أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب لكل شيءٍ آفة

لكل شيءٍ آفة، آفةُ العلم النسيان، وآفةُ الحديثِ الكِذبُ، وآفةُ الحِلمِ السَّفَهُ، وآفةُ الحَسَبِ الفَخْرُ، وآفة الجُودِ السَّرَفُ.. حتى الحديد سطا عليه المبرد،
آفة الإبداع التمسكُ،
يحثنا دينُنا الإسلامي على الإبداع والتغيير والتجديد والتطور والمواكبة، والبحث والتعلم، نجد هذا الهدي في مواضعَ كثيرةٍ في القران والسنة، ولم نعمل به، مثله مثل الصبر، فقد حثنا اللهُ عليه فعملنا بضده، ولو حثنا دينُنا على الجزع لصبرنا، كذلك لو كان ديننا يحثنا على عدم التفكير وعدم الإبداع ويشجعنا على الجمود والتمسك لفعلنا العكس. نترك الدين ونقدسُ العادات والتقاليد ونعتبر عدمَ الإلتزام بالتقاليد عيبًا يجلبُ العارَ علينا وعلى القبيلة باسرها. قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنـه- ( نحن قومٌ أعزنا اللهُ بالإسلام، فإن ابتغينا العزةَ بغيره، أذلنا الله) نعم صدق الفاروق- رضي الله عنه- وهذه هي النتيجة واضحةٌ أمامنا، ولا حول ولا قوة الا بالله. إلتزمنا بتعاليم القبيلة، التي تقول ممنوع الإبداع، ممنوع التغيير، ممنوع التجديد، ممنوع التفكير خارج الصندوق، أي فكرة جديدة يكون صاحبُها منبوذًا، وإذا تجرأ فردٌ من افراد القبيلة وطرح فكرةً أو مجرد اقتراح، أو رأي، يتصدى له مباشرةً احدُ فرسان القبيلة شاهرًا سيفه، معلنًا: (انا المبارز) ثم يوجه عبارات الوعيد والتهديد قائلا: إنني سوف اصرعُك أمام فتيان العشيرة، وأن كلامَك هذا لا يجوز ولايصح، وكيف تقول ذلك؟ وهذا حديثٌ لم نسمع به من قبل، ولم يقله احدٌ غيرك ( كان غيرك اشطر)
هكذا تربينا، ليس من حقك التفكير خارج الصندوق، ليس من حقك طرحُ أفكارٍ جديدة تقود نحو الأفضل. ليس من حقك الاعتراض. من تعاليمهم، أنك غيرُ مؤهلٍ لذلك، وأن كلَ شيءٍ قد سبق حسمه وقضي الأمرُ، ولا مجال للنقاش، ومن أنت حتى تأتي بجديد؟ ثم يردف قائلا: طيلة عمرنا لم نسمع أن شخصًا قال ما قلت، ومن أين تأتي انت بهذه الأفكار؟ ثم يلغي وجودك تمامًا و يقرر عدم الاعتراف بأن لك عقلًا يعمل، فيقول لك: (لا تسمع كلام المضللين المغرضين) إنتهى كلامه، ان جاز ان نسمي هذا كلامًا، بينما هو قد يعلم- أو لا يعلم- ان غيري كثيرين لهم اراءٌ وأفكار نيرة، لكنهم لم يطرحوها خوفًا من ردود الفعل العنيفة التي ستنهمر عليهم من أفراد القبيلة، لذلك تجدهم يختارون الصمتَ للسلامة والأمان، ممتثلين للمثل المعروف (الباب الـ يجيب الريح سدو واستريح)
كيف يقتنع هذا المتمسك، ان عبارة( كان غيرك أشطر) غير صحيحة، ولو تمسك بها الأولون، لكنا نحن حتى الآن نعيش على الصيد ونسكن في الكهوف ونتعالج بالأعشاب وما كانت تغيرت افكارُنا ولا توجهاتنا ولاتنوعت ملابسُنا ولامطاعمنا ولامساكننا ولاوظائفُنا، وما كنتم قرأتم هذا المقال الذي كان يكتب نحتا على الحجارة، لماذا تركنا النحتَ على الأحجار؟ من الذي فكر في ترك النحت على الأحجار؟ ألم يكن غيره أشطر؟ وقس على ذلك. إن رفض الفكرة لمجرد أنك لم تسمع بها من قبل، تفكيرٌ غريب سقيم متحجر مخالف للهدي النبوي الشريف، قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- (مثَلُ أُمَّتي مثَلُ المطَرِ؛ لا يُدْرَى أوَّلُه خيرٌ أمْ آخِرُه) وقال الشاعر
وأني وان كنت الزمان الأخير زمانه.. لآت بما لم تستطعه الأوائل..
إن نتائج الأفكار لا تقف عند حد، بل لكلِ عالمٍ ومتعلمٍ دراساتُه وبحوثُه يحرزها في الوقت المقدر له، ولكل فرد أفكار ومستجدات، وعلوم. وهذه العلوم منحٌ إلهية، والفيض الإلهي ليس له انقطاع. فلماذا نحن نحجّر واسعًا، ونرفض الفكرة لمجرد أنه لم يسبقنا عليها أحد؟ قالوا: ليس كلمة اضر بالعلم والعلماء من قول القائل: (ماترك الأول للآخر شيئًا) هي نفسها عبارة ( كان غيرك اشطر) هذه الجملة تصلح شعار للجمود والتمسك الأعمى، ومن يؤمن بهذه المقولة لن يتطور في حياته، وليت الأمرَ يتوقف عند حياته هو فقط، لكن المصيبة ان يتولى هذا الشخص منصبًا رياديًا ويكون هو صاحبَ القرار، وما اكثر هذا النوع في بلادنا، هذا النوع الذي تاتي إليه بفكرة جديدة، فينظر إليك ببلاهةٍ، ثم يفاجئك بردود غريبة، واذا حاولت إقناعَه لا يقتنع، لأنه يتحاور معك بأسلوب (إن قلتم قلنا) ولكي ينهي النقاش معك يقول لك: (فكرتك هذه انا أستطيع ان ألغيها لك بـ جرة قلم). كم مرة سمعتم هذه الجملة؟
لا يمكن أن تحدث تنمية لأي مجتمع غير قابل للتغيير، مهما كان هذا المجتمع يملك من ثروات طبيعية هائلة، لأن الإنسان هو أساسُ التنمية. المجتمعات التي تنهض وتتقدم وتتطور هي المجتمعات التي تكون قابلة للتغيير، حتى وإن كانت فقيرة الثروات الطبيعية، فهي حتما سوف تنهض وتتطور طالما هي غنية بالثروات البشرية التي تفكر بطريقة صحيحة ومدركة للتغيير واهميته.
الحل في وجود قائد للتغيير فيه صفات القيادة، صاحب تفكير استراتيجي وأن تكون له المقدرة على اختيار الوزراء والمعاونين، وأن تكون لديه رغبة ومقدرة على التغيير، وله وعي ذاتي ومقدرة على تحديد الأولويات، وان يركز على تطويرالاخرين، هذا القائد- بهذه المواصفات- موجود بيننا ونستطيع العثور عليه، وبما ان تحدياتنا غير تقليدية فلا بد ان تكونَ طريقةُ التفكير للحلول أيضا غير تقليدية، غير الطريقة التقليدية التي تدور حول التفكير المادي المعتمد على الزمان والمكان والحواس. التحدي غير التقليدي يحتاج إلى طريقة تفكير إبداعية، تفكير غير تنافسي. وهذه الطريقة من التفكير الإبداعي موجودة، يفكر ويعمل بها المبدعون، ومن نتائج هذا التفكير الإبداعي، ما نعيشه الآن من تقنية عالية في الاتصالات وتقنية المعلومات وغيرها من فنون مذهلة، ما كان لهذه الأشياء أن تكونَ، لولا التفكير الإبداعي. كيف نفكر تفكيرًا ابداعيًا؟
أن تضعَ صورةً ذهنيةً واضحة لما تريد تحقيقة وأن لا تتخلى عن هذه الصورة الذهنية مهما كانت الظروف (هذا الجهاز الذي بين يديك وبشكله وألوانه وحجمه وكل مواصفاته الحالية، كان صورةً ذهنيةً في ذهنِ من أوجدوه، ثم خرج للوجود كما أرادوا تماما).. وأن تسعى للعمل، وأن تكون واثقًا من تحقيق ما تريد. ليس بالضرورة ان نجتمع كلنا في مكانٍ واحد ونفعل ذلك، كل منا يفكر على انفراد في المكان الذي هو فيه. لو اخترنا هدفنا أن يكون إيجاد قائد بالمواصفات المطلوبة، علينا ان نتفق- جميعًا- على صورةٍ ذهنية معينة واااضحة، وعدم التخلي عنها، ثم هناك خطوات وارشادات، لو اتبعناها سوف نرى القائد المطلوب يقف امامنا؟
من حقك ان تعرف ما هذه الفكرة الجديدة، وكيف تحدث وما الدليل، الإجابة على هذه الأسئلة موجودة في كتاب( علم الثراء) للمؤلف ولاس دي والتز. لقد قرأتُ هذا الكتاب وتفهمته، واسقطتُ ما جاء فيه على الكتاب والسنة، فوجدتُ أن كل حقيقة قالها لها مدلولها الشرعي في الكتاب والسنة. ثم بعد ذلك طبقتُ ماجاء فيه على أرض الواقع لتأسيس مشروع كان مجرد فكرة، لم تكن توجد لدي أي قطعة من متطلبات هذا المشروع، وعن طريق هذه الفكرة بدأ يتخلق هذا المشروع ثم بدا ينمو بطريقة مذهلة. ولكنه لم يكتمل النمو بسبب انني تخليت عن شرط مهم من شروط الفكرة وهو ( التمسك بالصورة الذهنية للمشروع ) ولكني أيضا استفدت من هذا الفشل الذي رسخ قناعتي بالفكرة، إذ أن الاخلال بشرط من شروط الفكرة يؤدي الى فشلها كان دليل قوي بالنسبة لي على صحة هذه الفكرة والله على ما أقول شهيد، هذا التأكيد لتحفيزكم ولأقناعكم بهذه الفكرة، لأنني حريص وأريد وأتمنى وأرغب وأعمل على ان يغير كلٌ منا طريقة تفكيره لتكون طريقة تفكير إبداعية ومن ثم تتغير طريقة تفكير المجتمع باسره ،ومن ثم تتغير طريقة حياتنا نحو الأفضل. كم مرة أنت قرأت في سورة الرعد الاية رقم 11.. ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ۗ)،ومررت عليها مرور الكرام .
سوف اشعر بالفخر والسعادة لو حرك هذا المقال ساكنا في عالم الأفكار ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) هود88
نعم تستطيع، فقط غادر منطقةَ الراحة، وأبدأ بطرد الماضي من عقلك حتى تتمكن من تكوين صورة ذهنية واضحة، إنه شيءٌ صعبٌ، لكنه ممكن وممتع ويستحق، ولاتنسى قراءة كتاب(علم الثراء) متوفر ورقي ورقمي..
والله أعلى واعلم..
عثمان الشيخ الاسيد..
8 أبريل 2025م

