(الضؤ الشارد) جنيف تستنفر القوى السودانية. هل تدفن الحرب على طاولة التفاوض أم يعاد إنتاج الأزمة بوجه جديد؟ بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

تأتي اجتماعات (نيون ) التشاورية في سويسرا في لحظة مفصلية من تاريخ السودان حيث تتسع رقعة الحرب وتتفاقم الكارثة الإنسانية وتتراجع فرص الحل العسكري الحاسم لأي من أطراف الصراع. وفي ظل هذا الواقع تبدو جنيف وكأنها تحاول فتح نافذة سياسية جديدة في جدار الأزمة السودانية الذي ازداد سماكة خلال الأشهر الماضية.
واللافت في هذه الاجتماعات أنها تجمع طيفا واسعا من القوى السياسية ذات الرؤى المتباينة والخلافات العميقة من تحالف صمود إلى الكتلة الديمقراطية وتحالف الحراك الوطني وحزب الأمة القومي إضافة إلى الحضور الدولي والإقليمي المتمثل في الأمم المتحدة وإيفاد وعدد من الفاعلين الدوليين. وهذا التنوع يعكس إدراكا متزايدا لدى المجتمع الدولي بأن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية بين طرفين بل هي أزمة دولة ونظام حكم ومستقبل سياسي يحتاج إلى توافق أوسع من مجرد وقف إطلاق النار.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في جمع القوى السياسية داخل قاعة واحدة بل في قدرتها على الاتفاق حول شكل الدولة المقبلة وأولويات المرحلة الانتقالية. فالقوى السودانية ظلت طوال السنوات الماضية أسيرة خلافات حادة حول تقاسم السلطة وإدارة الانتقال والعلاقة بين المدنيين والعسكريين وهي خلافات أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الوصول إلى المشهد الحالي. كما أن الحديث عن التكامل بين المسارين السياسي والعسكري يطرح إشكالية جوهرية إذ لا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح ما لم تجد سندا على الأرض يوقف نزيف الحرب وفي المقابل لا يمكن لأي ترتيبات أمنية أن تصمد دون مشروع سياسي مقبول يطمئن مختلف الأطراف. ولذلك فإن نجاح اجتماعات جنيف سيقاس بقدرتها على ردم هذه الفجوة المزمنة بين السياسة والبندقية.
ومن جهة أخرى تسعى سويسرا والداعمون الدوليون إلى تجنب تكرار مصير المبادرات السابقة التي اصطدمت بتعدد المنابر وتضارب الأجندات الإقليمية والدولية. ولهذا تبدو مسألة مواءمة مخرجات (نيون) مع جهود الآلية الخماسية والرباعية وغيرها من المبادرات محاولة لتوحيد المسارات بدلا من خلق منصة جديدة تزيد المشهد تعقيداً.
لكن واقع الأزمة السودانية يشير إلى أن العقبة الحقيقية لا تتمثل في نقص المبادرات وإنما في غياب الإرادة السياسية الكافية لتحويل تلك المبادرات إلى التزامات عملية. فالسودانيون تابعوا خلال السنوات الماضية عشرات الاجتماعات والبيانات والاتفاقات التي وُلدت في عواصم مختلفة لكنها عجزت عن إيقاف دوامة الصراع أو بناء توافق وطني مستدام.
إلا إن اجتماعات جنيف تمثل فرصة مهمة لإعادة إحياء المسار السياسي لكنها ليست العصا السحرية القادرة وحدها على إنهاء الحرب. فالنجاح يتطلب تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف وإرادة حقيقية لتقديم مصلحة الدولة على حساب حسابات النفوذ والمكاسب المرحلية.
فبين قاعات جنيف وساحات القتال في السودان تقف الحقيقة عارية فالحرب أثبتت أنها عاجزة عن صناعة دولة كما أثبتت السياسة المنقسمة عجزها عن منع الحرب. لذلك فإن اجتماعات (نيون) قد تكون بداية طريق نحو السلام أو مجرد محطة جديدة في سلسلة طويلة من اللقاءات التي تكثر فيها الكلمات وتغيب عنها القرارات. والفرق بين الاحتمالين تصنعه إرادة السودانيين لا بيانات الوسطاء…
والله ولي التوفيق

