أعمدة الرأي

الدكتور التجاني الطيب عبد الماجد يكتب بالله يا الذكاء الاصطناعي… خليك واقعي

 

في زمنٍ لم تعد فيه الصورة دليلاً قاطعًا على الحقيقة، يقف العالم أمام مرحلة جديدة من التحولات التقنية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد دوره مقتصرًا على تسهيل الأعمال أو تسريع الإنجاز، بل تجاوز ذلك ليعيد تشكيل الواقع نفسه—أو على الأقل الصورة التي نراه بها.

خلال السنوات القليلة الماضية، انتشرت تقنيات “التزييف العميق” بصورة لافتة، وهي تقنيات قادرة على إنتاج مقاطع فيديو وصور لأشخاص لم يقولوا ما نُسب إليهم، أو لم يظهروا أصلًا في تلك المشاهد. ومع تطور الخوارزميات، أصبح من الصعب على المتلقي العادي التمييز بين الحقيقي والمصطنع.

من أبرز الأمثلة التي أثارت جدلاً واسعًا، صورة البابا Pope Francis وهو يرتدي معطفًا أبيض عصريًا، حيث صدّقها الملايين قبل أن يتضح أنها صورة مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي. لم تكن الصورة مجرد تجربة تقنية، بل كانت مؤشرًا واضحًا على قدرة هذه الأدوات على خداع الإدراك البصري بسهولة.

وفي سياق أكثر حساسية، ظهر مقطع مفبرك للرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy خلال الحرب، وهو يعلن الاستسلام، وهو ما أثار مخاوف حقيقية من استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب الإعلامية والتضليل السياسي.

أما في المجال الفني، فقد انتشرت مقاطع على منصة TikTok يظهر فيها النجم Tom Cruise في مواقف يومية بدقة مذهلة، قبل أن يتضح أنها أعمال مركبة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما استخدمت صورة الممثل Bruce Willis رقميًا في إعلان تجاري بعد ابتعاده عن التمثيل بسبب ظروفه الصحية، الأمر الذي فتح بابًا واسعًا للنقاش حول أخلاقيات استخدام الوجوه البشرية رقمياً.

هذه النماذج تؤكد أننا دخلنا مرحلة لم تعد فيها التقنية مجرد أداة، بل أصبحت قادرة على إعادة إنتاج الأشخاص بعد رحيلهم، وتحريك صورهم، وجعلهم يتحدثون وكأنهم أحياء. ومع انتشار هذه المقاطع عبر وسائل التواصل، قد يختلط الأمر على البعض، خاصة في ظل التدفق السريع للمعلومات دون تحقق أو تدقيق.

لكن الأخطر من الجانب التقني هو الجانب الفكري والثقافي. فمع تكرار مشاهد إعادة “إحياء” الأشخاص رقمياً، قد يبدأ بعض الناس في طرح تساؤلات تتجاوز حدود التقنية لتلامس مفاهيم دينية وغيبيات تتعلق بالحياة والموت. وهنا يصبح الوعي ضرورة لا خيارًا، لأن ما يفعله الذكاء الاصطناعي ليس خلقًا للحياة، بل محاكاة تعتمد على بيانات وصور سابقة.

إن الفارق بين القدرة الإلهية والقدرة التقنية يظل واضحًا؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تركيب الصورة، لكنه لا يعيد الروح، ويصنع المشهد، لكنه لا يصنع الحقيقة.

نحن لا نقف ضد التطور، فالعلم ظل دائمًا وسيلة لارتقاء الإنسان، لكننا نقف مع الاستخدام المسؤول الذي يحفظ وعي المجتمع من التضليل. فالتكنولوجيا بلا ضوابط قد تتحول من أداة معرفة إلى وسيلة تشويش.

وفي ظل هذا التسارع التقني، تبقى الرسالة الأقرب إلى الواقع:

بالله يا الذكاء الاصطناعي… خليك واقعي،

وساعد الإنسان على فهم الحقيقة، لا على تزييفها.

زر الذهاب إلى الأعلى