طمئنوا ولا تخوفوا .. فالناس لم تعد تحتمل بقلم : أحمد عبدالكريم عبداللّه

بينما يعانى المواطن اليوم من انقطاع الكهرباء، ومن غلاء الخبز، ومن صفوف الوقود ، نجد أن الأقسى من ذلك أن يعيش في ظل كتابة او قول ونشر ماهو متضارب، يصب الزيت أحياناً على النار، ويحول أزمة المواطن المعيشية إلى أزمة نفسية جماعية،
المواطن السودانى اليوم يبحث عن لقمة عيش يسد بها جوع أبنائه، وعن جرعة دواء لأمه المريضة، وعن طمأنينة تجعله ينام ليله دون خوف أو توجس، فإذا إستمع عبر الوسائط لماهو محملاً بالشتائم والتخوين والتهديد والوعيد، فإن ذلك لا يخاطب عقله، بل يطعنه في قلب طمأنينته وإحساسه بالسلام،
إن الكلمة في زمن الحرب ليست كلمة، بل هى رصاصة،، والحديث أوالمنشور المخيف، ليس وجهة نظر، بل قنبلة نفسية تنفجر في بيوت الناس،
وقد بات ما ينشر عبر الوسائط فى هذه الفترة من افادات أو كتابات ، هو الذى يصنع الرأي العام أكثر من الواقع نفسه ،
فإذا كان مايسمعه أو يقرأه الناس كله على شاكلة (انهزمنا، ضعنا، انتهينا، لا أمل )، فإن المواطن سيصدق أنه انتهى حتى ولو كان الجيش يتقدم ويحقق الإنتصار تلو الإنتصار ،وإذا كان الخطاب كله: (انتصرنا، الأمور كلها طيبة، لا مشكلة )، بينما هو يعيش معاناة تلو معاناة ولا نشعره بالطمأنية والأمان، نكون قد كذبنا عليه، وفقد ثقته فى مايسمع إلى الأبد ، لذا فالمطلوب هو حديث صادق متوازن ، نعترف بالجرح، ونبشر بالشفاء،
فالمواطن المنهك لا يحتمل الصراخ ، ولنجرب أن نذهب إلى تجمعاته واماكن تواجده ونسمع حديث الناس، سنجد أباً عاد من السوق خالي الوفاض لأن راتبه لم يكفِ لأسبوع، وأماً تبيع ذهبها لتشتري حليباً لأطفالها، وشاباً تخرج من الجامعة فوجد نفسه بلا عمل ولا أمل ، فالمواطن جراء ضغوطه ومعاناته التى يعيشها كادت حالته النفسية أن تكون على حافة الانهيار، فهل من الحكمة أن نزيد عليه بمنشور في الفيسبوك يقول: (البلد باعوها؟) أو بمنشور عبر الواتساب يقول (إن القادم أسوأ؟) ومن يفعل ذلك لا يمارس شيئاً غير أنه يمارس قسوة،
إن أخطر انعكاسات الخطاب المتشنج هو ما نراه اليوم من الإحباط العام، واللامبالاة، والهجرة الجماعية، وفقدان الثقة في كل شيء حتى فى صفوفنا المجتمعية ، وكاد الأمر أن يصل لعدم تصديق أحد لأحد ، لأن كل أحد قد صرخ في وجه الآخر،
لابد من ضبط كل مايقال أو يُكتب ويُنشر .. ليس قمعاً ولا تكميم لأفواه ولا تجريد من حريات ، بل رحمة للناس،
والضبط هنا لا يعني منع النقد، ولا تحويل الإعلام إلى فرقة مدح ومنبر ثناء، لأن النقد حق، والمحاسبة واجب، وكشف مكامن الخطأ فريضة، لكن هناك فرق شاسع بين أن يُقال (هناك تقصير في توفير الدواء في المستشفى الفلاني، ونطالب بمعالجته)، وبين أن تقول ( إن الدولة قد قاربت على التلاشى والغياب التام)، وكثيرا ما نسمع من يقول إن (البلد انتهت)، فالأول نقد يبني، والثاني هدم يقتل،
إن الحديث الناجح الحكيم هو الذي يُعرف متى يُقال، ومتى يكون الصمت أبلغ من كل حديث، والصمت أحياناً أبلغ من ألف خطاب ، كما أن الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الناشرة للطمأنينة دواء،
وما نريده من كل متحدث أو كاتب وناشر ومن كل إعلامى، الإدراك بأننا فى أشد الحوجة لحديث ومقال ومنشور يراعي نفسية المواطن ،، يوضح للناس ويعترف أننا في أزمة، لكننا سنخرج منها بإذن الله وتضافر جهودنا ووضع أيادينا فوق بعضها ، وأن ما يمر بنا ليس هو نهاية العالم ، ولنترك المواطن ليلتقط أنفاسه ،
وخطاب الإعام عليه أن يكون طبياً نفسياً للوطن، ليس جلاد له ، أن يبرز الإعلام قصة المزارع الذي زرع رغم الحرب، والطبيب الذي ظل في مستشفاه رغم القصف، والمعلمة التي علمت أبناء النازحين تحت الشجرة ، هذه ليست قصص لتجميل الواقع، بل هي ترياق ضد اليأس،
الحوجة اليوم ليست لصراخ أعلى، بل إلى فهم عميق أكثر ، لانحتاج إلى من يزيد خوف الناس، بل إلى من يمنحهم أملاً حقيقياً مبنياً على عمل حقيقي ،
إن لقمة العيش صعبة، لكن الكلمة الجارحة أصعب،
فمن لم يستطع أن يخفف عن الناس معاناتهم، فعلى الأقل ألا يثقلهم بما يزيد أوجاعهم أو مخاوفهم فالناس لم تعد تحتمل ،


