كوستي أم الجبلين؟.. هل مقتل الشرطي وانسحاب القوات المشتركة من الأبيض؟ بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

يثير التزامن بين حادثتين متقاربتين زمنياً كثيرا من الأسئلة السياسية والعسكرية. الأولى تتمثل في مقتل شرطي وإصابة آخر بمدينة الجبلين على يد أفراد من القوات المشتركة، أعقبها تدخل استخبارات الفرقة (70) واعتقال المتهمين ونقلهم إلى قيادة الفرقة في كوستي. أما الثانية فهي الانسحاب المفاجئ للقوات المشتركة من مدينة الأبيض وإعادة تموضعها باتجاه كوستي في وقت تشهد فيه المدينة معارك ضارية وضغوطاً ميدانية متزايدة.
من الناحية التحليلية البحتة لا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة تربط الحدثين بصورة مباشرة لكن تزامنهما يفتح الباب أمام عدة فرضيات تستحق النظر.
الفرضية الأولى تقول إن انسحاب القوات المشتركة من الأبيض يمكن يكون قرارا عسكرياً فرضته ظروف المعركة وتغيرات الميدان خاصة ان القوات تواجه ضغوطاً قتالية لذلك تسعى لإعادة تجميع قواتها في محور أكثر أهمية. وفي هذه الحالة يصبح الانتقال إلى كوستي جزءا من إعادة انتشار عسكرية وربما لا علاقة لها بحادثة الجبلين.
أما الفرضية الثانية فتذهب إلى أن وجود أفراد من القوات المشتركة رهن الاعتقال في كوستي ربما أضاف بعدا آخر للتحرك خصوصا إذا كانت القيادة تنظر إلى القضية باعتبارها أزمة تمس هيبة القوة أو تتطلب متابعة مباشرة من القيادات العليا. غير أن هذا الاحتمال يبدو أقل وزنا إذا ما قورن بحجم التحركات العسكرية الكبيرة التي عادة ما تُبنى على اعتبارات ميدانية واستراتيجية أوسع من حادثة جنائية منفردة.
هناك أيضاً احتمال ثالث يجمع بين العاملين فكوستي أصبحت فجأة نقطة تقاطع لملفين مهمين الملف العسكري المرتبط بمعارك كردفان والأبيض والملف الأمني المرتبط بحادثة الجبلين. وفي مثل هذه الظروف قد تجد قيادة القوات المشتركة أن وجودها بالقرب من مركز القرار والقيادة اللوجستية يمنحها قدرة أكبر على إدارة الأزمتين معا.
لكن المؤشر الأهم يبقى أن الانسحاب من الأبيض جاء في توقيت حساس للغاية وهو ما يجعل تفسيره بالاعتبارات القتالية والميدانية أكثر منطقية من ربطه حصرا باعتقال عدد من الأفراد. فالجيوش والقوات الكبيرة لا تعيد رسم خرائط انتشارها بسبب حادثة محدودة إلا إذا كانت تلك الحادثة جزءا من أزمة أوسع أو صراع نفوذ أكبر خلف الكواليس.
حتى الآن لا توجد أدلة تؤكد أن اعتقال أفراد القوات المشتركة في الجبلين هو السبب المباشر وراء انسحابها من الأبيض لكن تلاقي مساري الحدثين في كوستي يجعل الأسئلة مشروعة. وبينما تبدو المعركة في الأبيض هي العامل الأكثر تأثيرا في قرار الانسحاب تبقى كوستي اليوم شاهدا على قصة لم تُكشف كل فصولها بعد حيث تختلط الحسابات العسكرية بملفات الأمن والنفوذ في مشهد لا يخلو من الغموض والدهشة والخوف من احداث مجهولة يوم باكر .


