أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب أين نحن؟
في كلِ مونديالات العالم، لم نشاهد مشاركةً لنا! أين نحن؟
صادفتُ معارضَ زراعيةً أُقيمت في الخليج وفي ماليزيا والصين، لم أجد لنا مشاركةً ولو بحباية سمسم واحدة.. أين نحن؟
أُقيم في الخرطوم منتدى بين المصدرين القطريين والمستوردين السودانيين، هل تصدق أنَّ الدوحةَ تُصدِّرُ للخرطوم، كلَّ الموادِ الغذائيةِ والكهربائية، وكل شيءٍ إلا (الغاز) مؤتمرٌ إلتقت فيه ابتساماتُ الدوحةِ الساخرة، مع ابتساماتِ الخرطومِ البلهاء! أين نحن؟
أكبرُ ثلاثةِ مؤتمراتٍ عالميةٍ عُقدت في الخرطوم ونجحت، هي مؤتمر الزراعة العالمي؟ مؤتمر الصناعة العالمي؟ مؤتمر التجارة العالمي؟ أبدًا لا وطبعًا لا.. مؤتمراتٌ مثلُ هذه تُعقدُ في عواصمِ الخليج، في القاهرة في بيروت، في المغرب العربي، أما نحن، فمكبٌ لنفايات المؤتمرات، لنا (مؤتمر العنف الاسري، مؤتمر مكافحة الإيدز، مؤتمر مكافحة الاتجار بالبشر) والمضحك أنَّ هذه المؤتمرات التي لا تتشرف بها أي دولة تجِدُنا نتباهى بها، فقد استمعتُ لبرنامجِ مسابقاتٍ في تلفزيون السودان يسألون متى و أين أقيمت هذه المؤتمرات؟ أين نحن؟
السودانُ دولةٌ تحتاجُ إلى مهندسين زراعيين ومهندسين معماريين ومهندسين ميكانيكيين ومهندسين كهربائيين وفنيين وعمال مهرة، كل هذه كفاءاتٌ منتجة، تنهض بالبلد، ولكن! ولكن ماذا؟ لكن لا يخلو بيتٌ من طبيبٍ أو طبيبين او أكثر، حتى كاد أن ينافسَ عددُ الأطباءِ عددَ المرضى. أين نحن؟
لدي عشرات الكتب ،في الدين و الأدب والتاريخ، والفلسفة، وفي تطويرِ الذات. كلُ هذه الكتب حققها محققون وألفها مؤلفون، من العراق ومصر والمغرب العربي والشام، والصومال وموريتانيا ومالي، لا يُوجد من بينهم سودانيٌ واحد، اين نحن؟
الطيب صالح وروايته (موسم الهجرة الى الشمال) ذاتُ طابعٍ جنسي جريء وصريح، تُدرس في المنهج الدراسي السوداني للمرحلة الثانوية! أين نحن؟
البروف عبدالله الطيب لديه كتابٌ اسمه (المرشد إلى فهم أشعار العربِ وصناعتها) قال عنه طه حسين (هذا كتاب ممتعٌ إلى أبعدِ غايات الإمتاع، لا أعرفُ أن مثلَه أُتيحَ لنا في هذا العصرِ الحديث) إنتهى كلام طه حسين. هذا الكتاب طُبع في الكويت وفي القاهرة، وهو الآن غيرُ متوفرٍ في الأسواق، و لايُوجد في كل معارضِ الكتاب. لو كان البروف عبدالله الطيب من دولةٍ غيرِ السودان، لجعلوا يومَ ميلادِه عيدًا يُحتفلُ به.. أين نحن؟
على ذكرِ معرضِ الكتابِ الدولي الذي يُقام في الدول العربية، جناحُ السودان في هذا المحفل عبارةٌ عن كشكٍ فقيرٍ، لا مبنىً و لا معنى إدارة المعارض تفعل ذلك كل عام لانها لم تجد إعتراضٍ من ممثلي السودان (المرء حيث يضع نفسه) لو سجلنا غيابًا عن معرض الكتاب مثل ما نفعل مع بقيةِ المعارض، لكان أفضل، أين نحن؟
كلُ الدول التي على كوكب الأرض، لديها اسمٌ تنتمي إليه، مع الاحتفاظ بلونها، إلا نحن احتفظنا بلوننا ( سودان) وأصبحنا لونًا فقط، لا اسمٌ و لا هوية ولا طعم و لا رائحة أين نحن؟
إليكم هذه المعلومةُ المزعجة التي لا يعرفها إلا القليل من الناس: هل تعلمون أن السودان- أقصد دولة السودان- لا يُوجد فيها عالمٌ، من هو العالم؟ (العالم هو الشخص الذي يمتلك فهماً شاملاً وعميقاً في مجال معين، سواء كان تخصصًا علميًا أو تطبيقيا (كالفيزياء والطب) أ. وهو خبيرٌ متمكنٌ من دراستِه تفوقُ معرفتُه وعلمُه الحدودَ العاديةَ في هذا المجال) اما عالمُ الدينِ هوذلك الذي يكونُ عالمًا في فنٍ معين من الفنون، في الفقه أو في العقيدة، او في التفسيرِ أو علم الحديث، ولا يعتمد عالما إلا بعد ان تكون لديه كتبٌ وبحوثٌ ومحاضراتٍ تم مراجعتها وإجازتها من هيئةِ علماءِ المسلمين. ليس كل من وهبه اللهُ ملكةَ الحفظ واعتلى المنابرَ وجاءَ بفصيحِ الكلامِ واستشهد بالآياتِ و الاحاديثِ والأشعار يكون، هؤلاء دعاة ووعاظ وخطباء؟
هذه الحقائقُ هي قليلٌ من كثير، معظمنا يجهلها بل لا يُصدِّقُها، ولا يُريد أن يسمعها، لأن النفسَ البشريةَ تميل- بطبيعتها إلى التقديرِ والثناءِ، حتى لو كان ذلك على حساب إخفاءِ الحقيقة. ولكن علينا ألا ندفنَ رؤوسَنا في الرمال، فعلينا مواجهةُ الواقعِ والعملِ على إيجادِ الحلولِ الموجودة أصلًا. لو سألتني: كيف وما الحل؟ أقول لك: الحل يكمنُ في معرفةِ أسبابِ المشكلة، وأسبابُ المشكلةِ هي طريقةُ تفكيرِنا. إذا اعتبرت الموضوعَ شخصيً فأنت تحتاجُ إلى تغييرِ طريقةِ تفكيرِك، كيف ذاك؟ إقرأ كتبَ التغيير، وأول كتابٍ هو كتابُ الله. نعم، القرآنُ الكريم يدعو للتغيير بشكلٍ شامل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ يبدأ القرآنُ بإصلاحِ الفكر، وتقويمِ السلوكِ والمفاهيمِ والحكمة في معالجة القضايا والمجتمعات. وهناك كتبٌ كثيرةٌ متاحةٌ والوصول إليها سهلٌ لمن يرغب
والله اعلى وأعلم
16 يونيو 2026م

