د. ايوب عوض الله..يكتب في حق شقيقه العميد عطا

في مقام الرجال تُوزن الأعمار بقدر ما فيها من صدق العطاء، وتُقاس القامات بما تتركه من أثرٍ باقٍ لا تمحوه الأيام ولا تنال منه تقلبات الزمان.
أخي العميد محاسب/ عطا عوض الله،
وأنتم تترجّلون اليوم عن ميادين الخدمة بالقوات المسلحة، فإنكم لا تغادرون موقعاً بقدر ما تعتنقون تاريخاً حافلاً، ومسيرةً زاخرةً بالعطاء، كتبت سطورها بحبر الصبر، وخُتمت بخاتم الوفاء.
يا أخي…
وأنا أكتب عنك اليوم، -ولأول مرة- لا أكتب عن رتبةٍ عسكرية ولا مسمى وظيفي، بل أكتب عن رحلة عمرٍ عايشت بعض فصولها، ورأيت فيها كيف يُصنع الرجال من رحم المعاناة. منذ الصبا، وأنت في الثانوي والجامعة تشق الطريق في واقعٍ شديد التعقيد، لا يمنح الفرص إلا لمن يصبر ويثابر، فكنت ذاك الذي لم ينتظر التيسير، بل صنعه بيده من بعد بعد عون الله، ولم يرضَ بالواقع، بل ارتقى فوقه بعزيمةٍ لا تلين.
لقد جمعت بين دقة التخصص في المحاسبة ورهافة الأدب والشعر ، فكنت استثناءً جميلاً في زمنٍ قلّ فيه الجمع بين الصرامة والذوق، بين الحساب والعاطفة. كانت لجان المهرجانات والمنتديات الادبية السنوية تأخذك من بين ملفات الحسابات والارقام لتفصل لهم في أي قصيدة فائزة في المنافسة..كيف لا وانت في الثالث الثانوي وانت مرجعية اقرانك لعلم البحور الشعرية..
كنت دقيقاً في عملك، رقيقاً في إنسانيتك، تزن الأمور بميزان العقل، وتحتضن الناس بقلبٍ رحيم.
عرفتك متواضعاً كما أنت، لم تغيّرك الرتب، ولم يأخذك بريق “الدبابير”، فبقيت ذلك الإنسان القريب من الجميع، البسيط في مظهره، العميق في أثره، الكبير في أخلاقه.
وكنت دائماً بالنسبة لنا أكثر من أخ… كنت سنداً، وقدوة، وملاذاً نلوذ به حين تضيق الطرق.
وفي ميادين العمل، كنت عنواناً للنزاهة والانضباط، تؤدي واجبك بإخلاصٍ نادر، وتصون الأمانة بضميرٍ حي، وتغادر المواقع تاركاً خلفك سيرةً عطرةً لا تحتاج إلى شهادة، لأن الناس هم شهودها.
وها أنت اليوم تطوي صفحةً مشرقةً من سفرٍ عامر، لكنك في قلوبنا لا تتقاعد، وفي حياتنا لا تغيب، لأن أثر الرجال الصادقين لا تحدّه وظيفة، ولا تقيده سنوات خدمة.
أخي عطا…
إن كان في هذا اليوم شيء من الحزن، فهو حزن الفراق لميدانٍ أحببته وأحبك، ولكنه أيضاً يوم فخرٍ واعتزاز، يوم نقف فيه جميعاً لنقول: لقد أديت فأوفيت، وأعطيت فأجدت، وتركت ما يستحق أن يُروى.
فلك منا محبة لا تنقص، وتقدير لا ينضب، ودعاء صادق أن يبارك الله لك فيما هو آتٍ، وأن يجعل كل ما قدمت نوراً لك في دربك، وذخراً لك في آخرتك.
ستظل أخي الذي نفتخر به، والاسم الذي نرفعه عالياً، والحكاية التي نرويها بكل اعتزاز.

