(الضؤ الشارد) ليبيا تبحث عن شماعة لأزماتها؟ منع السودانيين وآخرين انتصار إداري جديد على حساب الإنسانية بقلم/ ملوك ميوت ايواك

قرار الحكومة المكلّفة من البرلمان في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد بمنع دخول مواطني السودان وإريتريا والصومال وإثيوبيا لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء إداري لتنظيم الهجرة بل يبدو انعكاسا لأزمة سياسية وأمنية واقتصادية أعمق تبحث عن عنوان سهل لتسويقها أمام الشارع الليبي الغاضب.
فـ اللافت أن القرار جاء عقب احتجاجات شعبية رفعت شعار رفض توطين المهاجرين وكأن الحكومة وجدت في المهاجر الأفريقي الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها مسؤولية أزمات لم يصنعها. فبدلا من معالجة الانقسام السياسي المزمن والانفلات الأمني والتحديات الاقتصادية أصبح المهاجر هو المتهم الجاهز في مسرحية تتكرر فصولها كلما اشتدت الضغوط الداخلية.
ومن زاوية أخرى فإن القرار يحمل قدرا كبيرا و من المفارقة فـ ليبيا التي اعتمدت لعقود على العمالة السودانية والإفريقية في قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والخدمات تحاول اليوم تقديم هؤلاء وكأنهم مصدر الخطر الأكبر على البلاد. والحقيقة أن كثيراً من السودانيين الموجودين في ليبيا فروا أصلا من حرب مدمرة ولم يذهبوا إليها بحثا عن رفاهية مفقودة في بلادهم بل هربا من الموت والنزوح.
أما السخرية الحقيقية فتتمثل في أن الحكومات التي عجزت عن ضبط حدودها لعشرات السنين تحاول الآن إقناع مواطنيها بأن إغلاق الأبواب في وجه السوداني أو الإثيوبي سيحل أزمة الهجرة. وكأن المشكلة تكمن في المسافر الذي يحمل حقيبة صغيرة لا في شبكات التهريب اليبية المنظمة التي تنشط عبر آلاف الكيلومترات من الحدود الصحراوية المفتوحة.
سياسيا يبدو القرار رسالة موجهة إلى الداخل أكثر من الخارج هدفها امتصاص غضب الشارع وإظهار قدر من الحزم. لكنه في الوقت ذاته قد يثير انتقادات حقوقية وإنسانية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودانيون الهاربون من الحرب.
في النهاية قد تنجح الحكومة الليبية في إغلاق معبر أو تشديد إجراءات لكنها لن تستطيع إيقاف حركة البشر الهاربين من الحروب والفقر بمجرد قرار إداري. فالهجرة ليست بابا يغلق بمفتاح بل نتيجة أزمات تعالج بالسياسات والتنمية والاستقرار. أما تحويل الضحية إلى متهم فهو أقصر الطرق لصناعة الوهم وأطولها للوصول إلى الحل
ويبدو ان حكومة شرق ليبيا اكتشفت أخيرا الحل السحري لكل التعقيدات التاريخية قرار إداري واحد كفيل بإيقاف صحارى تتحرك وشبكات تهريب تمتد كالأعصاب عبر القارة وأزمات نزوح ولدت من حروب لا علاقة لها بختم الدخول والخروج.
القرار الذي أصدره أسامة حماد بمنع دخول مواطني أربع دول أفريقية بينها السودان يقدم وكأنه سد استراتيجي أمام موجات بشرية. لكن الواقع أكثر عنادا من الورق الرسمي فالهجرة لا تسير وفق نشرات الحكومات بل وفق منطق الحرب والجوع والنجاة.
والمفارقة أن السودان الذي يزج باسمه في قائمة الممنوعين يعيش منذ أبريل 2023 حربا جعلت الخروج منه أقرب إلى قرار بيولوجي منه إلى اختيار سياسي. ومع ذلك يعامل السوداني القادم إلى ليبيا وكأنه يحمل الأزمة الليبية في حقيبته لا قصة هروب من وطن كان آمنا ينهار خلفه.
اما في الجنوب الليبي تتحدث البلديات عن ضغط على الخدمات وكأن المستشفيات والمدارس صارت مكتشفة حديثا ولم تكن تعاني منذ سنوات من نقص التمويل والإمكانات. فجأة أصبح اللاجئ هو المفجر للأزمة لا غياب التخطيط السليم ولا هشاشة البنية ولا اقتصاد يعتمد على الاستثناءات.
وعجبا علي عميد بلدية الكفرة محمد بومريز وعميد تازربو حسين صالح يصفان الوضع بـ الضغط والأزمة المركبة وكأن الأزمة ولدت عند وصول السودانيين لا عند غياب الدولة المنظمة لحدودها الممتدة كأنها فكرة أكثر منها واقعا.
أما السخرية السياسية الأكثر وضوحا وشماتة فهي الاعتقاد أن إغلاق المنافذ الرسمية سيغير شيئا في مسار الشبكات الليبية التي تتغذى أصلا التهريب غير الرسمي. كما قال طارق لملوم مدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة والنزوح فالشبكات الليبية التي تنقل المهاجرين لا تطرق أبواب الجوازات بل تسلك طرقا أقدم من كثير من الدول نفسها عبر الصحراء التي لا تعترف بالقرارات ولا بالبيانات الصحفية.
ويبدو المشهد في دولة تواجه ظاهرة عابرة للقارات بوسيلة محلية للغاية كأنها تحاول إيقاف رياح الصحراء بإغلاق نافذة في مكتب إداري. وفي الخلفية تستمر ليبيا في أداء دورها القديم الجديد محطة عبور لأحلام ثقيلة وأقدام متعبة بينما يطلب من الورق الرسمي أن يقوم بمعجزة لم تنجح فيها الجغرافيا ولا السياسة ولا التاريخ.
وفي يبقى السؤال المعلق فوق الرمال! هل المشكلة حقا في القادم من الصحراء أم في الصحراء نفسها حين تدار بالقرارات الورقية؟
وللحديث بقية

