أعمدة الرأي

مدرات للناس  هاشم عمر  يكتب الخرطوم… حين غنّى الهادي الجبل للغائب المنتظر (١-٤)

 

في لحظةٍ من الشجن، صدح صوت الفنان الهادي الجبل بكلماتٍ حملت بين طيّاتها الحنين والرجاء:

“قولي باكر أيوه راجع جاي لي…”

لم تكن تلك الكلمات مجرد نغمة عاطفية، بل كانت نبوءة شعرية، صدىً خفيًا لصوت مدينةٍ ستغيب قسرًا، ثم تعود.

في صباح الخامس عشر من أبريل، قبل ثلاثة أعوام، استيقظت الخرطوم على وقع الرصاص، لا زقزقة العصافير. لم تكن شمس ذلك اليوم دافئة كما اعتادت، بل كانت شاهدة على بداية كابوسٍ طويل. اجتاحت المليشيات العاصمة، فحوّلت شوارعها إلى ساحات قتال، وبيوتها إلى أطلال، وأحلام أهلها إلى رماد. كانت المدينة الوادعة، التي طالما تغنّى بها الشعراء، تُسلب من أهلها، وتُغتصب هويتها أمام أعينهم.

لكن الخرطوم، كما عهدناها، لا تنكسر. فكما تصدّت في الماضي لكل غازٍ ومعتدٍ، نهضت من تحت الركام، واستجمعت قواها، ووقفت شامخة. تصدّت القوات المسلحة، ومعها أبناء الوطن الأوفياء، لتلك الهجمة الغادرة، وبدأت معركة التحرير. لم تكن معركة سلاح فقط، بل كانت معركة كرامة، معركة بقاء، معركة من أجل أن تبقى الخرطوم لأهلها، لا مرتعًا للمرتزقة ولا ساحةً لأطماع الطغاة.

وبعد شهورٍ من الصبر والصمود، عادت الخرطوم. عادت رغم الجراح، رغم الدمار، رغم الفقد. عادت المدينة التي غابت، لتقول لأبنائها: “أنا راجعة… جايّة ليكم”. وكأنها ترد على كلمات الهادي الجبل، وتقول: ايو ، قولي باكر راجعة، جايّة ليكم، رغم كل شيء.

 

اليوم، ونحن نستعيد أنفاسنا، نُدرك أن الفن ليس فقط مرآةً للواقع، بل قد يكون سابقًا له، مستشرفًا لما هو آتٍ. وأن الخرطوم، وإن غابت، فإنها لا تموت. هي مدينةٌ من نور، من نيلٍ لا ينضب، ومن شعبٍ لا يُقهر.

زر الذهاب إلى الأعلى