نسق الأنامل د. الهادي خضر درمه .. يكتب ،، مشوارك علينا… وراحة أهلك مسؤوليتنا!

ليس كلُّ تعبٍ مشقة، ولا كلُّ راحةٍ سكوناً، فثمة تعبٌ تصنعه الأيادي لتستريح به القلوب، وجهدٌ تبذله المؤسسات لتخفف به عن الناس عناء الطريق، وعطاءٌ لا تُقاس قيمته بما يُبذل فيه، وإنما بما يتركه من أثرٍ طيب في حياة الآخرين.
ومن هنا تشرق مبادرة الشرطة والقوات النظامية بتنظيم المشاركة في ترحيل المواطنين والطلاب وأصحاب الحاجات، والإسهام في تخفيف أعباء المواصلات وضائقة الوقود، لتقدم نموذجاً حياً لمعنى المسؤولية المجتمعية، وتؤكد أن الشرطة ليست فقط عيناً ساهرة لحفظ الأمن، ويداً حاضرة لفرض النظام، وإنما هي أيضاً قلبٌ نابض بقضايا المجتمع، وشريك أصيل في تفاصيل حياة المواطن وهمومه اليومية.
إنها مبادرة تتجاوز حدود توفير المركبات وتسيير الرحلات، فهي رسالة تضامن في زمن تتعاظم فيه التحديات، وموقف إنساني يستشعر معاناة المواطن، ويضع الطالب أمام فرصة الوصول إلى قاعات دراسته، والمريض أمام أمل بلوغ وجهته، وصاحب الحاجة أمام فسحة من التيسير بعد طول عناء.
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها تستنهض روح المؤسسة النظامية بما عُرفت به من انضباط وتنظيم وجاهزية، وتسخر إمكاناتها لخدمة الناس، في صورة تؤكد أن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من آليات وعتاد، وإنما بما تقدمه من أثر ملموس في حياة المواطنين.
وهنا بيت القصيد، فإن هذا العمل الكبير لا ينبغي أن يظل مسؤولية الشرطة والقوات النظامية وحدها، فالمسؤولية المجتمعية لا تعرف الاحتكار، والتكافل لا يكتمل إلا بتضافر الأيدي. ومن هنا تأتي الدعوة مفتوحة إلى رجال الأعمال، والشركات، وأصحاب المركبات الخاصة، ومؤسسات القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والشباب، وكل قادر على العطاء، للمشاركة في هذا الجهد الوطني.
قد تكون مساهمتك مركبة، أو وقوداً، أو صيانةً لوسيلة نقل، أو تخصيص رحلة، أو تنظيماً لمسار، أو تطوعاً بالوقت والجهد. فليس مطلوباً من الجميع أن يقدموا الشيء نفسه، وإنما أن يقدم كلٌّ ما يستطيع. فربما كانت مركبتك سبباً في وصول طالب إلى امتحانه، وربما كان لتر الوقود الذي تتبرع به سبباً في نقل مريض إلى المستشفى، وربما اختصرت رحلةٌ مجانية معاناة أسرة بأكملها.
ولكي تبلغ المبادرة غاياتها، فإن نجاحها رهين بالتنظيم المحكم، وتحديد المسارات والأولويات، والتنسيق بين الجهات المشاركة، وضمان سلامة المستفيدين، وإدارة المساهمات بشفافية ومسؤولية؛ حتى تتحول المبادرة من استجابة آنية إلى نموذج مستدام للتكافل والعمل المشترك.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مثل هذه المبادرات التي تنقل روح الوطنية من حيز الشعارات إلى ميادين الفعل، وتثبت أن الأزمات مهما اشتدت لا تستطيع أن تهزم مجتمعاً يتساند أبناؤه، ولا أن تعطل مسيرة وطن تتقدم فيه المؤسسات والمواطنون جنباً إلى جنب.
فيا أهل الخير، ويا أصحاب المبادرات، ويا من تملكون مركبة أو وقوداً أو قدرةً على المساهمة، هلمّوا إلى هذا الميدان، فالمشوار الذي تخففونه عن مواطن هو في حقيقته خطوة في طريق التعافي الوطني، واليد التي تمتد بالعون اليوم قد تجد غداً من يمد إليها يد العون.
مشوارك علينا… وراحة أهلك مسؤوليتنا!
عبارة ليست مجرد شعار لمبادرة ترحيل، بل عهدٌ إنساني، ورسالة وطنية، وثقافة ينبغي أن تسود، فالأوطان لا تنهض بكثرة المتفرجين، وإنما بسواعد الذين يتقدمون حين يحتاج الناس إلى العون.
بوركت الأيادي التي تتعب ليرتاح الناس… فذلك هو التعب الذي فيه الراحة، والسودان ينتظر منا الكثير، فليكن حمدنا وشكرنا لله رب العالمين.
اذا أمد الله في الاجال سنعود.


