مقالات الرأي

✍️ لواء شرطة (م)  د . إدريس عبدالله ليمان يكتب ليسَ فى شِرعَتِنا عَبْدٌ ومولى ..!

 

تكادُ هذه الحرب اللعينة أن تُكمل عامها الأول وبلادنا وأهلها يَعيشونَ بين الألم والأمل ، بين أيامٍ إنقَضَتْ ومَضَتْ بدموعها ودمائها وذُّلها وهوانها ، وأُخَرُ قادمات لا يدرون ماذا قُضَىَ لهم فيها ولا يعرفون إلى أين مصيرهم وكيف يكون مسيرهم ، فقواتنا المسلحة تحفِرُ بالإبرة وهم يلوكونَ الصَبُر أملاً بالله وثقةً فى الجيش ، فالمليشيا قبحها الله فوق ما إرتَكبَتْ أعادتهم إلى عهود البريد والخطابات اليدوية ، والعبارات التى كُنَّا نَظُنُّ أنَّها إتَّخَذَتْ مكانها فى متحف التاريخ الطبيعى مثل : ( ولا ينقصنا شئ سوى عدم رؤياكم الغالية ) وذلك بقطعها لشبكات الإتصال فى جريمة لا تقل بشاعةً عن التقتيل والتهجير ظَنّاً منها بأنها تخنق بلادنا وأهلها بذلك الصنيع ، ولكنها لاتدرى أنّ هذه الدولة لو قُدِّرْ لها أنْ تموت لماتت يوم أن فشِلَتْ فى إجتياح القيادة العامة وإحتلالها فعمدت إلى عاصمتنا وفَعَلَتْ بأهلِهَا مالم يسبقها إليه أحد ، بيدَ أنَّ قراءة التاريخ تمنحنا الأمل بأنَّ هذا الواقع البائس سوف يتغيَّر للأفضل بحول الله وقوته رغم اليأس الذى بلغ من هذا الشعب مبلغاً عظيماً جعل الحرائر ربَّات الخدور يؤثِرنَ مخاطرَ التهريب وإلتحاف سواد الليل مع برد الشتاء ، ومَذَّلةَ الوقوف فى صفوف المفوضية السامية لشئون اللاجئين على الأذى الجنجويدى ورِقِّ عبوديته .. كما جَعل الجميع يَشْكونَ بَثَّهم وحُزنَهم إلى الله بعد أن تكَسَّرت أمانيُّهم وتبدَّدَتْ أحلامُهم بوطنٍ آمن على جَنَبَاتْ المنافئ والملاجئ وهم يَرونَ بوصلة الخلاص من أولئك المجرمين تكاد أن تضيع من حكومتنا التى لا يُرَى لها أثرَاً ولا يُسمَعُ لها رِكزَاً ، ويخشون أن تَضِلَّ الطريق فيضيع الوطن ..!! ولولا ثبات وفدائية قواتنا المسلحة وبسالة قوات الإحتياطى المركزى وبعض فصائل الشُرطة وجهاز المخابرات وقوة العمل الخاص والمقاومة الشعبية الذين أدركوا أنَّ شَرَفَ الأوطان يصنعه ويزود عنه الرجال فإمتطوا صهوة البطولة والفداء والتضحيات وبذل الدماء منافحين عن كرامة هذا الشعب وكبرياءه لرُسِمَ لبلادنا واقعٌ مُخزٍ مبنىٌّ بالجماجم وبالدماء والجِراح الغائِرة التى خلَّفتها فوهات البنادق الغادرة ، ولَبُعِثَتْ فى أرضنا أُمَّةً وضيعَةّ مِنْ الأشرار لا تُفَرِّق بين الإنسان والحيوان فى الذبح والنحر وليست لديهم حُرمة للروح الإنسانية والنفس التى حرَّمَها الله ليحلُّوا مكاننا ويسكنوا دورنا التى أُخرجونا منها بقوة السلاح .

إنّ معالم الجريمة والمؤامرة تجاه هذا الشعب الذى يُشَكِّل الشباب أكثر من ثلثى تعداده قد إكتمل وضوحها تماماً قبل أن تندلع الحرب بإغراق بلادنا بالمخدرات بكافة أشكالها وأنواعها وتيسير الحصول عليها لنخر الجسد الكُلّى للدولة وهدم أعمدتها وأغلى ما تملك من ثروة ، وإستنبَاتْ جيلٌ من المُغَيَّبين محدودى الرؤية والتفكير ، حتى تتحقق لتلك الجهات كمال السيطرة والسطوة على بلادنا بعد تمام الغفلة .. وما تلك الحملة القومية التى أطلقتها الدولة لمكافحة المخدرات حينذاك وتَبنَّتها كل المؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى إلاَّ دليلٌ على إستشعارها للخطر الجسيم المُحدِق بشبابنا ، ومن ثَمَّ جاء عدوان المرتزقة على بلادنا وهم يبحثون عن شجرةِ الخُلدِ والمُلكٍ الذى لا يَبلَى فأخرجوا أهلها منها وأفسدوا فيها ، وما تركوا مُنكراً إلاَّ فعلوه ولا كبيرةً إلاَّ أتوها حتى كادت أن تَتَغيَّر ملامح بلادنا وخارطتها الديموغرافية والمجتمعية والتنموية بعد أن أضحى أكثر من ثُلث سكانها ما بين قتيلٍ ونازحٍ ولاجئ ، وأصاب مؤسساتنا التعليمية بجميع مستوياتها ما أصاب الأعيان المدنية من دمارٍ وخراب وضرر بنيوي ، وهبط أبناؤنا أرض البحيرات يلتمسون العلم فى رواندا ويوغندا بعد أن ضاقت بهم أرض الكنانة ، وهاجر منهم من هاجر بحثاً عن وطنٍ بديل يجدُوا فيه الأمان والإستقرار ويعيشوا فيه بعيداً عن القتل والقهر ، وأصبح من بقى منهم نازحاً فى بلده تحت المليشيا وسوط عذابها وعقابها الجماعى لوقوفهم مع قواتهم المسلحة وإنتظامهم فى صفوف المقاومة فعبثوا بمنظومة الإتصالات كما عبثوا بإمنهم من قبل إمعاناً فى إيذائهم وإذلالهم وتعطيل وتعقيد حياتهم ، على الرغم من أنَّ المواطن السودانى الذى عُرِفَ عنه الوعى السياسى والنُضجٍ والإستنارة ظَلَّ يقرأ المشهد قبل الحرب قراءة صحيحة وكان يُدرِك بما لديه من وعى أن خطراً ما يتهدده ، وأن هنالك أمراً ما يُدَبَّر لهذا السودان ، وثمَّة مؤامرة تُنسَجُ أثوابَها أمام أعين الدولة الغافلة أوالمتغافلة ، وهو يرى الانتشار المريب للمليشيا فى المواقع السيادية وحركتها فى الشوارع الرئيسية بآلياتها وأسلحتها الثقيلة .. وهذا الخطر المجهول أحَسَّ به الجميع إلاَّ حُكامنا الذين ظَلَّوا يُحدِّثوننا عن المليشيا حديث المُحِّب ، ويُدَّلِلون قائدها وهم أعلمُ الناسَ به وبغدرِه وطموحه وميكافيليته وعُجَرِه وبُجَرِه..!! ، ويَغُضُّون الطرف عن تقويته لقواته عدداً وعُدَّةً وعتاداً بل ويُثنونَ عليه وعلى مرتزقته بمناسبة ودون مناسبة ويَسكُتونَ عن تجاوزاته السياسية والدستورية والقانونية ، وتمدده الأُفقى والرأسى على حساب الأمن القومى للبلاد تحقيقاً لطموحه فى السلطة وإنشاء دولته التى وعده بها الكفيل ، والمواطن السودانى ينظر إلى حُكَّامه مذهولاً يغمغم لعلَّ ولعلَّ ولعلَّ ويدندن لنفسه : أغالط نفسى فى إصرار وأقول يمكن أنا ( الما فاهم ..!! ) .. وتَرَكَ حِيرته وتساؤلاته للتاريخ ليُجيبَ عليها ، فولاةَ أمرِنَا الآن أمام إمتحان صعب ، فإمَّا أن يأخذوا الأمر بحقه والقضاء على دابَّةَ الأرض تماماً وينالوا العِزَّة والمجد والسؤدد والعلامة الكاملة والدخول لنادى القادة التاريخيين ، وهذا لا يتأتى إلاَّ بأعوانٍ مخلصين وحكومة قوية تعرف واجباتها جيّداً وتدعم الموقف العملياتى سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً وخَدمياً .. وإمَّا أن يَترُكْوا بلادنا رهينةً فى أيدى أعداء الشعب لِيُدَّنِسوها بأقدامهم النَجِسَة وبنادقهم الغادرة ويقيموا دولتهم المزعومة ومشروعهم الخاسر على أرضها ، ويجعلوا أعِزَّةِ أهلها أذِلَّة فى الملاجئ والمنافئ تحتقرهم الأمم والشعوب ، وتُلقِى إليهم المنظمات بلقمة العيش المُذِّلة .. وهذا الأمر لن يحدث مادام لدينا يقينٌ باللهِ لا يَتحوَّل ، وفينا عِرقٌ ينبضُ بالحياةِ وحُبَّ الوطن .. 

نسأل الله أن يفتح على هذا الشعب الصابر بفَتْحٍ من عنده حتى يصوموا الشهر فى منازلهم ويتذوقوا طعم النصر فى شهر الإنتصارات ، وأن يُقيِّض لبلادنا من بعد ذلك حكومةً للإعمار فى عبقرية سيدنا يوسف عليه السلام الذى لم يُرشد عزيزَ مصر ووزراؤه للبحث عن الموارد لتخطى السبع العِجاف ، بل أرشدهم إلى كيفية إدارة تلك الموارد بِحنكة والتَرَّفُق بأهلها ..كما نتمنى أن نرى عودة مختلفة لشرطتنا الباسلة لإسناد حكومة الإعمار بقوة القانون ، فالذى ينتظرها ويأمله منها الشعب كثير .. فشبابنا قد وعوا الدرس تماماً بأن ثقافة التتريس والتخريب وإسقاطِ أعمدة الإنارة وإتلاف الطريق وتعطيل مصالح الناس كانت شكلاً من أشكالِ الحرب على الدولة ، وقد إستبانوا النُصح صبيحة السَبتِ وتبيَّن لهم أن مصلحة البلاد تَكمُنُ فى العقلِ الرشيد للإعمار وليس فى التبعية للهدم والتخريب ، ويقينى أنهم لن يُعَطِّلوا عقولهم مُستقبلاً ويجعلوا من دُعاةَ الفِتنَة وأدِلاَّء قوافل الفوضى أوصياء عليهم وراعِيَاً يقودهم كالقطيع فليس فى شِرعتُنا عَبْدٌ ومولى .

حَفِظَ الله بلادنا وأهلها من كُلِّ سوء وجعلها من خير البلاد .

—————————————-

✍️ لواء شرطة (م) 

د . إدريس عبدالله ليمان

زر الذهاب إلى الأعلى