مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ عثمان الشيخ الأُسيد يكتب  النصر والهزيمة والتعامل معهما

 

نحن أمةٌ يقعُ علينا ما يقع على سائر الأمم، تسري علينا سنةُ الحياة كبقية خلق الله.. إنَّ الشعورَ بالهزيمة أكثر إيلامًا من الهزيمة نفسها، وشماتةُ الأعداء أشدُّ وأقسى ألمًا، حتى أن الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- تعوَّذ من شماتة الاعداء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ) والشماتةُ تعني فرح الأعداء بالمصائب التي تنزل عليك، وهي مؤلمةٌ للنفس وتبعثُ على الحزن الشديد.. وهذا الحديث دليلٌ على أن هذه الظاهرة ليست جديدة وأنها موجودة في نفوس البشر، ونحن لسنا أول ولا اخر من عانى منها. المسلمُ الذي يقرأُ كتابَ الله ويقرأُ كتبَ السير والمغازي، يستفيد من الدروس التي بداخلها، ولن تهزه الهزائمُ ولا تُفرحه الانتصارات (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد (23).. ولن ينجوَ جيشٌ من جيوش الأرض من هزيمة ولا من شماتة الأعداء، لو كان هذا شيءّ ممكن، لما انهزم جيشُ المسلمين في غزوةِ أحد بقيادة أفضل وأمهر قائد خلقه اللهُ، وهو نبيُنا محمد صلى الله عليه وسلم، هُزِم في أحد وبلغ عددُ شهداء غزوة أحد 70 صحابيًا، منهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و مصعب بن عمير، و عبد الله بن جحش، و حنظلة بن أبي عامر، المعروف بغسيل الملائكة، و عبد الله بن جبير قائد الرماة، إستُشهِدَ هؤلاء المميزون، شمت المنافقون بعد وقوع الهزيمة في المسلمين، حيث عبّروا عن شماتتهم من خلال تبرير ما حدث لهم بالقول “لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قتلنا هاهنا” وعرضوا على المسلمين التراجع عن دينهم، وهمّوا بعدم مواجهة الأعداء في الخندق بحجّة ضعف المنازل، وكرروا ذلك بتهكمٍ شديد على المسلمين. ولكن لم ولن تنكسر شوكةُ الإسلام..أما في غزوة حنين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهزم جيشُ المسلمين وسبب الهزيمة يعود إلى غرور بعض المسلمين بكثرة عددهم، والكمين المحكم الذي نصبته قبيلتا هوازن وثقيف في وادي حنين. هذا الهجوم المباغت أدى إلى تشتت صفوف المسلمين وانهيارهم في الجولة الأولى.. أما في غزوة مؤتة إستُشهد القادة الثلاثة الذين اختارهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة. وقد استشهد إلى جانبهم عددٌ من الصحابة الآخرين مثل مسعود بن الأسود بن حارثة، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعامر بن سعد بن قيس.هذه هي الحرب يضرب الله لنا مثلا عمليا، وأنزل لنا الآيات والاحاديث في هذا الشأن، ونبهنا مسبقا وقال لنا: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ البقرة:) 155، 166] القرآن الكريم يصف هذه الحقيقة من خلال آيات تتحدث عن علم الله المطلق الذي يدرك كل التفاصيل الدقيقة والكبيرة في الكون، مثل “يعلمُ ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

إنه دستورنا المهجور، لو عملنا به، لعرفنا كيف نتعامل مع مجريات الحياة ومتطلباتها، منها الهزيمة والنصر والغنى والفقر، الصحة والمرض، والكرم والبخل، الفرح والغضب، الحياة والموت، وكيف نتعامل مع ازواجنا وأولادنا وجيراننا، وكيف نتعامل مع الحرب ومجرياتها من أسرٍ وبترٍ وقتلٍ وهزيمةٍ ونصر، إنها سنةُ الله في خلقه… فقد قال الله تعالى لرسوله في سورة الأحزاب أية 62:(وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) وقال له في سورة فاطر الآية 43 (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) هذه هي سنة الله في خلقه فلا تتوقعوا تبديلا ولا تحويلا.

ولله أمر في الغيب إنَّا سائرون إليه ولا ندري اين الخير فقد سمعته يقول:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) البقرة 21

هذا ليس حديثي ولكنه حديث الله سبحانه وتعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)

والله أعلى وأعلم..

الثلاثاء 28/10/2025

زر الذهاب إلى الأعلى