من أسوار الملاعب | حسين جلال يكتب .. حبيب الملايين يعود إلى سكة الانتصارات في رواندا.. وزينباور يصحح أخطاء مارينز ويعيد التوازن إلى الهلال!

ثنائية ديارا والغربال تعيد الابتسامة إلى الجماهير الزرقاء.. وصلاح عادل يعيد الصلابة إلى الوسط، وكوليبالي يشعل الأطراف، وبدلاء الهلال يقدمون أوراق اعتمادهم قبل معارك المجموعات الأفريقية.
عاد الهلال إلى طريق الانتصارات من جديد، ونجح في تجاوز آثار خسارته القاسية أمام مارينز، بعدما حقق فوزاً مستحقاً على غاسوقي يونايتد بهدفين دون مقابل في الدوري الرواندي، حملا توقيع المدافع بابي ديارا من ضربة رأسية إثر كرة ثابتة، والقائد محمد عبد الرحمن «الغربال» الذي تابع كرة مرتدة من حارس المرمى وأسكنها الشباك خلال الشوط الثاني، بعد أن انتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي.
ولم تكن أهمية هذا الانتصار في النقاط الثلاث وحدها، وإنما في التحول الواضح الذي طرأ على الأداء الفني والتكتيكي للهلال، بعدما استوعب المدير الفني الألماني جوزيف زينباور دروس المواجهة السابقة، وتراجع عن سياسة التدوير الجذري التي أفقدت الفريق توازنه أمام مارينز، وعاد إلى بناء منظومة أكثر انضباطاً وترابطاً بين الخطوط.
لقد ظهر الهلال هذه المرة بصورة مختلفة، سواء في سرعة استعادة الكرة، أو حسن الانتشار داخل الملعب، أو القدرة على التحكم في إيقاع المباراة، مع تقليص المساحات التي كانت تمثل نقطة ضعف واضحة في المواجهة السابقة.
زينباور يصحح المسار.. والعودة إلى التوازن التكتيكي
دخل المدرب الألماني المباراة بطريقة 4-2-3-1، لكنه تعامل معها بمرونة أكبر، خاصة في توزيع الأدوار الدفاعية والهجومية، بعدما أدرك أن المشكلة أمام مارينز لم تكن في طريقة اللعب وحدها، وإنما في المسافات الكبيرة بين الخطوط، وضعف التغطية أمام المدافعين، وبطء الارتداد عند فقدان الكرة.
ففي المواجهة السابقة، ظهرت مساحات واسعة بين الدفاع والهجوم، وصلت في بعض مراحل اللعب إلى نحو 35 متراً وفق القراءة الفنية، وهو ما منح المنافس حرية التحرك والتمرير وتنفيذ الهجمات المرتدة.
أما أمام غاسوقي يونايتد، فقد حرص زينباور على تقارب الخطوط، وتوفير الحماية اللازمة أمام قلبي الدفاع، مع تحديد واضح لأدوار لاعبي الارتكاز والأطراف.
ورغم أن غاسوقي اعتمد على أسلوب قريب من الطريقة التي واجه بها مارينز الهلال، من خلال التنظيم الدفاعي بطريقة 4-5-1 والتحول السريع عند استعادة الكرة، فإن الأزرق تعامل مع هذا الأسلوب بصورة أكثر نضجاً، ولم يمنح المنافس المساحات نفسها التي كلفته ثلاثة أهداف في المباراة الماضية.
وهنا تظهر قيمة التصحيح الفني، فالمدرب الناجح ليس من يتمسك بأفكاره مهما كانت النتائج، وإنما من يمتلك القدرة على مراجعتها وتعديلها وفق متطلبات كل مباراة.
صلاح عادل.. مفتاح استعادة السيطرة على منطقة المناورة
في تقديري، كان قرار إعادة صلاح عادل إلى مركز الارتكاز الدفاعي، أو المركز رقم «6»، من أهم القرارات التي اتخذها زينباور في هذه المواجهة.
فقد منح وجود صلاح أمام قلبي الدفاع قدراً أكبر من القوة البدنية والصلابة في الالتحامات، إلى جانب القدرة على افتكاك الكرة واستعادتها بسرعة، وهي الجوانب التي افتقدها الهلال بصورة واضحة أمام مارينز.
وجاء قرار إبقاء بيتروس على مقاعد البدلاء في إطار البحث عن معالجة مشكلة بطء الارتداد الدفاعي وبعض أخطاء التمرير التي ظهرت في المواجهة السابقة.
ولا يعني ذلك التقليل من القيمة الفنية لبيتروس، وإنما يؤكد أهمية اختيار اللاعب الأنسب لطبيعة المباراة ومتطلباتها التكتيكية.
لقد أدى صلاح عادل دوراً مهماً في حماية العمق الدفاعي، وقطع خطوط التمرير، والتعامل مع الكرات المشتركة، إلى جانب سرعة استعادة الاستحواذ بعد فقدانه، وهو ما يعرف فنياً بمفهوم «Ball Recovery».
وكان لهذا الدور تأثير مباشر في تقليل خطورة التحولات الهجومية للمنافس، ومنح زملائه فرصة التقدم دون أن يفقد الفريق توازنه الدفاعي.
والي الدين بوغبا.. أدوار مختلفة لخدمة المنظومة
من القرارات المهمة أيضاً تكليف والي الدين بوغبا بأدوار أكثر تحديداً في الضغط على صانع ألعاب غاسوقي، والحد من قدرته على استلام الكرة وتوجيه اللعب نحو المناطق الهجومية.
وقد ساعد هذا التوزيع للأدوار في تحقيق التوازن المطلوب بين الارتكاز الدفاعي والضغط المتقدم، فلم يعد الهلال يندفع بصورة جماعية غير محسوبة، وإنما أصبح أكثر انتقائية في توقيت الضغط ومكان تنفيذه.
وهذا التوازن هو الذي افتقده الفريق أمام مارينز، عندما وجد المنافس المساحات الكافية لبناء هجماته والتحرك بحرية خلف لاعبي الوسط.
لوزولو يتقدم.. وجوباك يؤمّن الجبهة المقابلة
من أبرز الملامح التكتيكية التي ظهرت أمام غاسوقي اختلاف الأدوار بين ظهيري الهلال.
فقد منح زينباور الكونغولي أرنست لوزولو حرية أكبر في التقدم والمساندة الهجومية، والاستفادة من قدراته في التحرك على الطرف وتوفير الزيادة العددية في المناطق الأمامية.
وفي المقابل، التزم جوباك بواجبات دفاعية أكثر تحفظاً، ولم يتقدم بصورة مستمرة، حتى يحافظ الهلال على التوازن خلف الكرة ويمنع المنافس من استغلال المساحات عند التحول الهجومي.
وهذا التوزيع غير المتماثل للأدوار بين الظهيرين يمثل أحد الحلول المهمة في كرة القدم الحديثة، لأنه يسمح للفريق بالمساندة الهجومية من جهة، مع الاحتفاظ بغطاء دفاعي من الجهة الأخرى.
وقد ساهم هذا التنظيم في تقليل فرص غاسوقي في تنفيذ المرتدات الخطيرة، مقارنة بما حدث أمام مارينز، عندما كان الهلال يفقد توازنه بمجرد خسارة الكرة في المناطق الأمامية.
أداما كوليبالي.. السرعة والاختراق وصناعة التفوق
قدم النجم المالي أداما كوليبالي واحدة من أبرز الإضافات الهجومية للهلال، خاصة خلال الشوط الأول، عندما استثمر سرعته وتحركاته خلف الظهير الأيمن للمنافس، ونجح في تهديد دفاع غاسوقي بصورة متكررة.
وكانت تحركات كوليبالي دون كرة من أهم مفاتيح التفوق الهلالي، إذ لم يعتمد فقط على المراوغة الفردية، وإنما أحسن اختيار المساحات والتوقيت المناسب للانطلاق خلف المدافعين.
وقد ساهمت هذه التحركات في خلق فرص واضحة أمام المرمى، لكن الهلال لم يحسن استثمار أكثر من ثلاث فرص صريحة خلال الشوط الأول، وهو ما حال دون ترجمة الأفضلية الميدانية إلى أهداف مبكرة.
ولعل أهم ما يميز اللاعب السريع والمؤثر تكتيكياً هو قدرته على إجبار دفاع المنافس على التراجع، وفتح مساحات إضافية أمام زملائه في العمق.
وقد أدى كوليبالي هذا الدور بصورة جيدة، وكان أحد أبرز أسباب التفوق الهجومي للأزرق خلال فترات طويلة من المباراة.
الكرات الأرضية.. حل فني أمام دفاع طويل القامة
من الملاحظات الإيجابية أن الهلال لم يكرر الاعتماد المفرط على الكرات الهوائية العالية أمام دفاع يتميز لاعبوه بالطول والقوة البدنية.
فقد اتجه الأزرق إلى استخدام العرضيات الأرضية والتمريرات السريعة خلف المدافعين، مع محاولة استغلال المساحات بين قلبي الدفاع والظهيرين.
وهذا التحول في أسلوب بناء الهجمات يعكس قراءة أفضل لطبيعة المنافس، لأن الإصرار على الكرات العالية أمام مدافعين متفوقين في الألعاب الهوائية يمنحهم أفضلية واضحة.
ومع ذلك، فإن التنوع الهجومي يحتاج إلى مزيد من العمل، خاصة في التحرك داخل منطقة الجزاء، وتوقيت الانقضاض على العرضيات، واستثمار الكرات الثانية.
ديارا والغربال.. هدفان أعادا الثقة
بعد شوط أول فرض خلاله الهلال أفضليته الميدانية دون أن ينجح في الوصول إلى الشباك، جاءت أهداف الشوط الثاني لتترجم التفوق إلى نتيجة مستحقة.
وكان المدافع بابي ديارا على موعد مع افتتاح التسجيل بضربة رأسية من كرة ثابتة، مؤكداً أهمية مساهمة المدافعين في الأدوار الهجومية، خاصة عندما يواجه الفريق منافساً يدافع بكثافة عددية.
أما الهدف الثاني، فجاء عن طريق القائد محمد عبد الرحمن «الغربال»، الذي أحسن متابعة كرة مرتدة من حارس المرمى، واستغل تمركزه داخل منطقة الجزاء ليؤكد انتصار الهلال.
وهذا النوع من الأهداف يعكس قيمة المهاجم الذي يمتلك غريزة التهديف وحسن توقع مسار الكرة، لأن المتابعة والتركيز داخل منطقة الجزاء لا يقلان أهمية عن المهارة الفردية والتسديد المباشر.
وقد منح الهدف الثاني الهلال مزيداً من الاطمئنان، وأكد قدرته على حسم المواجهة بعدما عانى في الشوط الأول من إهدار الفرص.
التبديلات الناجحة.. سالم وهامان وأحمد مختار ونانا
من الإيجابيات المهمة في المباراة أن التغييرات التي أجراها الجهاز الفني منحت الفريق حيوية إضافية، وأسهمت في المحافظة على النشاط الهجومي وتحسين سرعة تداول الكرة.
فقد قدم أحمد سالم بعد دخوله مردوداً جيداً، وأظهر قدرة على التحرك واستغلال المساحات، بينما أضاف هامان نشاطاً إلى الأداء الجماعي.
أما أحمد مختار، فقد لفت الأنظار بلمساته الفنية وقدرته على التعامل مع الكرة في المساحات الضيقة، وهو لاعب يمتلك إمكانات يمكن أن تمنح الهلال حلولاً إضافية في صناعة اللعب إذا وجد الفرصة المناسبة للتطور والانسجام.
كذلك أظهرت الموهبة الكاميرونية الشابة إيفان جوردان نانا بعض اللمحات الفنية الواعدة، خاصة في الاستلام والتحكم بالكرة والتمرير تحت الضغط.
ولا ينبغي الاستعجال في الحكم على اللاعب الشاب من مشاركة محدودة، لكن ما ظهر من إمكاناته الفنية يمنح الجهاز الفني مؤشرات مشجعة حول إمكانية تطويره والاستفادة منه مستقبلاً.
والأهم أن البدلاء هذه المرة لم يكونوا مجرد أسماء تدخل لإكمال زمن المباراة، وإنما قدموا إضافات فنية واضحة، وهو ما يحتاج إليه الهلال في المرحلة المقبلة.
رغم الانتصار.. أخطاء يجب علاجها قبل المجموعات
لا ينبغي أن يحجب الفوز المستحق بعض السلبيات التي لا تزال تحتاج إلى معالجة جادة.
فأولى هذه الملاحظات استمرار إهدار الفرص السهلة، خاصة في الدقائق الأولى من المباريات، وهي مشكلة تكررت أمام أكثر من منافس.
وقد دفع الهلال ثمن إهدار الفرص أمام مارينز، عندما عجز عن استثمار الفرص التي أتيحت له، قبل أن يستغل المنافس أخطاءه الدفاعية ويحسم المواجهة.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالتعامل مع الكرات الثابتة والعرضيات الدفاعية، حيث يحتاج الفريق إلى تحسين الرقابة داخل منطقة الجزاء، وتحديد المسؤوليات بصورة أكثر وضوحاً.
كذلك يجب العمل على تقليل المساحات بين لاعبي الوسط والظهيرين، وتحسين سرعة التحول من الحالة الهجومية إلى الدفاعية، خصوصاً عند فقدان الكرة في المناطق الحساسة.
وهذه التفاصيل ستكون أكثر أهمية أمام الفرق التي تمتلك القدرة على ممارسة الضغط العالي، واستغلال أخطاء التمرير في وسط الملعب.
دوري المجموعات.. اختبار مختلف تماماً
إن الانتصار على غاسوقي يونايتد يمثل خطوة إيجابية في طريق استعادة الثقة، لكنه لا يعني أن الهلال بلغ مرحلة الاكتمال الفني.
فالمواجهات الأفريقية المقبلة أمام منافسين من عيار بيراميدز والمغرب الفاسي وحوريا كوناكري، وفق برنامج المجموعة، تتطلب مستوى أعلى من التركيز والانضباط والفاعلية الهجومية.
فهذه الفرق تمتلك من الخبرة والقدرات الفنية ما يجعلها قادرة على معاقبة أي خطأ في التمرير أو التمركز أو الرقابة الدفاعية.
كما أن مباريات دور المجموعات لا تمنح الفرق فرصاً كثيرة للتعويض، وقد تُحسم المواجهة بهدف واحد، أو كرة ثابتة، أو خطأ فردي في منطقة حساسة.
ولذلك فإن معالجة إهدار الفرص، وتحسين التنظيم الدفاعي، وتطوير الضغط العكسي، والارتداد السريع عند فقدان الكرة، يجب أن تكون من أولويات الجهاز الفني خلال الفترة المقبلة.
والهلال الذي يطمح إلى الذهاب بعيداً في البطولة الأفريقية مطالب بأن يستفيد من التجارب السابقة، وألا يكرر الأخطاء التي كلفته الكثير في مواجهات الأدوار المتقدمة، ومنها مباراته السابقة أمام نهضة بركان.
الخلاصة الفنية.. الهلال يستعيد شخصيته وزينباور يكسب جولة التصحيح
في تقديري الشخصي، فإن أهم مكاسب الهلال أمام غاسوقي يونايتد لم تكن ثنائية ديارا والغربال وحدها، وإنما استعادة التوازن الذي افتقده الفريق في المباراة السابقة.
لقد نجح زينباور في تقليص المسافات بين الخطوط، وإعادة الصلابة إلى منطقة الارتكاز من خلال صلاح عادل، وتحديد أدوار أكثر وضوحاً لبوغبا والظهيرين، مع الاستفادة من سرعة كوليبالي وحيوية البدلاء.
كما أظهر الفريق قدرة أفضل على استعادة الكرة، والتحكم في إيقاع اللعب، وتقليل خطورة الهجمات المرتدة.
لكن الطريق لا يزال طويلاً، والعمل الفني المطلوب أكبر من مجرد العودة إلى الانتصارات المحلية.
فالفرق الكبيرة لا تُقاس فقط بعدد المباريات التي تفوز بها، وإنما بقدرتها على تصحيح الأخطاء، والمحافظة على شخصيتها التكتيكية، وتقديم المستوى نفسه أمام مختلف المنافسين.
وأمام زينباور فرصة مهمة لاستثمار الفترة المقبلة في تجهيز جميع عناصر الفريق، وتطوير الحلول الهجومية، ومعالجة الثغرات الدفاعية، حتى يدخل الهلال معارك المجموعات الأفريقية وهو أكثر تماسكاً وثقة وجاهزية.
لقد عاد حبيب الملايين إلى الانتصارات، وعادت معه ملامح الهلال المنظم الذي نعرفه، لكن الطموح الهلالي لا يتوقف عند الفوز على غاسوقي، بل يمتد إلى منافسة كبار القارة والذهاب بعيداً في دوري أبطال أفريقيا.
ويبقى الأمل أن تكون ثلاثية مارينز قد تحولت إلى درس فني مفيد، وأن تكون ثنائية غاسوقي بداية مرحلة جديدة عنوانها الانضباط والفاعلية والاستقرار.
بالتوفيق والسداد لهلال الملايين في دوري الكبار.. فالأزرق لا تنقصه المواهب، وإنما يحتاج إلى استثمارها في منظومة متكاملة تعرف كيف تنتصر، وكيف تحافظ على انتصاراتها.


