أعمدة الرأي

كابتن محمد حسن الطاهر يكتب الادب والسياسة نموذج تاريخى (حين يصبح الكلام واجبًا والمثقف ضميرًا)

 

في عالمٍ يضجّ بالأصوات، قد يبدو الصمت فضيلة. لكنه حين يُمارس في وجه الظلم، يتحوّل إلى خيانة. هذا ما أثبته الكاتب الفرنسي إميل زولا في مقاله الشهير _”إني أتهم”_ ، الذي لم يكن مجرد كلمات على ورق، بل زلزالًا أخلاقيًا هزّ فرنسا من جذورها، وأعاد تعريف دور المثقف في المجتمع.

 

*🧠 المثقف الملتزم من برج عاجي إلى ساحة المعركة :

 

قبل قضية دريفوس، كان المثقف يُنظر إليه ككائن نخبوي، يراقب من بعيد دون أن يتورط في صراعات الواقع. لكن زولا غيّر هذه الصورة جذريًا. حين اتُهم الضابط اليهودي _ألفريد دريفوس_ زورًا بالخيانة، لم يكتف زولا بالاستنكار الداخلي، بل كتب مقالًا ناريًا اتهم فيه كبار المسؤولين بالتواطؤ والتستر، مخاطبًا رئيس الجمهورية مباشرة.

 

بهذا الفعل، تحوّل زولا إلى نموذج لـ *المثقف الملتزم* ، الذي يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الصمت خيانة. لم يكن هدفه الشهرة أو الجدل، بل الدفاع عن الحقيقة مهما كانت العواقب. وقد دفع الثمن: المحاكمة، النفي، والتهديد. لكنه انتصر أخلاقيًا، وأعاد فتح القضية، حتى تم تبرئة دريفوس لاحقًا.

 

*✊ الصمت في وجه الظلم خيانة :

 

في زمن التزييف والتواطؤ، يصبح الصمت أداة بيد الظالمين. فحين يسكت المثقف، يفسح المجال للجهل أن ينتصر، وللخوف أن يتسلل إلى الضمير الجمعي. زولا لم يسكت، لأنه أدرك أن الكلمة قد تكون السلاح الوحيد في وجه مؤسسات ترفض الاعتراف بخطئها.

 

لقد ألهم مقاله أجيالًا من الكتّاب والمفكرين، من _سارتر_ إلى _كامو_ ، الذين تبنّوا مبدأ أن المثقف يجب أن يكون في قلب المعركة، لا على هامشها. وأن الصمت، مهما بدا حكيمًا، قد يكون خيانة إذا كان ثمنه الحقيقة.

 

*📚 الأدب كأداة مقاومة*

 

بعد “إني أتهم”، لم يعد الأدب مجرد فن، بل صار وسيلة مقاومة. ظهرت كتابات تفضح التسلط، وتدافع عن الإنسان، وتعيد الاعتبار للضمير. أصبح المثقف وسيطًا بين المعرفة والمجتمع، لا مجرد راصد للأحداث. وصار يُقاس بقدرته على الوقوف في وجه التيار، لا مسايرته.

 

*🌍 إرث لا يُنسى*

 

قضية دريفوس لم تغيّر فقط حياة رجل واحد، بل أعادت تشكيل مفهوم العدالة، وحرية التعبير، ودور المثقف في العالم. وزولا، بصوته الجريء، أثبت أن الكلمة قد تكون أقوى من السلاح، وأن الصمت حين يُكسر من أجل الحق، يصبح أجمل أنواع السمت.

 

في النهاية، “قطر حسن السمت في الصمت” لا يعني أن نلوذ بالصمت دائمًا، بل أن نختار متى يكون الصمت حكمة، ومتى يكون الكلام واجبًا. لأن المثقف الحقيقي لا يزين صمته، بل يزين موقفه.

زر الذهاب إلى الأعلى