم المسلك الإداري في إنهاء خدمة ضباط الشرطة مع المبادئ المستقرة التي تحكم مشروعية السلطة العامة؛ إذ لا تملك الإدارة تفويضاً مطلقاً أو افتراضياً لإنهاء المراكز الوظيفية للنظاميين إلا استناداً إلى نص دستوري وقانوني صريح، صادر عن السلطة المختصة، ونافذ وقت صدور القرار. ولا ينهض للتغطية على هذا العيب التذرعُ بدفوعٍ مجردة (كإعادة هيكلة القوات النظامية) أو (الإصلاح الإداري)؛ فمن الثابت مستقراً أن الغايات الإدارية العامة – مهما بلغت مشروعيتها – لا تُنشئ اختصاصاً معدوماً، ولا تُصحح بطلاناً دستورياً، ولا تُسوّغ اتخاذ اللوائح أدواتٍ لإقصاء الكفاءات الوظيفية خارج الأطر التي رسمها القانون. فالقوات النظامية تخضع لتدرجٍ مؤسسي وضوابط حاكمة تحظر تداخل صلاحيات السلطة السياسية العليا مع الاختصاصات الفنية والموضوعية الأصيلة المقررة قانوناً للمدير العام لقوات الشرطة (على سبيل المثال في قرارات انهاء ضباط شرطة 2025م).
ومن زاوية البناء التشريعي وتدرج القواعد، فإن قانون شرطة السودان 2008م تعديل لسنة 2017م وإن نصّ صراحةً على (قضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة) كسبب لإنهاء الخدمة والإحالة للتقاعد بالمعاش، إلا أنه علّق نفاذه وإعمال أثره المباشر بعبارة حاسمة وهي: (وفقاً للوائح). ومن ثم، فإن سكوت المشرع اللائحي – في لائحة شروط خدمة وترقي ضباط الشرطة لسنة 2018م – عن تنظيم هذا الشرط وبيان أركانه، وضوابط احتسابه، والإجراءات الواجبة لإنهاء الخدمة والتخلي عن الضابط بالتقاعد للمعاش، لا يُعد بحالٍ من الأحوال ترخيصاً للإدارة بانتهاج خيار مطلق أو التوسع في استحداث ضوابط إعتباطية لإسقاط المراكز الوظيفية.
بل إن هذا السكوت اللائحي عن تنظيم موجبات الإحالة للتقاعد بالمعاش لعلة أقصى المدة يُعتبر سكوتاً مقصوداً؛ يعبّر عن حكمة تشريعية تتجلى في جعل هذا السكوت صمام أمانٍ قانونياً يضمن حماية الوظيفة العامة والمركز القانوني للضابط من التعسف. فلا يجوز للإدارة أن تتخذ من النص المجرد في القانون ذريعة لاتخاذ أقسى إجراء وظيفي والمتمثل في إنهاء الخدمة والإحالة للتقاعد بالمعاش بمعزل عن التنظيم اللائحي المفقود، ولا أن تستغل غياب الضوابط اللائحية لتجعل من (قضاء أقصى المدة) عقوبة مقنعة للإحالة للمعاش تجازي بها الضابط على نتائج تقاعسها هي عن ترقيته وحرمانه المتكرر من فرص الترقي والترفيع المستحقة.
وتتجلى مظاهر الانحراف بالسلطة والالتفاف حول القانون في لجوء الجهة الإدارية إلى استخدام عبارات فضفاضة وهلامية لتغطية عيب السبب؛ فتارةً تعمد إلى ترقية الضابط للرتبة الأعلى مع إحالته فوراً وفي ذات القرار للتقاعد بالمعاش، وتارةً أخرى تقرر إحالته للمعاش بذات رتبته مع تسوية معاشه على الرتبة الأعلى. وهو مسلك ينطوي على تناقضٍ قانوني بيّن والتفافٍ صريح على أحكام التشريع، إذ خلت القوانين واللوائح المنظمة من أي سند تمييزي يتيح للإدارة الجمع بين أثرين متعارضين (الترقية كرمز للاستحقاق، والإحالة كنهج للتخلي)، أو المفاضلة التحكمية بين الترقية الشكلية مع الإحالة وبين الإحالة المباشرة مع التسوية الاستثنائية. وما هذا التخبط الإداري إلا دليلٌ قاطع على غياب المعيار التشريعي الموحد، ومحاولة مكشوفة لمنح القرار مظهراً صورياً للمشروعية والملاءمة، في حين أنه يُمثل في جوهره إهداراً للمراكز القانونية وتجاوزاً لضوابط إنهاء الخدمة والإحالة للتقاعد بالمعاش.
3. التحليل القانوني الصرف وآلية التأويل:
———————————-
على الصعيد القانوني الصرف، يبرز البون الشاسع بين أحكام الترقية وأحكام إنهاء الخدمة؛ فالحالة (الأولى) وُضعت لتنظيم أحقية النظر في الترفيع الوظيفي وضخ الدماء في الهيكل الإداري، بينما الأخيرة (الثانية) تتعلق بحرمان الضابط من مركزه القانوني والوظيفي إجبارياً. ولما كانت أسباب إنهاء الخدمة تُعد من قواعد النظام العام التي لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها أو استنباطها بمفهوم المخالفة، فإن نقل القيد الزمني للترقي وإسقاطه كسبب للإحالة للمعاش يُعد قياساً فاسداً وخطأً جسيماً في تطبيق القانون وتأويله. ويزداد هذا المسلك بطلاناً بالنظر إلى مسؤولية الإدارة عن واقعة (التخطي الممتد للضابط في الترقي)؛ فليس من المنطق القانوني السليم أن تُبقي الإدارة الضابط في رتبته لسنوات طويلة تجاوزت القيد الزمني المقرر في الرتبة مع ترقية من هم أحدث منه للرتبة الأعلى، ثم تستند إلى تلك المدة الممتدة التي صنعتها بقرارها السلبي لتتخذها ذريعة لإنهاء خدمة الضابط، وهو ما يوصم/ يصم القرار بعيب الانحراف بالسلطة وعيب السبب.
وتأسساً على ما تقدّم، يخلص التحليل التشريعي والدستوري إلى أن عبارة (قضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة وفقاً للوائح) لا تصلح سبباً قانونياً سائغاً لإحالة الضباط إلى المعاش الإجباري، في ظل الصمت المطلق للمشرع اللائحي عن تنظيم شروطها وأحكامها واجراءاتها، رغم التعليق الصريح في المادة (32/ي) من قانون شرطة السودان على عبارة (وفقاً لما تقرره اللوائح)، وفي ضوء الاختصاص المحدود المقرّر للمدير العام بموجب المادة (29/ 2، 3) والذي ينحصر في مجرد تحديد أقدميات الضباط وقيدها في السجلات دون أن يمنحه تفويضاً بإحداث أسباب إسقاط وظيفي جديدة بالإحالة للتقاعد في المعاش إجبارياً.
ومن زاوية علم التشريع وقواعد الأصول، فإن النصوص المنظمة لإنهاء الخدمة في الوظيفة العامة تُعد من القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام؛ والتي يحظر القانون التأويل في مقاصدها، أو القياس عليها، أو التوسع في تفسيرها دون سند تشريعي صريح ومباشر. وعليه، فإن صدور القرار الإداري بالإحالة إلى المعاش استناداً إلى هذا النص المعطّل لائحياً يوصمه بعيب عدم المشروعية، والقصور البيّن في التسبيب، وبنائه على سبب غير قائم واقعاً وقانوناً، ناهيك عن الخطأ الفادح في تكييف المراكز القانونية للضباط وتحميلهم الآثار السلبية الناتجة عن إعراض الإدارة وتقاعسها عن ترقيتهم طوال فترة التخطي المتعمد.
وفي هذا السياق، يتجلى عيب عدم المشروعية الذي يدمغ قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م عند مصادمتها الصريحة لمبدأ ‘التدرج النورماتي (Normative Hierarchy)؛ وهو المبدأ الذي يُعد من أرسخ القواعد الأصولية في علم التشريع وفقه القانون الإداري المستندة إلى أطروحات الفقيه الدستوري الألماني هانس كيلسن. ويقضي هذا المفهوم بترتيب القواعد التشريعية والتنظيمية في بنية هرمية متدرجة، تعلو فيها كل قاعدة على ما دونها وتخضع لما يعلوها، بحيث تستمد القاعدة الأدنى مشروعيتها وسندها الوجودي من القاعدة الأعلى، وتلتزم بحظر مخالفتها أو التجاوز على أطرها الموضوعية والإجرائية.
وانطلاقاً من هذا التأسيس الأصولي، فإن إنزال المبدأ على بيئة الأنظمة واللوائح الشرطية (قوانين ولوائح الشرطة) يُقيم حداً فاصلاً بين التشريع العام، والتنظيم اللائحي، والتنفيذ الإداري؛ إذ يتجسد التدرج النورماتي في خضوع التصرفات الإدارية لتدرج رأسي صارم، يأتي في قمته القانون (قانون الشرطة لسنة 2008م وتعديلاته) باعتباره التشريع الأصيل المحدد للصلاحيات وأسباب إسقاط المراكز الوظيفية، تتلوه اللائحة التنفيذية (لائحة شروط خدمة وترقي ضباط الشرطة لسنة 2018م) المقيدة بتفصيل القواعد التي يحيل إليها التشريع بعبارات شرطية (شرط/ شروط) مثل (وفقاً للوائح)، بينما تقبع في أدنى الهرم ‘القرارات والكشوفات التنفيذية (المعتمدة استناداً للمادة 29/(2، 3) قانون شرطة السودان) والتي ينحصر دورها النورماتي في التطبيق والتوثيق المادي دون القدرة على إنشاء مراكز قانونية أو استحداث أسباب إسقاط جديدة تقضي بإنهاء الخدمة بالإحالة للتقاعد في المعاش.
ومؤدى هذا التدرج النورماتي أن تعليق المشرع في المادة (32/ي) قانون شرطة السودان إعمال سبب إنهاء الخدمة (قضاء أقصى المدة المقررة في الرتبة) على تنظيم لائحياً مفقود، يجعل إقدام السلطة الإدارية على إصدار قرارات 2025م بإحالة الضباط للتقاعد بالمعاش مجرد افتراس من القاعدة الإدارية الأدنى لأحكام القاعدة التشريعية الأعلى، وتجاوزاً على الاختصاص اللائحي الغائب. وهو خرق جسيم لحرمة التدرج النورماتي يهدم ركن المشروعية في قرارات 2025م، ويُجرّدها تماماً من سندها القانوني ليصمها بعيب البطلان والانعدام. ،،، (إنتهى)
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
إحالات مرجعية:
(أولاً) كتب القانون والقضاء الاداري:
لتأصيل أسباب بطلان القرار الإداري، عيب السبب، والانحراف بالسلطة، وسلطة التقدير الإداري:
(1) د. سليمان محمد الطماوي – النظرية العامة للقرارات الإدارية: دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، القاهرة.
(موضع الاستشهاد من المقالات: تأصيل (عيب السبب، والانحراف بالسلطة، وحظر اتخاذ السلطة التقديرية ذريعة لإهدار المراكز القانونية المكتسبة).
(2) د. مجدي مدحت نهري – الرقابة القضائية على مشروعية القرارات الإدارية (عيب السبب والغاية)، دار النهضة العربية، القاهرة.
(موضع الاستشهاد من المقالات: عدم سائغية أسباب القرار الإداري إذا بنيت على واقعة صنعتها الإدارة بنفسها (التخطي التعسفي).
(3) د. محمد فؤاد عبد الباسط — الرقابة على أعمال الإدارة (دعوى الإلغاء)، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية.
(موضع الاستشهاد من المقالات: حدود الرقابة القضائية على قرارات إنهاء الخدمة والإحالة إلى المعاش).
(4) د. سعاد الشرقاوي – القضاء الإداري (دعوى الإلغاء)، دار النهضة العربية، القاهرة.
(موضع الاستشهاد من المقالات: استقلال القواعد المنظمة للترقية عن قواعد إنهاء الخدمة وتفنيد الالتفاف حول القانون).
(ثانياً) كتب علم التشريع وصياغة القواعد الآمرة والنظام العام:
لتأصيل السكوت التشريعي، التدرج التشريعي، وحظر القياس أو التأويل في القواعد الآمرة:
(1) د. فتحي والي — مبادئ علم التشريع والصياغة القانونية، دار النهضة العربية.
(موضع الاستشهاد: من المقالات مفهوم (السكوت التشريعي/ اللائحي المقوم) وحظر التوسع في القياس على نصوص إسقاط الحقوق والمراكز الوظيفية.
(2) د. حسن كيرة — المدخل إلى القانون: القواعد القانونية والتنظيم التشريعي، منشأة المعارف، الإسكندرية.
(موضع الاستشهاد من المقالة: اعتبار قواعد إنهاء الخدمة والوظيفة العامة من قواعد النظام العام التي لا يجوز التعديل فيها بالاستنتاج الضمني.
(3) د. عبد الرزاق أحمد السنهوري — الموجز في الفلسفة القانونية ونظرية التفسير التشريعي، مجمع اللغة العربية/ دار الشروق.
(موضع الاستشهاد من المقالة: حظر التأويل بغير نص، والفرق بين الإحالة التنظيمية إلى اللوائح والإغفال التشريعي.
(4) فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين محمود، التشريع وصناعة القانون، القاهرة، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، 2025م.
(موضع الاستشهاد من المقالة: التدرج النورماتي وأثره التشريعي في صناعة القانون).

