مقالات الرأي

موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم .. يكتب ،، الجيش والسياسة في السودان…وضوح الادوار وبناء دولة المؤسسات (1)

 

منذ استقلال السودان في الأول من يناير 1956م، ظلت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في مسار الدولة واستقرار نظام الحكم فيها. فقد تعاقبت على البلاد حكومات مدنية وعسكرية، وتكررت الانقلابات والانتفاضات الشعبية والفترات الانتقالية، بينما بقيت إشكالية تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والقوات المسلحة دون معالجة مؤسسية مستقرة. وأفضى هذا المسار إلى تداخل متكرر بين مسؤوليات الحكم ومهام الدفاع والأمن، وأصبح الجيش حاضراً في لحظات التحول السياسي الكبرى، سواء من خلال تولي بعض قياداته السلطة، أو المشاركة في إدارة المراحل الانتقالية، أو التدخل في أزمات عجزت المؤسسات السياسية عن معالجتها. وتثير هذه التجربة سؤالاً يتصل بجوهر بناء الدولة السودانية: لماذا استمر تداخل الجيش والسياسة رغم تعدد التجارب الدستورية، وكيف يمكن تنظيم هذه العلاقة بما يحفظ مكانة القوات المسلحة ويضمن استقرار السلطة السياسية داخل مؤسسات الحكم؟

 

تقوم الدولة الحديثة على توزيع واضح للاختصاصات بين مؤسساتها، بحيث تتولى السلطة السياسية إدارة الشأن العام وصياغة السياسات الوطنية وفق الدستور، بينما تضطلع القوات المسلحة بمسؤوليات الدفاع عن البلاد وحماية سيادتها وسلامة أراضيها. وتقتضي طبيعة هذه العلاقة وجود قيادة سياسية مختصة باتخاذ القرارات السيادية، وجيش وطني يمتلك الكفاءة المهنية والقدرة على تنفيذ مهامه وفق القانون. كما تستلزم احترام خصوصية العمل العسكري ومتطلبات الانضباط والتسلسل القيادي، والمحافظة على الاستقلال المهني للقوات المسلحة في مجالات التخطيط والتدريب والتأهيل وبناء القدرات وإدارة العمليات، ضمن السياسة الدفاعية الوطنية والمرجعية الدستورية المختصة. ويكتسب هذا التنظيم أهميته من أن استقرار الدولة يتطلب وضوح المسؤولية عن القرار السياسي والعسكري، ومنع انتقال التنافس الحزبي إلى داخل المؤسسة العسكرية.

 

وقد بدأت إشكالية العلاقة بين الجيش والسياسة مبكراً في التجربة السودانية، حين انتهت الفترة البرلمانية الأولى بانقلاب نوفمبر 1958م بقيادة الفريق إبراهيم عبود، في ظل أزمة سياسية حادة، وملابسات ارتبطت بدور رئيس الوزراء آنذاك عبدالله خليل في انتقال السلطة إلى القيادة العسكرية. ثم جاءت ثورة أكتوبر 1964م لتعيد الحكم المدني، قبل أن تنتهي التجربة الديمقراطية الثانية بانقلاب مايو 1969م بقيادة جعفر نميري، الذي ارتبط بتحالفات واتجاهات سياسية وأيديولوجية داخل القوات المسلحة وخارجها. وفي أبريل 1985م، تدخلت القيادة العسكرية في سياق انتفاضة شعبية واسعة أطاحت بنظام مايو، وأعقبت ذلك فترة انتقالية انتهت بتسليم السلطة لحكومة منتخبة. غير أن التجربة الديمقراطية الثالثة انتهت بانقلاب يونيو 1989م، الذي ارتبط بتنظيم سياسي امتلك امتدادات داخل الجيش. وتكشف هذه المحطات عن اختلاف الظروف والدوافع والفاعلين، رغم اشتراكها في التأثير على استمرارية الحكم الدستوري واستقرار مؤسسات الدولة.

 

ويستدعي هذا التاريخ التمييز بين الانقلابات العسكرية التي تستهدف الاستيلاء على السلطة، وبين تدخل القيادة العسكرية في ظروف التحولات الشعبية الكبرى، مع إخضاع كل تجربة للتقييم وفق سياقها السياسي والدستوري ونتائجها. كما يستدعي التمييز بين القوات المسلحة بوصفها مؤسسة وطنية مستمرة، وبين الضباط والمجموعات التي انخرطت في نشاط سياسي أو ارتبطت بتنظيمات حزبية وسعت إلى توظيف مواقعها العسكرية لتحقيق أهداف تتعلق بالسلطة. فالتاريخ السياسي للجيش السوداني شهد مواقف وقرارات اتخذتها قيادات أو مجموعات محددة، ولا يصح اختزال المؤسسة بأكملها في خيارات تلك القيادات أو تحميل جميع منتسبيها المسؤولية السياسية ذاتها. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند دراسة أسباب الانقلابات وآثارها على تماسك القوات المسلحة وعلاقتها بالمجتمع.

 

وتكشف القراءة التاريخية كذلك أن بعض التحولات العسكرية ارتبط بتحالفات بين ضباط وتنظيمات سياسية، بينما أسهمت الصراعات داخل الأحزاب والحكومات في تهيئة المناخ الذي أتاح التدخل العسكري. فقد سعت قوى سياسية، في مراحل مختلفة، إلى الاستعانة بعلاقاتها داخل القوات المسلحة لحسم خلافاتها أو إقصاء منافسيها أو الوصول إلى الحكم خارج الوسائل الدستورية. وأدى هذا السلوك إلى ترسيخ تصور لدى بعض الفاعلين السياسيين بأن الجيش يمكن أن يكون طريقاً مختصراً إلى السلطة، وأن الخلافات التي تعجز الأحزاب عن تسويتها سياسياً يمكن حسمها عبر القوة المنظمة. وقد أضعفت هذه الممارسات الثقة في التداول السلمي للسلطة، وأدخلت القوات المسلحة في صراعات تتعارض مع طبيعتها المهنية ومتطلبات وحدتها وانضباطها.

 

ولا تعفي مسؤولية القوى السياسية عن استدعاء التدخل العسكري القيادات والضباط الذين شاركوا في الانقلابات أو تولوا السلطة من تبعات قراراتهم. فالمؤسسة العسكرية تستمد مكانتها الوطنية من التزامها بالدستور والقانون، ومن قدرتها على المحافظة على وحدتها ومهنيتها بعيداً عن الولاءات الحزبية. وعندما تتحول مواقع القيادة العسكرية إلى أدوات للمنافسة السياسية، يصبح الجيش معرضاً للاستقطاب، وتتداخل اعتبارات المحافظة على الحكم مع مقتضيات التخطيط الدفاعي وبناء القدرات العسكرية. كما أن استمرار القيادات العسكرية في إدارة السلطة التنفيذية لفترات طويلة قد يؤدي إلى توجيه جانب من الجهد المؤسسي نحو الشؤون المدنية، بما يفرض أعباء إضافية على مؤسسة تتطلب وظائفها الأصلية التفرغ للجاهزية القتالية والدفاع عن الدولة وحماية أمنها الوطني.

 

وقد تعمقت هذه الإشكالية خلال فترات الحكم العسكري الممتدة، حين ارتبطت إدارة الدولة بمشروعات سياسية وأيديولوجية مختلفة، وتداخلت المؤسسات الحزبية والأمنية والعسكرية في بعض مراحل الحكم. وأسهمت هذه التجارب في التأثير على معايير الاختيار والتعيين والترقي والقيادة، وعلى العلاقة بين الكفاءة المهنية والولاء السياسي، بدرجات متفاوتة من مرحلة إلى أخرى. كما شهدت بعض الفترات محاولات لتوسيع النفوذ السياسي داخل المؤسسات النظامية، وإعادة تشكيل العلاقات بين مراكز السلطة والأجهزة العسكرية والأمنية بما يخدم استمرارية النظام الحاكم. وقد ترتبت على هذه السياسات آثار بعيدة المدى على الثقافة المؤسسية، واستقلال القرار المهني، وطبيعة العلاقة بين القوات المسلحة والسلطة السياسية، الأمر الذي جعل معالجة هذه الاختلالات أكثر تعقيداً مع تعاقب الأنظمة.

 

وفي المقابل، كشفت التجارب الديمقراطية القصيرة عن أوجه قصور داخل النظام السياسي المدني نفسه. فقد عانت الحكومات المنتخبة من الانقسامات الحزبية، وضعف الاستقرار الوزاري، وصعوبة التوافق حول القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الحرب والسلام وإدارة التنوع والتنمية الاقتصادية. كما أدى ضعف المؤسسات الدستورية والرقابية، وتراجع فاعلية الإدارة العامة، إلى اتساع الفجوة بين التطلعات الشعبية وقدرة الحكومات على الإنجاز. وتؤكد هذه التجارب أن الشرعية الانتخابية تمنح الحكومات حق تولي السلطة وفق الدستور، بينما يتطلب استمرار الحكم واستقراره امتلاك القدرة المؤسسية على إدارة الدولة واتخاذ القرارات ومعالجة الأزمات. ويظل ضعف الأداء الحكومي أو تعثر التوافق السياسي من القضايا التي تعالج عبر المؤسسات والآليات الدستورية، بما في ذلك الرقابة والمساءلة والانتخابات، دون أن يتحول ذلك إلى مبرر للاستيلاء على السلطة بالقوة.

 

وتبرز هنا مسؤولية الأحزاب السياسية عن بناء علاقة سليمة مع القوات المسلحة. فالحزب الذي يسعى إلى الوصول للحكم عبر الانتخابات ينبغي أن يستند إلى التأييد الشعبي والبرامج السياسية، وأن يقبل مبدأ التداول السلمي للسلطة واحترام نتائج العملية الدستورية. أما توظيف العلاقات الشخصية والتنظيمية داخل الجيش، أو السعي إلى استقطاب الضباط والجنود لخدمة أهداف حزبية، فيؤدي إلى نقل الانقسامات السياسية إلى مؤسسة تقوم فاعليتها على وحدة القيادة والانضباط. وتزداد خطورة هذا السلوك عندما تتشكل داخل المؤسسة شبكات ولاء سياسي أو أيديولوجي تتقدم على الانتماء المهني، فتؤثر في القرارات والتعيينات والعلاقات القيادية. ولذلك فإن تحصين القوات المسلحة من النشاط الحزبي المنظم يمثل مسؤولية مشتركة تتحملها القيادات العسكرية والقوى السياسية ومؤسسات الدولة المختصة.

 

وقد أضافت التحولات التي أعقبت أبريل 2019م أبعاداً جديدة لهذه العلاقة، بعدما دخل السودان مرحلة انتقالية اتسمت بتقاسم السلطة بين مكونات عسكرية ومدنية، في ظل تباين الرؤى حول طبيعة المرحلة وأولوياتها وترتيبات الانتقال إلى الحكم الدستوري. وقد كشفت التجربة عن صعوبات إدارة الشراكة بين أطراف تختلف في مصادر شرعيتها وصلاحياتها وتصوراتها لمستقبل الدولة، إلى جانب استمرار الخلافات داخل القوى المدنية نفسها. ثم جاءت إجراءات أكتوبر 2021م لتعمق أزمة الثقة بين المكونات السياسية والعسكرية، وتزيد تعقيد المسار الانتقالي. وفي ظل هذه الأوضاع، تصاعدت الخلافات المتعلقة بإصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية ومستقبل قوات الدعم السريع، وصولاً إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023م، التي كشفت عن خطورة الاختلالات المتراكمة في بنية السلطة والقرار العسكري.

 

وقد أثبتت الحرب أن وجود القوات المسلحة بوصفها مؤسسة وطنية منظمة يمثل عنصراً أساسياً في بقاء الدولة وقدرتها على الدفاع عن سيادتها ومؤسساتها، خصوصاً عندما تتعرض لتمرد مسلح واسع النطاق. كما أبرزت الحاجة إلى حماية هذه المؤسسة من الصراعات السياسية والتنظيمية التي قد تؤثر في وحدتها ومهنيتها. وتفرض هذه التجربة التمييز بين الدور الوطني للقوات المسلحة في الدفاع عن الدولة وحماية وجودها، وبين المشاركة المباشرة في إدارة التنافس الحزبي وممارسة الحكم السياسي. ويقتضي هذا التمييز المحافظة على وحدة الجيش وقدرته القتالية واستقلاله المهني، ضمن إطار دستوري واضح يحدد مسؤوليات القيادة السياسية والقيادة العسكرية، ويحول دون توظيف القوات المسلحة لخدمة تنظيمات أو أشخاص أو مشروعات حزبية.

 

وتكشف التجربة السودانية، في مجملها، عن أن تداخل الجيش والسياسة نشأ نتيجة تفاعل اختلالات سياسية وعسكرية ومؤسسية تراكمت عبر عقود، وأسهمت فيها أنظمة حكم وقوى حزبية وقيادات عسكرية بدرجات متفاوتة. وقد أدى استمرار هذه الاختلالات إلى إضعاف المؤسسات المدنية، وإثقال القوات المسلحة بأدوار تتجاوز وظائفها الأصلية، وتعطيل بناء نظام سياسي مستقر تتحدد فيه المسؤوليات والصلاحيات بصورة واضحة. وتؤكد هذه التجربة أن معالجة العلاقة بين الجيش والسياسة تتطلب إصلاحاً متزامناً للمؤسسات السياسية والعسكرية، وتطوير الثقافة الدستورية، وترسيخ قواعد مهنية تحمي القوات المسلحة من الاستقطاب، وتمنح المؤسسات المدنية القدرة على إدارة الحكم وتحمل مسؤولية قراراتها.

 

ويبقى السؤال الاستراتيجي الذي تفرضه هذه التجربة: كيف يستطيع السودان بناء نظام سياسي يستمد استقراره من مؤسساته الدستورية، ومؤسسة عسكرية تستمد قوتها من وحدتها ومهنيتها، دون أن تصبح الخلافات السياسية سبباً لاستدعاء الجيش إلى الحكم مرة أخرى؟ ذلك هو التحدي الذي نتناوله في الجزء الثاني من هذا المقال، بحثاً عن الضمانات الدستورية والسياسية والعسكرية اللازمة لتنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والقوات المسلحة، وبناء دولة تستقر فيها المؤسسات وتستمر وظائفها مهما تغيرت الحكومات.

 

الأحد، 8 نوفمبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى