مقالات الرأي

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة .. تكتب ،، هل يجرؤ البرهان على اعتقال من وصفوه بالقاتل

 

الفريق أول عبد الفتاح البرهان ، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية ، ذلك الرجل الذي حمل إصبعه بيده وطبز به عينه ، هل غاب عن ذهنه أو عن أذهان منفذي قرار اعتقال مولانا أحمد هارون ، أن قادة الكتائب الذين يتقدمون الصفوف الأمامية ، ويتقاسمون مع ضباط وجنود القوات المسلحة الخنادق والبنادق ، هم أبناء مدرسة أحمد هارون ، وهل غاب عن ذاكرته أن مئات الشهداء الذين شهدت لهم سوح القتال بالبسالة والرجالة والفراسة ، ووقف البرهان بنفسه في سرادق عزائهم ، مشيداً بتضحياتهم ومتغزلاً في مواقفهم كما تغزل عنترة في عبلة وقيس في ليلى ، هم أيضاً من أبناء مولانا أحمد هارون ، أم أن تلك المواقف والتضحيات غابت عن الحسابات لحظة اتخاذ قرار الاعتقال ، وهل أصبح الاختلاف السياسي كافياً لتجاوز تاريخ من المواقف والتضحيات.

 

هنا تحديداً تتجاوز القضية حدود اعتقال شخصية سياسية فوق العادية ، لتفتح باباً واسعاً حول طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش والتيارات السياسية ، وحدود حرية النشاط السياسي ، ومعايير التعامل مع الحلفاء والخصوم ، لم يكن ظهور مولانا أحمد هارون ، رئيس حزب المؤتمر الوطني ، في حوار «السودان بودكاست» ظهور غير محسوب ، بل كان حدثاً سياسياً أعاد إلى الواجهة أسئلة شائكة ، وأصبح حديث المنصات والساحة السياسية ، قبل أن تعتقل السلطات الرجل ، الأحد 8 نوفمبر 2026م ، دون أن تتضح حتى الآن ملابسات الاعتقال أو أسبابه بصورة رسمية.

 

بعيداً عن الموقف من أحمد هارون ، اتفاقًا أو اختلافًا مع أفكاره وتاريخه السياسي ، فإن القضية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون ، لقد اعتاد المشهد السياسي السوداني خلال الفترة الماضية سماع تصريحات بالغة القسوة من بعض قيادات القوى المدنية ، وعلى رأسها قيادات صمود ، تجاه الفريق أول عبد الفتاح البرهان ، ولم تكن تلك الانتقادات مجرد اختلاف في الرأي أو تباين في المواقف السياسية ، بل وصلت إلى اتهامات وأوصاف جارحة ، من بينها السفاك والقاتل ومصاص الدماء ، فضلاً عن تحميله المسؤولية عن الحرب والدمار والتمسك بالسلطة ومع ذلك البرهان مازال مستعدًا لمغازلتهم .

 

وهنا سؤال يفرض نفسه إذا كانت السلطات قد اتخذت قراراً باعتقال أحمد هارون ، فهل يجرؤ البرهان على التعامل بالقدر ذاته من الحسم مع قيادات صمود التي وجهت إليه تلك الاتهامات ووصفته بتلك الأوصاف ، أم أن هناك ميزاناً مختلفاً تُوزن به المواقف والتصريحات بحسب موقع أصحابها من السلطة،

 

إن المسألة ليست مطالبة باعتقال هذا الطرف أو ذاك لمجرد اختلافه السياسي ، ولا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى جريمة ، وإنما المطلوب هو معيار واحد لا يستثني أحداً ، فإذا كانت هناك اتهامات جنائية فالقضاء هو الجهة التي تفصل فيها ، وإذا كانت هناك تجاوزات سياسية أو إساءات لفظية ، فالمواجهة تكون بالحجة والقانون ، لا بالانتقائية وتصفية الحسابات.

 

والأمر الأكثر إثارة للتساؤل أن أحمد هارون ، خرج في ذلك الحوار متحدثاً عن علاقة المؤتمر الوطني بالبرهان ، نافياً وجود علاقة تنظيمية أو عضوية بينهما ، ومؤكداً أن الأولوية الآن تتمثل في حماية الدولة السودانية ومواجهة التحديات التي تواجهها ، فهل ياترى لو شتم مولانا هارون البرهان كما تفعل صمود لشهدنا فصلًا آخر غير الإعتقال كالدروة مثلا ، فهل كان موقف مولانا الوطني سبباً في تحريك ملف اعتقاله ، أم أن هناك اعتبارات أخرى وإجراءات انتقائية تُنفذ بحسب مزاج صانع القرار ، ولنسأل بوضوح أكثر ما الجرم الذي اقترفه مولانا هارون ، هل أقلق مضجع البرهان بوصفه لحليفه السابق حميدتي بالشاب الذي يكرب جركانة في صلبه ، أم بقوله عن قوش إنه بطل الفيلم الهندي ، أم أن في الحوار ما هو أبعد من ذلك ويُحمل على النوايا.

 

الدولة التي تريد استعادة هيبتها عليها أن لا تخشى صوت المعارضة ، وأن لا تتسامح مع تجاوزات حلفائها ، وأن لا تجعل القانون سيفاً على رقاب خصومها وغمدًا يحمي المقربين منها ، فهل سنشهد يوماً البرهان وهو يتعامل مع قيادات صمود بالمعيار نفسه الذي تعامل به مع أحمد هارون ، أم أن الاعتقال له رجال ، والحصانة لها رجال ، والسياسة لها حسابات أخرى ، هذا هو السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابة عملية عليه من البرهان شخصياً ، لا من غيره… لنا عودة…

زر الذهاب إلى الأعلى