مدارات للناس هاشم عمر يكتب مالك ساتي… حين يكتب الضابط اسمه في دفتر الخلود

في زمنٍ تتساقط فيه القيم وتُهاجر فيه العقول، يظلّ الحديث عن قاماتٍ وطنيةٍ مثل اللواء شرطة م د. مالك ساتي واجبًا أخلاقيًا، ووقفة وفاءٍ لا بدّ منها. هو ليس مجرد ضابط شرطة، بل هو مدرسة متكاملة في المهنية، والإبداع، والالتزام، والإنسانية.
حين تقلّد دائرة الإعلام في الإدارة العامة للشرطة، لم يكن مجرد إداريٍّ يؤدي مهامًا روتينية، بل كان قائدًا لنقلة نوعية حقيقية. تحت إشرافه، تحوّل المكتب الصحفي إلى منبرٍ نابضٍ بالحيوية، وازدهر قسم التحقيقات بمواد نوعية تناولت الجرائم المستحدثة والعابرة للحدود، بأسلوب مهني وتحليلي نادر. كما أعاد الحياة إلى مجلة الشرطة، تلك الإصدارة العريقة التي استعادت بريقها محليًا وإقليميًا بفضل رؤيته التحريرية المتقدمة.
لم يكن الإعلام عند مالك ساتي مجرد وسيلة، بل كان رسالة. حين أعدّ فيلم «عفوًا… هذا السائق لا يمكن الوصول إليه بتاتا» أثناء عمله بإعلام الإدارة العامة للمرور، لم يكن يهدف إلى الترفيه أو الترويج، بل إلى إنقاذ الأرواح. راهن على الوعي بدل العقوبة، فكان أن صفق له العالم، ومنح الفيلم الجائزة الأولى على مستوى الوطن العربي، في لحظةٍ نادرةٍ وقف فيها العالم احترامًا لرسالة سودانية خالصة.
بعيدًا عن الزي الرسمي، كان مالك ساتي كاتبًا راتبًا في الصحف السودانية، وشاعرًا يحمل في قلبه نبض الوطن، وناشطًا بيئيًا يرى في الطبيعة شريكًا في الحياة. جمع بين صرامة القانون ورقّة الكلمة، بين الانضباط العسكري ودفء الإحساس الإنساني.
اليوم، وقد هاجر الرجل خارج البلاد، . رحيله ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو جرحٌ في جسد وطن كان يحتاج إلى أمثاله في زمنٍ عزّ فيه الإخلاص، وقلّ فيه الإبداع.
لقد سعدتُ وتشرفتُ بزمالته في إعلام الشرطة، ولو لفترة قصيرة، لكنها كانت كافية لأدرك أنني أمام قامةٍ استثنائية. تعلمت منه الكثير، وما زلت أفتخر بتلك اللحظات التي جمعتنا، عملًا ومعرفةً وإنسانية.
لكم التجلة والاحترام، سعادة اللواء.
ومتّعكم الله بالصحة والعافية حيثما كنتم.


