مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب الصيف والكتاب المسطور والكتاب المنظور

 

(سافر، انت لستَ شجرة) مقولةٌ مشهورةٌ لكسرِ الروتين، والتجديد، واكتشاف العالم. قال يوسف: أنا أُحبُالسفرَ لكني أخشى ركوبَ الطائرة، قلت له: أنت متشائمٌ وصاحبُك المتشائم صنع لك سترةَ النجاة، وأنا مثلك احب الجنةَ وأريدُ أن ادخلَها ولكني أخشى الموت. قال يوسف: لستَ وحدك، الجميعُ يريد الذهاب إلى الجنة، لكن لا أحد يريد أن يموت(مقولة لبطل الملاكمة الأمريكي الشهير “جو (Joe Louis)

ثم قال يو سف: الذي يحيرني أنك تسافر لترى أشياءَ غريبةً على حد قولك، ثم تعودُ لتحكي لنا مستغربًا أنك شاهدتَ أشياءَ غريبةً وانت أصلًا سافرت لترى أشياءَ غريبة. قلت له: اتعجبُ عندما أرى كتابَ الله المنظورَ في كتابِ الله المسطور، قال يوسف: فزورة هذه؟ قلت: الكتابُ المسطور هو القرآن الكريم، وهو أمرٌ بالوحي من الله تعالى. آياته تُقرأ وتُتلى، وتُبيّن للإنسانِ طريقَ الهداية. والكتابُ المنظور يُقصد به الكون وما يحويه من آياتٍ ومخلوقات. وهو خلقٌ من الله تعالى، قال يوسف: هل لديك دليل على كلامك هذا ؟ قلت: الاية ﴿أَلا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾، الأعراف54 الأمرُ هو القرآن، والخلقُ هو الكون، هكذا يقول بعضُ المفسرين. ثم سال يوسف: طيب ما علاقةُ ذلك بالسفر؟ قلت: تسافر لترى آياتِ اللهِ في كتابه المسطور (القران الكريم) في الكتاب المنظور(الكون) تتـأمل في عظمةِ الله وترى الطبيعةَ ليصفى ذهنُك وتَسعدَ روحُك، ويرتاحَ جسدُك، فتَقَرَّ عينُك. القرآنُ مليءٌ بالآيات التي تحثُ على السفرِ والتأمل، ولا مجالَ لحصرها في هذا المقام، ولكن ساذكر منها ما تيسر على سبيل المثال. أمرنا اللهُ تعالى أن ننظرَ إلى الثمارِ والأشجار، مثل النخل والزيتون و الأعناب والرمان بغرض متعةِ النظر، فقد قال الله تعالى في الآية 99 من سورةِ الأنعام: (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) قال تعالى(انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ،) قال يوسف: ولكن الغرض الأساسي أن ناكلَ منه، قلت له: ليس كذلك، لأنه عندما أراد الله تعالى أن ناكل منه قال لنا في نفس السورة آية 141 (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) قال يوسف: سبحان المعبود! قلت له: في الاسفار تشاهدُ أُناسًا وجبالًا وحيواناتٍ، لم ترها من قبل، وذلك- أيضًا- مذكور في القران: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ)،فاطر 27

معظم الناس لا يسافرون، لأسباب غير مقنعةٍ، منهم من يقول لك الإمكانيات، وهذا العذر لو عرف الإنسانُ قبحَه، لما نطق به، لا يوجد هناك شيءٌ اسمه قلة الإمكانيات، إن قلةَ الإمكانيات تعنى قلة العقل، وغالبًا تُستعمل هروبًا من المسؤولية، لماذا يتفاوت الناسُ وتتفاوت الدولُ في جودةِ الحياة، علمًا أن اللهَ تعالى وزَّع الوقتَ والمواردَ- كالعمر والطاقة- للناس جميعا؟ لأن البشرَ يتفاوتون في توظيفها و إدارتها، فالذي يستثمرها ينجح، والعاجز من لا يستثمر وقتَه ولا موارده ولا عقله، و يفوت الفرص ويندب حظه ويعلق فشله على شماعةِ الإمكانيات. قال يوسف: هل سمعتني يومًا تحججتُ بقلةِ الإمكانيات؟ قلت له: أبدًا لم أسمعك، و لكنني اتحدثُ بصفة عامة.

أي شخص يستطيع أن يسافرَ لأي دولةٍ في العالم، بمبلغ ألفي دولا أمريكي، يسافر ويتجول ويعود، ألفا دولار هي قيمةُ التذاكر لك ولعائلتك، أما مصاريفُك هناك، فهي مصاريفك الشهريةُ في البلدِ الذي تُقيم فيه أو أقل. الفا دولار حسب سعر الصرف في المكان الذي تُقيم فيه، من الممكن أن توفرها في ستةِ أشهر أو في عامين او اكثر او اقل، أما حاجزُ اللغة الإنجليزية، فهذه أيضًا مجرد تهيآت، انت أصلا لا تحتاج إلى الكلام بالإنجليزية ومعظم السياح- بما فيهم القادمون من أوروبا- لا يجيدون الإنجليزية، قال يوسف: مشكلتى الخوفُ من الطائرة، قلتُ له: متى آخر مرة سمعت بحادث طائرة؟ إنَّ حوادثَ الطيران أقلُّ نسبةِ وقوعٍ مقارنةً بغيرها من سبل النقل الأُخرى، ثم إذا اردتَ ان تسافر، او تركبَ طائرةً، أُتلو هذه الآيةَ الكريمة: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 80].وهي دعاءٌ عظيم يعلمنا اللهُ فيه كيفَ نطلبُ التوفيقَ في كل بداياتنا ونهاياتنا. البدايات (مدخل صدق): التوفيق في بدءِ أي عمل، أو السفر، أو دخولِ مكانٍ جديد (كالبلد أوالمنزل او العمل) وأن تكونَ بدايتُك مُرضيةً للهِ وعلى طاعته، أما النهايات (مخرج صدق) فهي التوفيق عند الخروج من العمل، أو السفر، أو الانتقال من مرحلةٍ لأخرى أو من بلدٍ لآخر، او من منزلٍ إلى آخر. وأن يكونَ خروجُك آمنًا وناجحًا ومصحوبًا بالرضا.

قلت ليوسف: بمناسبةِ حوادث الطائرات، سوف أعطيك معلومةً جديدةً عليك. قال: هات، قلت له: في حالةِ وقوعِ حادثٍ لطائرةٍ ما، ولأن البلاءَ مُوكلٌ بالمنطق، دعنا نقول طائرةَ العال أو إل عال، وهي الخطوط الإسرائيلية، فلو سقطت طائرةٌ إسرائيليةٌ، تُشكَّل لجنةُ تحقيقٍ من الدولة التي وقع فيها الحادث، والدولة المُشغِّلة للطائرة- في هذه الحالة إسرائيل- والدولة المصنعة. قال يوسف: لماذا؟ وما الغرض من ذلك؟ قلت له: لأنَّ سببَ وقوعِ الحادث لا يخلو من ثلاثةِ: إما بسبب معلومةٍ جوية خاطئة، وهذا تتحمله الدولةُ التي وقع فيها الحادث، وإما بسببٍ نتج عن حالةِ طاقمِ الطائرة لكونه غير مؤهل، او أنه غيرُ واعي او غير ذلك، وهذا تتحمله الشركةُ المُشغِّلة (العال الإسرائيلية) واما أن يكون سبب الحادث عطلٌ فني، او خطأ في الصيانة، وهذا تتحمله الدولة المُصنِّعة (تتحمله دولة أمريكا لو كانت الطائرة من نوع بوينج، او أوروبا لو كانت الطائرة من نوع إيربص..

كان هذا يوسفُ وانا، فاركبوا معنا إن كان في الطائرةِ مقعد.

والله أعلى وأعلم..

23 يونيو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى