دكتور التجاني الطيب عبد الماجد يكتب الجمارك السودانية… درع الوطن الصامت في ذكرى الاستقلال

في الذكرى المجيدة لاستقلال السودان، يعود الوطن بذاكرته إلى المؤسسات الوطنية التي صنعت تاريخه وحمت حاضره وأسست لمستقبله، ومن بين تلك المؤسسات تقف هيئة الجمارك السودانية بشموخ، كأحد أهم الأذرع الاقتصادية والأمنية للدولة، وحائط الصد المتقدم ضد محاولات الانهيار في أحلك المنعطفات التي مرّ بها السودان، لا سيما خلال حرب الكرامة التي هزّت أركان الدولة ودفعت بها إلى حافة السقوط.
خط الدفاع الأول… حماية الاقتصاد وسيادة البلاد
لم تكن الجمارك السودانية في يوم مجرد إدارة لضبط السلع وتحصيل الرسوم، بل كانت ولا تزال خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطني، إذ تمثل الجبهة المتقدمة في مواجهة التهريب، وحماية موارد الدولة، ومنع تسرب السلع المحظورة، والسيطرة على حركة التجارة وفق القوانين والضوابط التي تحفظ سيادة البلاد وتؤمن حدودها.
لقد أدت الجمارك دوراً محورياً في تقوية الخزينة العامة عبر الإيرادات التي تمثل ركناً أصيلاً في تمويل الدولة، ورافعةً أساسية للاقتصاد، وأسهمت في تنظيم السوق الداخلي، وكبح المضاربات السلبية التي تشعل الأسعار وتضر بالمواطن. وطوال سنوات طويلة، ظلت هذه المؤسسة تؤدي واجبها بصمت وجدية وإخلاص مشهود.
حرب الكرامة… حين وقفت الجمارك في وجه العاصفة
مع اندلاع حرب الكرامة، واجه السودان أحد أخطر تحدياته، إذ تعطلت المؤسسات، وتوقفت أنشطة كثيرة، وانهارت البنى الأساسية في مواقع عديدة… لكن الجمارك السودانية لم تتراجع، بل ثبتت في مواقعها، وتقدمت صفوف الحماية، وواصلت عملها في أصعب الظروف، لتمنع الانهيار الكامل للاقتصاد، وتحافظ على شريان الدولة من الانقطاع.
لقد وقفت قيادة الجمارك—ضباطاً وصف ضباط وجنوداً—وقفة عز طوقت عنق الوطن، إذ أدارت العمليات من قلب الميدان، ووفرت حماية للمنافذ والمعابر، ومنعت استباحة البلاد من كل الاتجاهات. وقد شكّل التزامهم الوطني صمام أمان حقيقياً، بينما كانت مؤسسات أخرى تعاني من التوقف أو الضعف أو فقدان السيطرة.
قيادة واجهت الرياح… وثبّتت أقدام الدولة
في لحظات مصيرية، ظهرت قيادة الجمارك السودانية كأحد الأعمدة التي قاومت العاصفة، إذ أدت دوراً سيادياً لا ينسى، من خلال استمرار العمل دون انقطاع، وحماية الإيرادات، ودعم مجهود الدولة في البقاء والصمود. لم يكن ذلك عملاً روتينياً، بل معركة وطنية كاملة، خاضتها الجمارك بمسؤولية نابعة من إيمانها بأن المؤسسات هي التي تصنع بقاء الوطن.
زيارات ميدانية في قلب الحرب… القيادة حيث يجب أن تكون
وفي خضم نيران الحرب واشتداد المعارك، لم تكتفِ الجمارك السودانية بتسيير العمل من مقار القيادة، بل انتقلت قيادتها العليا إلى الميدان، حيث جابت الولايات والمنافذ والمعابر في زيارات لها أثر بالغ على تثبيت القوات وتعزيز الانضباط وتأكيد استمرارية الدولة.
فقد شهدت ولايات مثل الشمالية، نهر النيل زيارات مباشرة لقادة الجمارك، وقفوا خلالها جنباً إلى جنب مع القوات العاملة في الميدان، واستمعوا إلى احتياجاتها، وقدموا الدعم والتوجيه، في رسالة واضحة مفادها أن القيادة تبقى حيث يكون الواجب.
كانت تلك الجولات التي جاءت في لحظات عصيبة برهاناً على روح القيادة الفاعلة التي لا تكتفي بإصدار التعليمات من بعد، بل تضع أقدامها في المواقع التي يقف فيها الجنود، لتمنحهم الثقة والقوة، وتؤكد أن حماية مؤسسات الدولة مسؤولية مشتركة لا تحتمل التراجع.
رسالة استقلال… ومؤسسة لا تنحني
في ذكرى استقلال السودان، يستحق رجال ونساء الجمارك السودانية التحية والاحتفاء، فهم الذين ظلوا يحمون حدود البلاد، ويؤمّنون مداخلها، ويمنعون تسرب الفوضى، ويقفون سداً منيعاً في وجه التهريب والجريمة العابرة، ويحافظون على شريان الاقتصاد الوطني سالكاً رغم الرياح العاتية.
إن دور الجمارك السودانية اليوم هو امتداد لدور رواد الاستقلال الذين بنوا وطنهم بعرقهم وصبرهم وصمودهم. وإن ما قدمته خلال حرب الكرامة وما قدمته قبلها وما ستقدمه بعدها هو صفحة ناصعة في سجل الوطنية السودانية.
ختاماً…
تبقى الجمارك السودانية، في عيد الاستقلال، عنواناً للصمود والانضباط والإخلاص للوطن، وجسراً تعبر عليه الدولة نحو التعافي والاستقرار. وما قدمته من تضحيات وأدوار بطولية سيظل محفوظاً في ذاكرة الوطن، شاهداً على أنّ مؤسسات راسخة هي التي تحمي الدول لا الشعارات.

