(الضؤ الشارد) الطائرات ولغة النار ما وراء رسالة القاهرة إلى الحكومة السودانية والدهابة.. بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

إذا صحت التقارير المتداولة عن استهداف طائرات مصرية لمواقع تضم دهابة سودانيين قرب الحدود فإن الحدث لا يمكن قراءته باعتباره مجرد عملية عسكرية عابرة بل باعتباره رسالة سياسية وأمنية متعددة الطبقات تتجاوز الضحايا والمكان إلى ما هو أبعد من ذلك. وقد تداولت مصادر إعلامية خلال الأيام الماضية أن ضربة جوية استهدفت موقعاً للتعدين الأهلي عن الذهب قرب الحدود المصرية السودانية ما أسفر عن سقوط ضحايا بين العاملين هناك.
المعنى الأول في الرسالة المصرية هو أن القاهرة لم تعد تنظر إلى المناطق الحدودية باعتبارها فراغا أمنيا يمكن التحرك فيه دون ضوابط. فالحدود الجنوبية لمصر أصبحت جزءا من حسابات الأمن القومي المصري خاصة في ظل الحرب السودانية وتزايد أنشطة التهريب والتعدين غير المنظم وانتشار الجماعات المسلحة.
أما المعنى الثاني فهو أن الذهب لم يعد مجرد معدن ثمين بل أصبح وقوداً للحرب ومصدراً لتمويل أطراف الصراع. ومن هذه الزاوية، فإن أي تحرك مصري محتمل يحمل إشارة واضحة بأن القاهرة تراقب مسارات الذهب السوداني وتدفقاته وترفض تحول المناطق الحدودية إلى اقتصاد موازٍ خارج سيطرة الدول.
المعنى الثالث أكثر عمقاً ويتمثل في أن مصر تريد تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أمن الحدود خط أحمر وأن مرحلة الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية قد تتراجع أمام إجراءات أكثر حزما عندما تشعر بوجود تهديد مباشر لمصالحها. وهذا ينسجم مع مواقف مصر المعلنة الرافضة لأي تطورات ترى أنها تهدد استقرار السودان أو تؤدي إلى توسع الصراع إقليميا.
لكن الوجه الآخر للقصة أكثر إيلاماً. فالدهابة الذين يطاردون الذهب في صحارى السودان ليسوا جيوشاً نظامية ولا أصحاب نفوذ سياسي. كثير منهم دفعتهم الحرب والجوع وانهيار الاقتصاد إلى البحث عن لقمة العيش في أقسى البيئات. ولذلك فإن المأساة الحقيقية تكمن في أن الحرب السودانية أصبحت تبتلع الجميع المقاتل في الخندق والمزارع في حقله والدهابي في منجمه.
وفي النهاية قد يكون الهدف العسكري رسالة قوة لكن الرسالة الإنسانية أكثر قسوة عندما تصبح الصحارى مليئة بالموت أكثر من الذهب وعندما يتحول الباحث عن رزقه إلى هدف في ساحة صراع إقليمي فإن الأزمة السودانية تكون قد دخلت مرحلة جديدة عنوانها أن الحرب لم تعد تفرق بين من يحمل السلاح ومن يحمل الطورية
وفي الختام ان ما حدث ليس مجرد حادثة حدودية عابرة بل جرس إنذار مزلزل يكشف حجم المأساة التي وصل إليها السودان. ففي الوقت الذي يصبح الباحث عن لقمة العيش هدفا للنيران وعندما تتحول أرض الذهب إلى مقبرة للفقراء فإن الكارثة لم تعد في الصحراء وحدها بل في غياب الدولة نفسها. لقد تُرك الدهابة يواجهون الموت من كل اتجاه موت الحرب وموت الجوع وموت الطائرات الحربية المصرية
ويبقى السؤال الذي يطارد الضمير السوداني كم من الدماء يجب أن تُراق حتى تدرك النخب المتصارعة أن الوطن لم يعد يحتمل المزيد من العبث؟ فبينما يتقاتل الساسة والعسكريون علي السلطة يدفع البسطاء الثمن من أرواحهم وأحلامهم ومستقبل أبنائهم. إنها ليست مأساة دهابة فقط بل مأساة وطن كامل أصبح أبناؤه وقوداً لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وإذا استمر هذا الصمت فلن يبقى في السودان ما يُستخرج من باطن الأرض سوى الذهب… والحزن الاليم..
ولله درك يا عازة

