أعمدة الرأي

مدارات للناس  هاشم عمر  يكتب التلاتة نزلن سوا 

 

الأغنية التراثية التي اشتهر بها الفنان ود الزين “التلاتة نزلن سوا” تحمل في طياتها إيقاعًا حماسيًا وصورة جماعية متماسكة. وقد استلهمنا منها عنوان هذه السلسلة التي تسعى لتوثيق مسيرة ثلاث قيادات شرطية نسائية بارزة ترجلن عن الخدمة في أوقات متقاربة، وتركْن أثرًا عميقًا في المؤسسة الشرطية السودانية.

كما اجتمعت الأصوات في الأغنية لتشكل لوحة واحدة، فإن تقارب توقيت ترجل هؤلاء القائدات يمنح إحساسًا بجيل كامل يغادر تاركًا وراءه إرثًا من العمل والإنجاز. ورغم أنهن لم ينزلن سويًا، إلا أن حضورهن المتزامن في الذاكرة العامة يجعل من قصصهن خيطًا واحدًا في نسيج التاريخ الشرطي.

هذه السلسلة ليست مجرد سرد لسير ذاتية، بل هي محاولة لرسم بورتريهات شخصية لكل واحدة منهن، تُبرز:

محطاتهن المهنية البارزة.

بصماتهن الخاصة في تطوير العمل الشرطي.

دورهن الرمزي كقدوة للنساء في سلك الشرطة.

 

البداية مع الفريق شرطة د. مريم عبد المحمود

 

 

الفريق شرطة حقوقي د. مريم عبد المحمود: مسيرة مشرّفة تتجاوز الحدود

 

في تاريخ الشرطة السودانية، يظل اسم الفريق شرطة حقوقي د. مريم عبد المحمود محفورًا كأول امرأة تصل إلى رتبة الفريق، لتصبح رمزًا للريادة النسائية في مؤسسة ظلّت لعقود طويلة حكرًا على الرجال. مسيرتها الممتدة من رتبة الملازم حتى قمة الهرم الشرطي ليست مجرد رحلة مهنية، بل شهادة حيّة على أن الإرادة والمعرفة قادرتان على كسر الحواجز وصنع الفارق.

 

امتلكت د. مريم رصيدًا أكاديميًا متميزًا؛ فقد نالت درجة الماجستير في القانون الدولي العام عام 2005م ببحث تناول الجرائم الاقتصادية العابرة للحدود في الفقه الإسلامي والقانون المقارن. ثم حصلت على الدكتوراة في القانون الجنائي العام من جامعة أم درمان الإسلامية عام 2012م ببحث تناول تنازع الاختصاص الجنائي الدولي وأثره على سيادة الدول. هذه الخلفية العلمية منحتها أدوات فكرية متقدمة انعكست على أدائها المهني والإداري.

 

بدأت مشوارها العملي من أقسام الجنايات بمدينة بحري والصافية، حيث خبرت العمل الميداني عن قرب. ثم تولت مناصب قيادية في الإدارة العامة للمباحث والتحقيقات الجنائية، وصولًا إلى منصب نائب المدير ومدير بالتكليف. كما أدارت معهد الشرطة النسائية وأسهمت في تدريب وتأهيل أجيال جديدة من الضابطات وضباط الصف والجنود. وفي أكاديمية الشرطة العليا، بصمت بإصلاحات جذرية في المناهج وأصدرت أول مجلة علمية محكمة برقم دولي عام 2022م، لتؤكد أن الشرطة ليست مجرد قوة تنفيذية، بل مؤسسة معرفية تحتاج إلى البحث والتطوير المستمر.

 

لم تقتصر إنجازاتها على الجانب الإداري، بل امتدت إلى المجال الأكاديمي والبحثي؛ فقد أعدت أوراقًا علمية في القانون المدني والجنائي والدولي الإنساني وجرائم المعلوماتية، وأشرفت على بحوث الدارسين بأكاديمية الشرطة العليا. كما أسست مكتبة إلكترونية حديثة حفظت بحوث الدارسين منذ عام 2002 وحتى 2022، مما أنقذ إرثًا علميًا كاملًا من الضياع أثناء الحرب. هذه المبادرة جعلتها رائدة في حفظ المعرفة الشرطية وتوثيقها للأجيال القادمة.

 

شاركت في مؤتمرات محلية وإقليمية، أبرزها المؤتمر الوزاري لمكافحة الإتجار بالبشر عام 2014م، ونظمت سمنارات وورش عمل حول حقوق المرأة والطفل والعقوبات الأحادية. كما تلقت دورات متقدمة في التحكيم الدولي، القيادة النسائية، إدارة الأزمات والكوارث، وجرائم أمن الحاسوب، لتؤكد أن تجربتها تجاوزت حدود السودان لتلامس قضايا إنسانية عالمية

نالت وسام الخدمة الطويلة الممتازة، ووسام الإنجاز في أعوام 2010م، 2015م، و2020م. كما تلقت اتصالات من رئيسة الشرطة النسائية الدولية ومن رئيسة الشرطة النسائية العربية للإشادة بها ودعوتها للتكريم، باعتبارها أول امرأة تصل إلى رتبة الفريق على المستويين العالمي والعربي. أُدرج اسمها كذلك في موسوعة رائدات السودان كأول ضابطة شرطة تصل إلى هذه المرتبة، لتصبح جزءًا من ذاكرة الوطن.

 

إلى جانب عملها الشرطي والأكاديمي، أسهمت د. مريم في قضايا حقوق المرأة والطفل، وأدخلت مفاهيم حديثة مثل القيادة النسائية وإدارة الأزمات في بيئة الشرطة. بذلك أصبحت قدوة ونموذجًا يُحتذى به في القيادة والإصلاح، ليس فقط داخل السودان، بل على مستوى العالم العربي.

الفريق شرطة حقوقي د. مريم عبد المحمود ليست مجرد ضابطة شرطة، بل رائدة في تطوير بيئة العمل الشرطي والبحث العلمي، وقدوة للنساء السودانيات والعربيات. إن مسيرتها الطويلة المليئة بالإنجازات تجعلها بحق مفخرة للوطن ولنُون النسوة، واسمًا سيظل محفورًا في ذاكرة الشرطة السودانية والعربية، كرمز للريادة النسائية التي كسرت الحواجز وتجاوزت الحدود.

زر الذهاب إلى الأعلى