مقالات الرأي

لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( الناس محور الحدث السياق السياسي بين السباق واللحاق والعود احمد ) بقلم :كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : نوفمبر .2026. 7

 

هناك آية لا تقرأها إلا وتشعر بمحورية الناس فى النص القرانى عند الملمات وكثرة الازمات قال تعالى :

 

> *﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾*

 

الآية 46 وردت في *سورة يوسف وهي السورة الثانية عشرة في ترتيب المصحف، والتي قال الله في مطلعها:

 

> ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾

ولم تكن أحسن القصص لأنها قصة ملك أو نبي فقط، بل لأنها قصة *الناس* كلهم فقد تناولت معظم احوالهم مثل الحب والغيرة، الظلم والصبر، السجن والتمكين، الجهل والعلم، ثم العودة.

 

لكي تفهم الآية، لا بد أن تعيش ما قبلها وما بعدها.

فالسياق السابق:

ظهر من خلال الآيات 43 – 45 سورة يوسف :

رأى ملك مصر رؤيا أرعبته:

– سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف،

– وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.

فجمع الملك الملأ، العلماء، الكهنة، المستشارين، وقال:

 

> ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾

 

فكان جواب ألملأ المزعوم هو :

> ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾

 

العلم ذاكرة حافظة وبصيرة فاحصة عندما غابت البصيرة

تجلّى *الجهل المقنّع من خلال اللسان (فالمرء مخبوء تحت لسانه ) حين يعجز الإنسان، فيتهم الرؤيا بأنها أضغاث احلام فياتى الحل من الذاكرة عند غياب البصيرة ..

عندما تذكر الساقي الذي نجا من السجن، تذكر بعد أمة، بعد سنين من النسيان:

 

> ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾

 

يظهر ان حركة التأويل من خلال الرحلة بين السجن والقصر تحتاج الى دراية ورواية من سابق الخبرة ادت الى زيادة الموثوقية بيوسف لسابق التجربة حيث نجد فى النص القرانى ان الذى نجا :

– ذهب إلى السجن، إلى يوسف، لا إلى القصر.

لأن العلم الحقيقي لم يكن في القصر، كان في السجن. وقال له بلهفة المحتاج:

 

> ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا… لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

 

لاحظ الدقة:

– لم يقل “لعلي أرجع إلى الملك”، بل *”إلى الناس”*.

لماذا ؟ لأن الرؤيا لم تكن للملك وحده، كانت لمصير الناس كلهم. الجوع القادم لن يفرق بين ملك وسجين.

لذا قال “لعلهم يعلمون” مرتين بلفظ “لعل”.

قال المفسرون: لأنه لم يكن على يقين من :

– الرجوع فربما مات في الطريق

– أن الناس سيعلمون، فربما لم يفهموا.

هكذا هو العلم رجاء، لا غرور فما لم يفهم من السباق (بلغة الاصوليين وتعنى السابق) يظهره السياق من خلال اللحاق بواسطة الآيات 47 – 49 فما لايتم الواجب الا به فهو واجب فماذا فعل يوسف؟

– هل قال أخرجوني أولاً ثم أفتيكم؟

– هل اشترط حريته مقابل علمه؟

هنا يظهر الفارق من خلال هذه المفارقة التى يظهر فيها الفرق بين

– الجاهل الذى يبيع علمه،

– والعالم الذى يبذله عند الحاجة فما لايتم الواجب الا به فهو واجب

 

قال تعالى :

> ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)﴾

 

أعطاهم خطة اقتصادية كاملة لخمس عشرة سنة، وهو ما زال في السجن.

لم يطلب جزاء، بل قال: أنقذوا الناس أولاً،

ثم لاحقا سيعرف الناس قدري.

وانظر إلى محورية الناس فالقصة :

– بدأت بـ “أرجع إلى الناس”

– وانتهت بـ “يُغاث الناس”. من العودة إلى الغيث.

 

ان كلمة *الناس* هي أكثر كلمة تتكرر في القرآن للدلالة على الإنسان الجماعي.

– وردت بمادتها *ن – و – س* *241 مرة في *179 آية*،

– ولم ترد بأي اشتقاق آخر غير هذا اللفظ.

ولم يكن هذا التكرار عبثاً. بل كان مقصوداً. لأن القرآن كله نزل *للناس*:

 

– *﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾* [البقرة: 21]

– *﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾* [البقرة: 168]

– *﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾* [النساء: 174]

– *﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾* [الأعراف: 158]

– *﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾*

 

تارة يأتي “الناس” بمعنى

– جميع البشر

– المؤمنين

– المنافقين

– الكافرين.

ولكن في كل مرة، هم *محور الحدث*. لأنهم هم المكلفون، وهم الذين يحملون الأمانة.

 

وأصل كلمة الناس في اللغة من *النَّوس*،

– وهو الاضطراب والتذبذب والحركة.

 

كأن الإنسان سُمي ناساً لأنه يتحرك، ينسى، يتذبذب، يضطرب.

ولهذا هو بحاجة دائمة إلى من يرجع إليه بالعلم، ليثبّته يوسف( ايها الصديق)

هنا يتجلى متواصل الناس بين العقل والجهل

في سورة يوسف وحدها، ترى الناس في صورتين:

 

*1. الناس بالجهل:*

هم ملأ الملك الذين قالوا:

– “أضغاث أحلام”.

وهم إخوة يوسف الذين قالوا:

– “ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا”.

وهم امرأة العزيز ومن معها. هؤلاء حكموا بالهوى، لا بالعقل. فسّروا ما لا يفهمون، واتهموا ما لا يعرفون.

الجهل ليس أن لا تعلم،

الجهل أن تدّعي أنك تعلم وأنت لا تعلم.

 

*2. الناس بالعقل:*

هو يوسف. لم يقل “لا أعلم”، ولم يقل “أعلم كل شيء”. قال: هذا تأويله، وهذه خطته. ربط :

– العلم بالعمل.

– الرؤيا بالزراعة والادخار والتدبير.

 

والعقل في القرآن ليس ذكاءً فقط، بل هو *عقل يربطك بالناس*.

يوسف لم يستخدم عقله لينتقم من إخوته، ولا ليهرب من السجن، بل استخدمه لينقذ الناس من المجاعة.

 

ولهذا قال الساقي:

– “لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون”.

لأن العلم إذا لم يرجع إلى الناس، صار سجناً آخر.

العالم الذي لا يعود إلى الناس، علمه سجين معه.

 

كم من عالم اليوم سجين في برجه؟ يعلم ولا يرجع.

وكم من جاهل يرجع إلى الناس بجهله فيضلهم؟

 

المعادلة القرآنية هي:

*عقل بلا رجوع إلى الناس = أنانية،

ورجوع إلى الناس بلا عقل = فوضى.*

لذا قال رسول الله صلعم بجوامع الكلم :

 

> *”اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”* رواه الترمذي

 

تأمل الترتيب:

– اتق الله بينك وبين الله.

– *وأتبع السيئة الحسنة* بينك وبين نفسك.

– وخالق الناس بخلق حسن هذا بينك وبين الناس.

 

كأن النبي يقول: لا يكفي أن تكون عالما، ولا يكفي أن تكون تقياً في محرابك. الدين يُختبر عند الناس.

 

يوسف خالق الناس بخلق حسن وهو في السجن، فسموه الصديق.

وخالقهم بخلق حسن وهو في القصر، فقال لإخوته: *﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾*.

 

خالق الناس بخلق حسن معناه:

– أن ترجع إليهم بالعلم، لا بالتكبر

– أن تعذر جهلهم، كما عذر يوسف جهل الملأ

– أن لا تبيعهم علمك، بل تبذله كواجب

– أن تعرف أن الناس ليسوا جمهوراً يصفق لك، بل أمانة في عنقك

 

الخاتمة:

لعلي أرجع…

كل واحد منا هو ذلك الساقي.

نذهب بعيداً في الحياة، في السجن، في الغربة، في العلم، في الألم، ثم نكتشف أن الغاية هى أن نرجع.

*لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.*

 

لعلي أرجع إليهم

– بما تعلمت، لا بما جمعت.

– بالعقل، لا بالجهل.

– بالخلق الحسن، لا بالخصومة.

 

فمن عاش للناس، عاش بعد موته في قلوبهم. ومن عاش لنفسه، مات وهو حي فلنعد والعود احمد ولتدم انت ايها الوطن ..

 

وكما غاث الله الناس بعد سبع شداد على يد يوسف، فإن كل أزمة تمر بها أمتنا اليوم، تحتاج يوسفاً جديداً يقول: أنا أرجع إلى الناس، لعلهم يعلمون.

 

فهل سنكون نحن ذلك الراجع؟

زر الذهاب إلى الأعلى