مقالات الرأي

موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم .. يكتب ،، الجيش والمليشيات… مخاطر الدمج والاستيعاب على قوام الجيش

 

تواجه المؤسسة العسكرية السودانية، وسط انشغالها بحرب تستهدف بقاء الدولة ووحدة أراضيها، تحدياً بنيوياً قد تمتد آثاره إلى ما بعد توقف العمليات القتالية، ويتمثل في اتساع دائرة التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة، أو تعود من صفوف التمرد إلى معسكر الدولة، دون أن تخضع بالضرورة لمنظومة مؤسسية متكاملة لإعادة التنظيم والتأهيل والدمج. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في احتمال انتقال الجيش، بصورة تدريجية وغير مقصودة، من مؤسسة عسكرية موحدة العقيدة والتكوين إلى إطار يستوعب تشكيلات متعددة الولاءات والخلفيات، بما قد يغير طبيعته المهنية ويضعف تماسكه الداخلي.

 

لقد أفرزت الحرب السودانية واقعاً عسكرياً معقداً، برزت فيه تشكيلات مثل قوات درع السودان بقيادة أبوعاقلة كيكل، والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، ومجموعات ارتبطت بأسماء النور القبة والسافنا وموسى هلال، إلى جانب تشكيلات تُعرف بتمازج ودرع الشمال ودرع النخيل وغيرها. وتتفاوت هذه المجموعات في نشأتها وأحجامها وأطرها القانونية وعلاقاتها بالقيادة العسكرية، كما تختلف ظروف انضمامها إلى القتال إلى جانب الجيش. غير أن القاسم المشترك الذي يستدعي الدراسة يتمثل في ضرورة تحديد وضعها المؤسسي، وطبيعة خضوعها للقيادة والسيطرة، ومستقبل أفرادها وقياداتها ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة.

 

ولفهم أبعاد هذه المسألة، ينبغي التمييز بين المؤسسة العسكرية والتشكيل المسلح. فالجيش النظامي ليس تجمعاً من الرجال يحملون السلاح ويتلقون الأوامر، وإنما كيان مؤسسي تصوغه العقيدة العسكرية، وتوحده العقيدة القتالية، وتصقل أفراده منظومة متكاملة من التدريب والتأهيل والانضباط والتقاليد المهنية. وتضبط علاقاته الداخلية القوانين واللوائح، ويحدد تسلسله القيادي نظام الرتب والأقدميات والمؤهلات، بينما تستمد قيادته مشروعيتها من التنظيم المؤسسي وسلطة الدولة، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية والقبلية والجهوية والسياسية.

 

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تمس قوام الجيش ذاته، وهو مفهوم يتجاوز التعداد البشري والتشكيل التنظيمي إلى الطبيعة المؤسسية التي تمنح القوات المسلحة شخصيتها العسكرية المتميزة. فالجيش قوام متجانس تصوغه العقيدة العسكرية، وتصقله العقيدة القتالية، وتسبكه منظومات التدريب والتأهيل والتنظيم، وتحفظ تماسكه القوانين واللوائح والتقاليد العسكرية. وهذا القوام حصيلة تراكم مؤسسي طويل، تتوحد خلاله المفاهيم والسلوكيات وأنماط القيادة والانضباط، حتى يصبح الجيش كياناً متماسكاً تتكامل مكوناته ضمن منظومة واحدة، مهما تعددت أسلحته وتخصصاته ووحداته.

 

ومن هنا تتجلى الخطورة الحقيقية للاستيعاب والدمج غير المنضبطين؛ فإدخال أعداد كبيرة من عناصر التشكيلات المسلحة، دون إخضاعها لعمليات تأهيل وإعادة تشكيل مؤسسي صارمة، قد يؤدي إلى تغيير قوام الجيش تدريجياً، وإضعاف تجانسه المهني والعقائدي والتنظيمي. وكلما اتسع حجم العناصر المستوعبة دون أن تنصهر في ثقافة المؤسسة، ازدادت احتمالات انتقال خصائص التشكيلات المليشياوية إلى داخل الجيش، حتى يصبح القوام الذي يفترض أن يستوعب هذه العناصر ويعيد تشكيلها عرضة للتغيير بفعلها. وعندئذٍ تنقلب معادلة الدمج رأساً على عقب؛ فبدلاً من أن يصهر الجيش المليشيات في قوامه العسكري، تبدأ المليشيات بإعادة تشكيل قوام الجيش وفق خصائصها التنظيمية والقيادية والسلوكية.

 

أما التشكيلات المليشياوية، فتقوم في كثير من الحالات على روابط تختلف عن تلك التي تحكم الجيوش النظامية، وقد تستمد تماسكها من الولاء لقائد بعينه، أو الانتماء الاجتماعي والجهوي، أو المصالح المشتركة، أو ظروف التعبئة المرتبطة بالصراع. ولهذا فإن انتقال أفرادها إلى صفوف الجيش لا يعني بالضرورة انتقالهم تلقائياً إلى ثقافته المؤسسية. فالعقيدة العسكرية لا تُكتسب بمجرد ارتداء الزي، والانضباط لا يتحقق بتغيير الشارات، والولاء للدولة لا يُختزل في إعلان الانحياز إليها.

 

وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل؛ إذ قد تنجح الدولة في استقطاب تشكيلات مسلحة لتعزيز موقفها الميداني، لكنها تخاطر بإضعاف مؤسستها العسكرية إذا تحولت الاستعانة المؤقتة بهذه التشكيلات إلى إدماج دائم دون ضوابط. فالمكاسب العملياتية العاجلة ينبغي ألا تحجب التكاليف المؤسسية بعيدة المدى، خصوصاً إذا احتفظت المجموعات المستوعبة بقياداتها السابقة وتسلسلها الداخلي وروابط الولاء التي تشكلت خارج المؤسسة العسكرية.

 

ولا تبدأ هذه المخاطر بالضرورة عند صدور قرار الدمج الرسمي، فقد تتشكل مقدماتها خلال مرحلة العمل المشترك نفسها، إذا تحولت الترتيبات العملياتية المؤقتة إلى أوضاع مستقرة، واحتفظت التشكيلات المساندة بقياداتها وهياكلها ومصادر قوتها المستقلة. وعندئذٍ قد تجد المؤسسة العسكرية نفسها أمام واقع تنظيمي سبق القرارات القانونية، وأصبح تصحيحه أكثر تعقيداً من منع نشوئه.

 

والأخطر أن يتحول الدمج إلى عملية استيعاب جماعي للرتب والمواقع القيادية، دون تقييم موضوعي للمؤهلات والخبرات والسجل المهني. فالرتبة العسكرية ليست مكافأة سياسية، ولا ثمناً لتغيير المواقف، وإنما موقع تنظيمي يرتبط بالتأهيل والمسؤولية والأقدمية والكفاءة. وأي إخلال بهذه القاعدة يهدد منظومة الترقي والانضباط، ويخلق تفاوتاً بين من تدرجوا عبر المؤسسات التعليمية والعسكرية ومن انتقلوا إلى مواقع مماثلة عبر ترتيبات استثنائية.

 

وثمة خطر آخر يتمثل في المكتسبات التي قد تحصل عليها بعض التشكيلات المسلحة وقياداتها خلال مراحل الاستيعاب أو العمل تحت إمرة القوات المسلحة، من رتب ومناصب ومخصصات مالية وامتيازات إدارية ونفوذ ميداني. فهذه المكتسبات قد تتحول بمرور الوقت إلى أوضاع راسخة يصعب على أصحابها قبول مراجعتها أو التنازل عنها، خصوصاً إذا ارتبطت بمكانة اجتماعية أو نفوذ عسكري أو مصالح اقتصادية. وعندئذٍ تصبح محاولات إعادة التنظيم أو تصحيح الرتب أو إنهاء الترتيبات الاستثنائية عرضة للمقاومة والرفض، وقد تتحول المصالح المكتسبة إلى مصدر ضغط على القيادة العسكرية، بما يقيّد قدرتها على اتخاذ القرارات المهنية اللازمة. وتزداد خطورة هذا الوضع إذا أصبحت المحافظة على الامتيازات دافعاً لاستمرار التشكيلات بهياكلها المستقلة، أو لرفض العودة إلى المواقع والرتب التي تقررها المعايير المؤسسية. وهكذا قد تجد الدولة نفسها أمام معضلة جديدة، تتمثل في أن الترتيبات التي اعتمدتها لاستيعاب السلاح والقوة المسلحة أصبحت، بفعل ما أنتجته من مكتسبات، عائقاً أمام استكمال بناء جيش موحد.

 

كما أن استيعاب تشكيلات كبيرة دون مراعاة التوازن التنظيمي والاحتياجات الفعلية للقوات المسلحة قد يفضي إلى تضخم بعض الوحدات، واختلال هياكل القيادة، وإضعاف المعايير التي تحكم توزيع القوة البشرية والرتب والمسؤوليات، بما ينعكس على كفاءة المؤسسة وقدرتها على إدارة عملياتها بصورة متجانسة. وتتضاعف هذه المخاطر إذا نشأت داخل الجيش كتل متماسكة بولاءاتها السابقة، تتعامل مع قياداتها الأصلية باعتبارها مرجعيتها الفعلية، حتى وإن خضعت شكلياً للتسلسل القيادي الرسمي.

 

ومن الضروري هنا التمييز بين التنسيق العملياتي والدمج المؤسسي. فقد تفرض ظروف الحرب الاستعانة بقوات مساندة، وإخضاعها لقيادة عمليات مشتركة، وتحديد مهامها ومناطق انتشارها وقواعد اشتباكها. غير أن هذا الترتيب يظل مختلفاً جذرياً عن استيعاب أفرادها بصورة دائمة في قوام القوات المسلحة. فالأول إجراء تقتضيه الضرورة العسكرية، بينما الثاني عملية استراتيجية تمس هوية الجيش وبنيته ومستقبله، وتستلزم إطاراً قانونياً ومهنياً أكثر صرامة.

 

ولهذا فإن المطلوب وضع برنامج وطني متكامل لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، يستند إلى حصر دقيق للتشكيلات وأفرادها وتسليحها، والتحقق من الهويات والسجلات، والفحص الأمني والطبي والنفسي، وتقييم المؤهلات العسكرية، وإعادة التدريب والتأهيل وفق العقيدة المعتمدة للقوات المسلحة. وينبغي أن يخضع المستوفون لشروط الخدمة لمسارات استيعاب فردية منضبطة، بينما تُتاح لغير المؤهلين برامج تسريح وإعادة إدماج مدني واقتصادي، تحول دون إعادة إنتاج العنف المسلح.

 

ولا يجوز أن يكون هذا البرنامج وسيلة لإضفاء الشرعية على أوضاع نشأت بقوة السلاح، أو لتجاوز مقتضيات العدالة والمساءلة عن الانتهاكات. كما ينبغي أن يشمل مراجعة الرتب والقيادات، وتوحيد منظومات الإمداد والتسليح والاتصالات، وإنهاء أي هياكل قيادة موازية، وحظر الاحتفاظ بقوات ذات تبعية شخصية داخل المؤسسة النظامية.

 

وتقع على القيادة العامة للقوات المسلحة مسؤولية استراتيجية في حماية الخصائص المؤسسية للجيش، مثلما تقع على الدولة مسؤولية توفير الإطار السياسي والقانوني والموارد اللازمة لهذه العملية. فإعادة بناء المنظومة العسكرية والأمنية بعد الحرب لا ينبغي أن تخضع لمعادلات المكافأة والمساومة، وإنما لمقتضيات الأمن القومي، واحتياجات الدفاع الوطني، ومبدأ احتكار الدولة المشروع والمنضبط لاستخدام القوة.

 

والإنصاف يقتضي الاعتراف بإسهامات القوات التي قاتلت إلى جانب الجيش، وبحق أفرادها في التقدير والمعاملة العادلة وفق القانون. لكن تقدير التضحيات شيء، ومنح صفة مؤسسية دائمة للتشكيلات المسلحة شيء آخر. فالمؤسسة العسكرية تستطيع استيعاب الأفراد المؤهلين، لكنها لا تستطيع المحافظة على طبيعتها المهنية إذا استوعبت المليشيات بوصفها مليشيات، بكل ما تحمله من هياكل وولاءات وثقافات تنظيمية مستقلة.

 

إن السودان الذي يخوض حرباً لاستعادة سلطة الدولة لا يحتمل أن تنتهي معركته العسكرية إلى تكريس تعدد مراكز القوة داخل مؤسساته النظامية. فالتحدي الاستراتيجي يتجاوز الانتصار في الميدان إلى ضمان أن يخرج الجيش من الحرب أكثر تماسكاً وانضباطاً ومهنية، وأن تظل بندقيته خاضعة لعقيدة وطنية واحدة وقيادة مؤسسية واحدة وقانون واحد.

 

فأخطر ما يمكن أن يحدث للجيش السوداني أن ينتصر على المليشيا في ميدان القتال، ثم تتسلل خصائص المليشيا إلى بنيته من بوابة الدمج غير المنضبط. وعندئذٍ تكون الدولة قد نجحت في استعادة السلاح، لكنها أخفقت في حماية المؤسسة التي ينبغي أن تحتكره.

 

الجمعة، 30 أكتوبر 2026م.

زر الذهاب إلى الأعلى