كويا وبركية … رمز الحضارة منذ القدم!! بقلم : خالد الطاهر العجيمي

بركية .. بكسر الباء والراء والكاف وفتح التاء المربوطة ..
قرية هادئة وارفة من أعمال حفیر مشو .. والحفير مشو هذه شمال دنقلا على تخوم ديار أهلنا المحس .. فبركية كنت أزورها مرات عديدة وكذلك عبوراً نحو سوق الحفير أو المدارس الثانوية بمنطقة مشو .. الواقعة جنوب سوق الحفير قليلاً .. علماً بأن إقامتنا أيام هذه الحرب اللعينة .. بقرية كويا جنوب بركية بمراحل.. وتقع كويا أو كوية.. في الحالتين شمال قريتي جرادة والزورات … وهذا كله من الناحية الغربية للنهر الخالد .. النيل.
كنت أظن أن بركية والحفير وجرادة وكويا حديثة عهد .. بالسكن جوار النيل .. إلا أنني قد أصابتني الدهشة أن هذه المناطق ضاربة الجذور في التاريخ .. لدرجة أن الصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي .. تشير الأخبار أن جذوره تعود إلى منطقة جرادة أو الزورات .. هذا فيما مضى .. وفي هذا العصر الحديث نجد أن تواريخ تأسيس بعض المدارس يعود إلى العقد السابع من القرن المنصرم .. فهذه المدرسة مثلا نجد تاريخ تأسيسها عام 1961 أو تلك المدرسة عام 1964 أو هذه في العام 1968 وهكذا.
و الزراعة.. هي سيدة الموقف .. فلا عمل لغالب أهل البلد الأرقِياء سوى الزراعة .. سواءً كانت على ضفة النيل مباشرة.. أو في المشاريع والحواشات في الخلاء غرب هذه القرى .. ربما كانت لدى البعض أعمال خلاف الزراعة .. لكنها – أي الزراعة – هي العمود الفقري .. وما سواها هي من متطلبات حرفة الزراعة .. هذا بإجمال.
الحنين يراودني لزيارة أجمل بقاع الحفير .. منطقة كويا الرائعة.. ولولا أني قد أحببت كل هذه البقعة الطاهرة الحنونة.. منطقة بنا والزورات وجرادة وبركية ومشو وكويا .. وما أردت الحديث عن منطقة كويا حصرياً .. لطبيعة المنطق الترابطي في الأسرة الواحدة.. ثم التزاور وما من لمة اجتماع في فرح أو كره.. إلا وتجد كل الناس قد توافدوا سريعاً خفافاً لصاحب الاجتماع .. ما جعل صفة التماسك والتراحم صفة بارزة في هذه المنطقة.. إلى الدرجة التي ما شعرت أني غريب ديار .. فقد احتضنونا كأننا أفراد أصليون فهم في قمة العطاء والنخوة فيهم.
من الوجوه التي ما أنساها أبداً .. الشيخ فتحي رسلان أبو صديقي عادل رحمه الله وأسرته الممتدة وهيثم الحسن أحد أعمدة كويا صاحب الدار المفتوح للضيوف.. والمهندس علي النصري صاحب الوجه البشوش وعاصم عبد الهادي وإخوته ووالده العمدة آخر رجالات كويا صاحب الكلمة وسط أهله.. وعبد الماجد المؤذن صاحب الحنجرة الذهبية والصلاة خير من النوم .. ولا أنسى الشيخ عبد الفتاح وأسرته ومحلاته ومنها نعدو نحو المشرع حيث عبد المنعم الشهير بشنبر .. وشنبر الشقيق الأصغر لعبد الفتاح صاحب محطة المشرع ..
فكويا لديها في صدورنا حديث الحنين والشوق والذكريات الكثير.. وأسماء قد لا تسعفنا بها الذاكرة.. فالمسامحة هي ديدن أهلنا الطيبون في كويا.. فالمنطقة بها مسجد جامع مشيد بالعرديبة.. مع زوايا صغيرة على طول وعرض هذه المنطقة الوارفة.. كما بها مدرستين متوسطة وابتدائي.. كما بها طاحونة عمك حسن ومحطة مياه تمد كل البيوت بالمياه الصالحة للشرب..
ودكان عبد الفتاح معلم بارز ومحطة يجب التوقف عندها ..
إذ تتوسط كويا وتقسمها شمالاً وجنوباً .. ولا أنسى المستوصف غرب محطة عبد الفتاح .. إذ يحتاج إلى زيارة كريمة من وزير صحة الولاية الشمالية .. إذ هو نواة طيبة ليتحول لمستشفى شامخ بالمنطقة… وجنوب هذه المنطقة نجد المسجد العتيق .. أول مسجد بالمنطقة..
لهذه المنطقة مكانة في نفوسنا.. وسنوات الحرب الأولى قد ازدانت ببنيها المهاجرين.. فامتلأت بالخير العميم والوجوه الطيبة.. وهذه توحي إلينا بأن العودة وبعض الشيء من الاستقرار هناك أمر حتمي.. لا سيما أصحاب الخبرات والعطاء الدفاق.. والمنطقة برمتها تحتاج إلى مصانع صغيرة لتحويل منتجات المنطقة من مواد خام إلى مواد مصنعة.. وعلى أقل تقدير إضافة ما يُعرف بالقيمة المضافة لأصحاب الأرض.. وتحويل كل المنتجات إلى مواد مصنعة.. والطماطم خير مثال ومصنع ثلج يلبي حاجة المنطقة .. ففكرة الصناعات الصغيرة تصلح لمثل هذه المناطق .. من جرادة حتى الحفير.. ما يزيد عن الخمسة عشر كيلومترات .. وكذلك مصنع لتجفيف البصل والليمون .. ومنها توفير فرص عمالة بصورة جيدة.
التحية لرجالات المنطقة وأهلها الشرفاء الكرماء.. والعتب لمن لم أتمكن من ذكر أسمائهم في هذه العجالة.. فالمنطقة تحتاج للمسة وفاء وعطاء لا متناهي.. فكويا رمز حضارة منذ القدم.
ودمتم مشكورين..
____________
حاشية
من لطائف نافلة القول.. فالمنطقة حيوية جداً.. لا سيما وأنها مربوطة بشرق النيل برباط لا يمكن انفكاكه البتة.. برباط صلة الرحم والتواصل والسوق والمصاهرة.. فالحاجة الشديدة هي في تأهيل المشرع.. غرباً وشرقاً.. غرباً جهة كويا مع طريق مسلفت حتى طريق الظلط عند محطة الشيخ عبد الفتاح.. فالمشرع يحتاج إلى لمسة جانبية لتحويله لمنتجع سياحي من الدرجة الأولى.. مع تأهيل مرابط لوسائل النقل البحري.. من لنش وبنطون وغيرها..
فاللمسة الجانبية لهذه المنطقة.. تحتاجها وطبق الأصل في الجهة المقابلة من الضفة الشرقية بمنطقة أرقو.. فالمشرع بأرقو يحتاج إلى منتجع أيضاً وبمواصفات عالية كما الجهة الغربية بكويا.. فما أكثر ديارنا التي تحتاج للمسة وفاء وابتكار ورد الجميل.
ودمتم سالمين.


