فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان 15 أبريل 2023م (8)

(جمع وتحليل الأدلة وتحويلها إلى سردية قانونية متماسكة قابلة للإثبات وطنياً ودولياً)
إحالة لما سبق، وخلاصة ما تقدم من المقالات، التحول من إدارة الأدلة إلى إدارة الهوية وإعادة بناء الوقائع يعكس تطورًا جوهريًا في فلسفة الإثبات المعاصرة، حيث لم يعد الدليل يُنظر إليه بوصفه مجرد وسيلة لإثبات واقعة منفردة أو نسبة فعل معين إلى شخص محدد، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية وإعادة بناء الواقع محل النزاع أو التحقيق. فالأدلة العلمية والطبية والبيولوجية والرقمية لم تعد تؤدي وظائف مستقلة أو متوازية، وإنما أصبحت عناصر مترابطة داخل منظومة واحدة للإثبات والتحقيق، تتكامل فيها المعارف القانونية مع العلوم الطبية والجنائية والتقنية من أجل تفسير الوقائع، وتحديد الهويات، وكشف العلاقات السببية، وبناء سردية قانونية متماسكة وقابلة للاختبار القضائي.
وقد أظهرت التجارب المقارنة في التحقيق في الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أن الوصول إلى الحقيقة القضائية لا يتحقق بمجرد توافر الأدلة أو التقدم العلمي والتقني، وإنما يعتمد على قدرة منظومة الإثبات الجنائي المعاصر على تحويل البيانات والمعلومات والآثار المادية إلى معرفة قانونية منظمة تخضع لمعايير المشروعية والموثوقية وقابلية التحقق. ولذلك، فإن نجاح منظومة إدارة الأدلة وإثبات الهوية وإعادة بناء الوقائع لا يتوقف على جودة الأدلة العلمية فحسب، بل يرتبط كذلك بسلامة الإجراءات التي تحكم جمع الدليل وتوثيقه وحفظه وتحليله وتفسيره وتقديمه أمام القضاء، باعتبار أن القيمة القانونية للدليل لا تُستمد من دقته العلمية وحدها، وإنما من سلامة المسار الإجرائي الذي أنتجه وحافظ على حجيته.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من دراسة إدارة الأدلة وإدارة الهوية إلى دراسة الطب الشرعي والطب العدلي لا يمثل انتقالًا من موضوع إلى آخر، وإنما يمثل انتقالًا من الإطار النظري العام لمنظومة الإثبات إلى دراسة أحد أهم الفاعلين الرئيسيين في إنتاج الدليل العلمي داخل العدالة المعاصرة. فالطب الشرعي لا يقتصر دوره على تقديم الرأي الفني أو توصيف الإصابات وأسباب الوفاة، وإنما يضطلع بوظيفة مركزية في إعادة بناء الوقائع واستخلاص المؤشرات العلمية وربط النتائج المادية بالأفعال والسلوكيات محل التحقيق.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من القضايا المحورية التي تشكل البنية التشغيلية لمنظومة الإثبات العلمي، وفي مقدمتها حجية شهادة الطب الشرعي وقيمتها القانونية في تكوين القناعة القضائية، ومنهجيات إعادة بناء الوقائع من خلال الأدلة المادية والبيولوجية، وسلسلة الحيازة (Chain of Custody) بوصفها الضمانة الأساسية لصون سلامة الدليل وحمايته من شبهة العبث أو الانقطاع، وآليات إدارة الجثامين مجهولة الهوية والمقابر الجماعية وفق المعايير المهنية والإنسانية المعترف بها دوليًا، ودور المطابقة الجينية والبصمة الوراثية في تحديد الهوية وإثبات النسب والتعرف على المفقودين وربط الضحايا بالأحداث محل التحقيق.
وتمثل هذه الموضوعات، في مجموعها، حلقات متصلة داخل منظومة واحدة غايتها النهائية ليست مجرد جمع الأدلة أو حفظها، وإنما بناء حقيقة قضائية راسخة قادرة على الصمود أمام معايير الإثبات الوطنية والدولية، بما يخدم أهداف العدالة والمساءلة، ويعزز حقوق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، ويسهم في ترسيخ سيادة القانون وحماية الذاكرة الوطنية في المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة والأزمات الكبرى. ومن ثم، فإن تناول شهادة الطب الشرعي بالحديث عنها، وإعادة بناء الوقائع وسلامة سلسلة الحيازة وإدارة الجثامين مجهولة الهوية وآليات المطابقة الجينية، لا تمثل موضوعات فنية منفصلة، وإنما تمثل في حقيقتها مسارات متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية ذاتها، وتحويل الوقائع المادية المتناثرة إلى سردية قضائية متماسكة قابلة للإثبات أمام القضاء الوطني والدولي، وقادرة على تأسيس المساءلة والإنصاف وجبر الضرر على أسس علمية وقانونية راسخة.
(خامساً) شهادة الطب الشرعي وإعادة بناء الوقائع:
———————————-
في إطار تحليل مضمون التسجيل الصوتي المنسوب للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب، تكتسب الإفادات المتعلقة بوصوله إلى المشرحة عقب أحداث فض اعتصام ساحة القيادة العامة وتعاملِه مع الجثامين أهمية تتجاوز حدود الوصف الشخصي للوقائع، لتدخل مباشرة في نطاق شهادة الطب الشرعي بوصفها أداة لإعادة بناء الوقائع وإنتاج الحقيقة القانونية. فالقيمة القانونية لهذه الإفادات لا تنبع من مكانة قائلها أو صفته المهنية فحسب، وإنما من طبيعة المعلومات التي تتضمنها وقابليتها للتحقق الموضوعي من خلال الأدلة والسجلات والوثائق الرسمية المرتبطة بالحدث محل التحقيق.
ومن منظور فقهي وقانوني، فإن شهادة الطبيب الشرعي، تختلف عن الشهادة التقليدية التي يدلي بها الشاهد العادي بشأن ما رآه أو سمعه أو أدركه بحواسه. فالطبيب الشرعي يجمع بين صفتين متداخلتين؛ فهو (أولاً) من ناحية شاهد على بعض الوقائع التي عاصرها أو شارك فيها، ومن ناحية أخرى (ثانياً) خبير فني يمتلك المعرفة العلمية اللازمة لتفسير الدلالات الطبية والبيولوجية المرتبطة بتلك الوقائع. ولذلك، فإن أقواله لا تُقيَّم فقط بوصفها رواية شخصية للأحداث، وإنما بوصفها مصدرًا محتملاً للخبرة الفنية التي تساعد في إعادة بناء المشهد الواقعي وفهم أبعاده العلمية والقانونية.
وفي هذا السياق، فإن تأكيد المتحدث – بروفيسور عقيل سوارالدهب – أنه كان أول طبيب يصل إلى مقر عمله بالمشرحة عقب فض اعتصام القيادة العامة، وأنه واجه صعوبات في الوصول بسبب الأوضاع الأمنية وانتشار التشكيلات العسكرية لقوات الدعم السريع في محيط منطقة مستشفى بشائر وحزام جنوب الخرطوم بالكامل، لا يمثل مجرد وصف لظروف الحركة والتنقل في ذلك اليوم، وإنما يقدم عنصرًا زمنياً ومكانياً بالغ الأهمية في عملية إعادة بناء الوقائع. فهذه الإفادة، تساهم في تحديد التسلسل الزمني للأحداث، وتحديد الظروف الأمنية المصاحبة لعملية نقل الجثامين واستلامها، ومدى تأثير البيئة الأمنية المحيطة على أداء المؤسسات الطبية والعدلية. ومن ثم، فإن هذه المعلومات تصبح جزءًا من الصورة الكلية التي يسعى التحقيق إلى إعادة تركيبها، لفهم كيفية إدارة الحدث في ساعاته الأولى، وما ترتب عليه من إجراءات لاحقة.
كما أن إفادة المتحدث البروفيسور/ عقيل بشأن مشاركته المباشرة في استلام الجثامين والتعامل معها وفق الإجراءات المهنية المتبعة، تكتسب أهمية خاصة من زاوية أخرى، وهي زاوية سلامة الإجراءات وسلسلة إنتاج الدليل. فإدارة الجثامين في سياق الأحداث الجماعية، لا تمثل مجرد عملية إدارية أو طبية، وإنما تشكل بداية المسار الإجرائي الذي يُبنى عليه جزء مهم من الأدلة الجنائية اللاحقة. ولذلك، فإن تحديد الجهة التي استلمت الجثامين، وكيفية تسجيلها، والإجراءات المتبعة في حفظها وفحصها وتشريحها وتسليمها، كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في حجية الأدلة المرتبطة بها وقابليتها للاعتماد القضائي مستقبلاً.
أما الجزء الأكثر أهمية في هذه الإفادة للبروفيسور عقيل، فيتمثل في القول إن غالبية الجثامين كانت معلومة الهوية وتم تسليمها إلى ذويها، وأن عدد الجثامين مجهولة الهوية كان محدودًا ولم يتجاوز خمس جثامين. فهذه العبارة لا تتعلق فقط بوصف الحالة الإدارية للجثامين داخل المشرحة، وإنما تتصل مباشرة بملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بالمفقودين والمختفين قسرًا وإدارة الجثامين مجهولة الهوية وحقوق الأسر في معرفة مصير ذويها. كما أنها تمثل ادعاءً وقائعيًا محددًا يمكن التحقق من صحته أو نفيه من خلال الأدلة والوثائق الرسمية، وهو ما ينقلها من دائرة الرأي أو الانطباع الشخصي إلى دائرة الفرضية الإثباتية القابلة للفحص والتحقيق.
النص الذي أوردته يتضمن أفكارًا متقاربة ومتكررة في أكثر من موضع، ويمكن دمجه في صياغة واحدة أكثر إحكامًا وترابطًا أكاديميًا دون فقدان أي من المضامين الفقهية أو القانونية أو الدستورية أو السياسية، على النحو الآتي:
وتكمن الأهمية القانونية والعلمية لهذا الجزء من شهادة البروفيسور/ عقيل سوار الذهب في أنه لا يقتصر على تقديم سرد شخصي للأحداث أو نقل انطباعات ذاتية بشأن ما وقع عقب فض الاعتصام، وإنما يقدم رواية محددة تتضمن عناصر زمانية ومكانية وإجرائية قابلة للتحقق والاختبار من خلال مصادر إثبات مستقلة ومتعددة. فإفادته بأنه كان أول طبيب يصل إلى المشرحة عقب الأحداث، وأنه واجه صعوبات في الوصول بسبب الظروف الأمنية السائدة آنذاك، وأنه شارك بصورة مباشرة في استلام الجثامين والتعامل معها وفق الإجراءات المهنية المتبعة، وأن غالبية الجثامين كانت معلومة الهوية وتم تسليمها إلى ذويها، بينما لم يتبق سوى عدد محدود من الجثامين مجهولة الهوية، لا تمثل في ذاتها حقيقة قانونية نهائية، وإنما تشكل مجموعة من الوقائع والادعاءات المحددة القابلة للفحص والتحقق والتقييم الموضوعي.
ومن منظور منهجية التحقيق الحديثة، فإن قيمة هذه الإفادات لا تكمن في التسليم بصحتها أو رفضها ابتداءً، وإنما في قابليتها للاختبار الموضوعي وفق معايير الإثبات المعاصرة. فالمعيار الحاكم في مثل هذه القضايا لا يتمثل في مدى اقتناع الرأي العام بالرواية أو انسجامها مع المواقف السياسية المتباينة، وإنما في مدى اتساقها مع الأدلة المتاحة وقدرتها على الصمود أمام عمليات التحقق المستقلة. ولهذا يمكن إخضاع هذه الإفادات للمقارنة والتحليل في ضوء طيف واسع من المصادر والوثائق الرسمية، بما يشمل سجلات المشارح التي توثق أعداد الجثامين وأوصافها وبياناتها التعريفية، وملفات التشريح التي تتضمن نتائج الفحص الطبي وأسباب الوفاة والخصائص المميزة لكل جثمان، وأوامر النيابة المتعلقة بالتشريح والدفن والتسليم، وسجلات المفقودين وبلاغات الأسر، وتقارير لجان التحقيق الرسمية أو المستقلة، فضلاً عن الشهادات والوثائق والأدلة الأخرى ذات الصلة.
وتمثل هذه العملية تطبيقًا مباشرًا لمنهجية إعادة بناء الوقائع (Reconstruction of Events) القائمة على التحقق المتقاطع (Corroboration) بين مصادر الإثبات المختلفة. ويقصد بهذه المنهجية جمع الأدلة والمعلومات من مصادر متعددة، وربطها وتحليلها ومقارنتها واختبار مدى اتساقها الداخلي والخارجي، وصولاً إلى إنتاج سردية قانونية متماسكة تستند إلى الوقائع المثبتة لا إلى الروايات المجردة أو الافتراضات غير المدعومة بالدليل. فالمحقق أو القاضي لا يتعامل مع شهادة الطبيب الشرعي باعتبارها حقيقة نهائية مكتملة بذاتها، كما لا يتعامل مع السجلات أو التقارير أو الوثائق بصورة منفردة، وإنما يسعى إلى بناء صورة كلية تتعاضد فيها مختلف الأدلة والقرائن والمؤشرات. فإذا اتسقت شهادة الطبيب مع سجلات المشرحة وملفات التشريح وأوامر النيابة وتقارير التحقيق وغيرها من الأدلة المستقلة، اكتسبت قوة إثباتية إضافية، أما إذا ظهرت تناقضات جوهرية بين هذه المصادر، فإن ذلك يفرض إجراء مزيد من الفحص والتحقيق لتحديد مواضع الخلل أو التناقض وأسبابها.
ومن الناحية العلمية، لا تقتصر غاية هذه المنهجية على إثبات واقعة منفردة أو التحقق من صحة معلومة بعينها، وإنما تهدف إلى إعادة تركيب المشهد الواقعي بكامله داخل إطار تفسيري متكامل يسمح بفهم الحدث في سياقه الزمني والمكاني والمؤسسي. فالمقصود ليس فقط معرفة ما إذا كانت الجثامين قد استُلمت أو سُلِّمت إلى ذويها، وإنما فهم كيفية إدارة الملف برمته، وتسلسل الإجراءات التي اتُخذت، والجهات التي شاركت فيها، والعلاقات السببية التي ربطت بين الوقائع والنتائج المترتبة عليها. وبهذا المعنى، تتحول الشهادة من مجرد رواية للأحداث إلى أداة تحليلية تسهم في إعادة بناء الواقع محل التحقيق.
ومن المنظور الفقهي، تعكس هذه المنهجية تطورًا جوهريًا في فلسفة الإثبات المعاصر. فالحقيقة القضائية لم تعد تُبنى على الدليل المنفرد أو الشهادة المنعزلة، وإنما على تكامل الأدلة وتساندها المتبادل داخل بنية استدلالية متماسكة. فالقاضي لا يتعامل مع الواقعة التاريخية كما حدثت في الواقع مباشرة، وإنما مع صورة قانونية للواقعة يتم إنتاجها من خلال الأدلة والشهادات والوثائق والقرائن المعروضة أمامه. ومن ثم، فإن قوة الإثبات لا تنشأ من مصدر واحد، وإنما من درجة الاتساق والتوافق بين مختلف عناصر الإثبات وقدرتها على إنتاج تفسير منطقي ومعقول للأحداث محل النزاع.
أما من المنظور الدستوري، فإن أهمية هذه المنهجية تكمن في كونها تجسد أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة حكم القانون، وهو مبدأ إخضاع جميع الادعاءات والروايات للفحص الموضوعي القائم على الدليل. فالدولة الدستورية لا تؤسس نتائجها القانونية على الانطباعات العامة أو الضغوط السياسية أو السرديات المتنافسة، وإنما على وقائع يمكن التحقق منها وفق قواعد الإثبات والإجراءات القانونية الواجبة. ولذلك فإن إخضاع شهادة الطبيب الشرعي للمراجعة والمقارنة مع الأدلة الأخرى لا يمثل تشكيكًا فيها، بل يمثل تطبيقًا لمبدأ الموضوعية والحياد الذي يفرض على جهات التحقيق والقضاء اختبار جميع الفرضيات والادعاءات وفق معايير موحدة ومعلومة.
كما تكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة من الناحية السياسية في المجتمعات الخارجة من النزاعات والأزمات الوطنية الكبرى، حيث تتنافس الروايات المختلفة حول تفسير الأحداث وتحديد أعداد الضحايا وهوياتهم وظروف وفاتهم والجهات المسئولة عنها. وفي مثل هذه البيئات تصبح السجلات الطبية والعدلية ووثائق المشارح وتقارير التشريح وأوامر النيابة وملفات المفقودين أدوات مركزية للانتقال من مستوى الجدل السياسي إلى مستوى الحقيقة القانونية القابلة للإثبات. فالمسألة لا تتعلق بترجيح رواية على أخرى لأسباب أيديولوجية أو إعلامية، وإنما بإخضاع جميع الروايات لعملية تحقق علمية وقانونية صارمة تُمكّن من الوصول إلى نتائج تستند إلى الأدلة لا إلى المواقف المسبقة.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذا الجزء من شهادة البروفيسور/ عقيل سوار الذهب لا تكمن في كونه يؤكد أو ينفي رواية بعينها، وإنما في كونه يوفر نقطة انطلاق منهجية لإعادة بناء الوقائع من خلال التحقق المتقاطع بين مختلف مصادر الإثبات. وبهذا المعنى، تتحول الشهادة من مجرد أقوال أو سرد شخصي للأحداث إلى عنصر من عناصر إنتاج الحقيقة القانونية، وتصبح جزءًا أصيلًا من منظومة أوسع لإدارة الأدلة وإثبات الهوية وإعادة بناء الوقائع، بما يسمح بتحويل الأحداث محل النزاع من روايات متنافسة إلى سردية قانونية متماسكة وقابلة للاختبار أمام جهات التحقيق والمحاكم الوطنية والدولية، وفقًا لمعايير العدالة والإثبات وسيادة القانون.
وتكمن الأهمية القانونية والعلمية لهذا الجزء من شهادة البروفيسور/ عقيل سوار الذهب في أنه لا يقتصر على تقديم سرد شخصي للأحداث أو نقل انطباعات ذاتية بشأن ما وقع عقب فض إعتصام القيادة العامة، وإنما يقدم رواية تتضمن عناصر زمانية ومكانية وإجرائية محددة وقابلة للتحقق والاختبار من خلال مصادر إثبات مستقلة ومتعددة. فإفادته بأنه كان أول طبيب يصل إلى المشرحة عقب الأحداث، وأنه واجه صعوبات في الوصول بسبب الظروف الأمنية السائدة آنذاك، وأنه شارك بصورة مباشرة في استلام الجثامين والتعامل معها وفق الإجراءات المهنية المتبعة، وأن غالبية الجثامين كانت معلومة الهوية وتم تسليمها إلى ذويها بينما لم يتبق سوى عدد محدود من الجثامين مجهولة الهوية عددها خمسة، لا تمثل في ذاتها حقيقة قانونية نهائية أو حكمًا قاطعًا بشأن الوقائع محل النزاع، وإنما تشكل مجموعة من الوقائع والادعاءات المحددة القابلة للفحص والتحقق والتقييم الموضوعي.
ومن منظور منهجية التحقيق الحديثة، فإن قيمة هذه الإفادات لا تكمن في التسليم بصحتها أو رفضها ابتداءً، وإنما في قابليتها للاختبار الموضوعي وفق معايير الإثبات المعاصرة. فالمعيار الحاكم في مثل هذه القضايا ليس مدى انتشار الرواية أو قبولها سياسيًا أو اجتماعيًا، وإنما مدى انسجامها مع الأدلة المتاحة وقدرتها على الصمود أمام عمليات التحقق المستقلة. ولهذا، يمكن إخضاع إفادات البروفيسور/ عقيل للمقارنة والتحليل في ضوء مجموعة واسعة من مصادر الإثبات، تشمل سجلات المشارح، وملفات التشريح، وأوامر النيابة المتعلقة بالتشريح والدفن والتسليم، وسجلات المفقودين وبلاغات الأسر، وتقارير لجان التحقيق الرسمية أو المستقلة، فضلاً عن الشهادات والوثائق والأدلة الأخرى ذات الصلة.
وتمثل عملية التحقق المتقاطع بين شهادة الطبيب الشرعي والسجلات والوثائق والأدلة المستقلة الأخرى تطبيقًا مباشرًا لمنهجية إعادة بناء الوقائع (Reconstruction of Events) القائمة على التحقق المتبادل أو المتقاطع (Corroboration) بين مصادر الإثبات المختلفة. وهي منهجية علمية وقانونية تقوم على جمع الأدلة والمعلومات من مصادر متعددة، وربطها وتحليلها ومقارنتها واختبار مدى اتساقها الداخلي والخارجي، وصولًا إلى بناء سردية قانونية متماسكة تستند إلى الوقائع المثبتة لا إلى الروايات المجردة أو الافتراضات غير المدعومة بالدليل. وتستند هذه المنهجية إلى مبدأ أساسي مؤداه أن الحقيقة القانونية لا تُستخلص من دليل منفرد أو مصدر واحد للمعلومات، وإنما تُبنى من خلال التفاعل والتكامل بين مختلف عناصر الإثبات المتاحة في ملف التحقيق. ولذلك لا يتعامل المحقق أو القاضي مع شهادة الطبيب الشرعي بوصفها حقيقة مكتملة بذاتها، كما لا يتعامل مع السجلات أو التقارير أو الوثائق الرسمية بصورة منفصلة أو معزولة عن غيرها، وإنما يسعى إلى بناء صورة كلية ومتكاملة للواقعة محل التحقيق تتساند فيها الأدلة والقرائن والمؤشرات المختلفة لإنتاج فهم أكثر دقة وشمولًا للأحداث.
وفي هذا الإطار، لا يتعامل المحقق أو القاضي مع شهادة الطبيب الشرعي بوصفها حقيقة مكتملة بذاتها أو دليلًا نهائيًا غير قابل للمراجعة، كما لا يتعامل مع السجلات أو التقارير أو الوثائق الرسمية بصورة منفصلة أو معزولة عن غيرها، وإنما يسعى إلى بناء صورة كلية ومتكاملة للواقعة محل التحقيق، تتساند فيها الأدلة والقرائن والمؤشرات المختلفة لإنتاج فهم أكثر دقة وشمولًا للأحداث. فالقيمة الإثباتية لأي رواية أو شهادة لا تُقاس بذاتها فقط، وإنما بمدى انسجامها مع بقية الأدلة وقدرتها على الصمود أمام عمليات الفحص والمراجعة والتحقق المستقل.
ومن ثم، فإذا اتسقت شهادة الطبيب الشرعي مع سجلات المشرحة وملفات التشريح وأوامر النيابة وتقارير التحقيق وغيرها من الأدلة المستقلة ذات الصلة، فإنها تكتسب قوة إثباتية إضافية وتعزز من سلامة ومصداقية البناء الاستدلالي العام للقضية. أما إذا ظهرت تناقضات جوهرية أو اختلافات مؤثرة بين هذه المصادر، فإن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى استبعاد الشهادة أو إسقاط الرواية، وإنما يقتضي إجراء مزيد من الفحص والتحليل والتحقيق لتحديد مواضع التناقض أو الخلل، والكشف عن أسبابه ومصادره، وتقدير مدى تأثيره على الاستنتاجات القانونية المستخلصة من مجمل الأدلة.
وبهذا المعنى، تصبح عملية التحقق المتقاطع بين مختلف مصادر الإثبات أداة مركزية لإعادة بناء الوقائع واختبار الفرضيات وتقييم السرديات المتنافسة، وصولًا إلى إنتاج حقيقة قانونية تستند إلى تساند الأدلة وتكاملها لا إلى قوة رواية منفردة أو مصدر واحد للمعلومات. ومن خلال هذا التفاعل المنهجي بين الشهادات والوثائق والسجلات والقرائن، تنتقل عملية التحقيق من مجرد تجميع الأدلة إلى مرحلة أكثر تقدمًا تتمثل في إعادة تركيب الأحداث وفهم سياقاتها واستخلاص العلاقات السببية التي تربط بين الوقائع والأشخاص والنتائج، بما يفضي في نهاية المطاف إلى بناء سردية قانونية متماسكة وقابلة للدفاع عنها أمام جهات التحقيق والمحاكم الوطنية والدولية وفقًا لمعايير العدالة والإثبات وسيادة القانون.
ومن الناحية العلمية، لا تقتصر غاية هذه المنهجية – إعادة بناء الوقائع (Reconstruction of Events) القائمة على التحقق المتبادل أو المتقاطع (Corroboration) بين مصادر الإثبات المختلفة – على التحقق من صحة معلومة بعينها أو إثبات واقعة منفردة، وإنما تهدف إلى إعادة تركيب المشهد الواقعي بكامله داخل إطار تفسيري متكامل يسمح بفهم الحدث في سياقه الزمني والمكاني والمؤسسي. فالمقصود ليس فقط التحقق من عدد الجثامين أو هوياتها أو كيفية التعامل معها، وإنما فهم كيفية إدارة الملف برمته، وتسلسل الإجراءات التي اتُخذت بشأنه، والجهات التي شاركت فيه، والعلاقات السببية التي ربطت بين الوقائع والنتائج المترتبة عليها. وبهذا المعنى، تتحول شهادة الطبيب الشرعي من مجرد رواية للأحداث إلى أداة معرفية وقانونية تسهم في إعادة بناء الواقع محل التحقيق.
ومن المنظور الفقهي، تعكس هذه المنهجية – إعادة بناء الوقائع (Reconstruction of Events) القائمة على التحقق المتبادل أو المتقاطع (Corroboration) بين مصادر الإثبات المختلفة – تطورًا جوهريًا في فلسفة الإثبات المعاصر، حيث لم تعد الحقيقة القضائية تُبنى على الدليل المنفرد أو الشهادة المعزولة، وإنما على تكامل الأدلة وتساندها داخل بنية استدلالية متماسكة. فالقاضي لا يتعامل مع الواقعة التاريخية كما جرت في الواقع بصورة مباشرة، وإنما مع صورة قانونية للواقعة يتم إنتاجها من خلال الأدلة والشهادات والوثائق والقرائن المعروضة أمامه. ولذلك فإن الحجية القانونية لا تنشأ من مصدر واحد، وإنما من درجة الاتساق والتكامل بين مختلف عناصر الإثبات وقدرتها على إنتاج تفسير منطقي ومعقول للأحداث محل التحقيق.
أما من المنظور الدستوري، فإن أهمية منهجية إعادة بناء الوقائع القائمة على التحقق المتقاطع بين الأدلة والشهادات والسجلات الرسمية تكمن في أنها تجسد أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة حكم القانون. فالدولة الدستورية لا تؤسس نتائجها القانونية على الانطباعات العامة أو الضغوط السياسية أو السرديات المتنافسة، وإنما على وقائع يمكن التحقق منها وفق قواعد الإثبات والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، فإن إخضاع شهادة الطبيب الشرعي للمراجعة والمقارنة مع الأدلة الأخرى لا يمثل تشكيكًا في الشهادة أو انتقاصًا من قيمتها، وإنما يمثل تطبيقًا لمبدأ الموضوعية والحياد الذي يفرض على جهات التحقيق والقضاء إخضاع جميع الادعاءات للفحص وفق معايير موحدة ومعلومة.
كما تكتسب هذه المنهجية – إعادة بناء الوقائع القائمة على التحقق المتقاطع بين الأدلة والشهادات والسجلات الرسمية – أهمية خاصة من الناحية السياسية في المجتمعات الخارجة من النزاعات والأزمات الوطنية الكبرى، حيث تتنافس الروايات المختلفة حول تفسير الأحداث وتحديد أعداد الضحايا وهوياتهم وظروف وفاتهم والجهات المسىئولة عنها. وفي مثل هذه البيئات تصبح السجلات الطبية والعدلية ووثائق المشارح وتقارير التشريح وأوامر النيابة وملفات المفقودين أدوات مركزية للانتقال من مستوى السجال السياسي إلى مستوى الحقيقة القانونية القابلة للإثبات. فالمسألة لا تتعلق بترجيح رواية على أخرى لأسباب سياسية أو أيديولوجية، وإنما بإخضاع جميع الروايات لعملية تحقق علمية وقانونية صارمة تمكن من الوصول إلى نتائج تستند إلى الأدلة لا إلى المواقف المسبقة.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذا الجزء من إفادات البروفيسور/ عقيل سوار الذهب التسجيلي الصوتي، لا تكمن في كونه يؤكد أو ينفي رواية بعينها، وإنما في كونه يوفر نقطة انطلاق منهجية لإعادة بناء الوقائع من خلال التحقق المتقاطع بين مختلف مصادر الإثبات. وبهذا المعنى، تتحول الشهادة والافادات من مجرد أقوال أو سرد شخصي للأحداث إلى عنصر من عناصر إنتاج الحقيقة القانونية، وتصبح جزءًا أصيلًا من منظومة أوسع لإدارة الأدلة وإثبات الهوية وإعادة بناء الوقائع. ومن ثم، فإن أهمية شهادة الطب الشرعي لا تكمن فقط في ما تقدمه من معلومات فنية أو طبية، وإنما في دورها المركزي في بناء الحقيقة القضائية ذاتها، من خلال ربط الأدلة والوقائع والأشخاص والسياقات المختلفة داخل إطار استدلالي متكامل يخدم أهداف العداحل النزاع من روايات متنافسة إلى سردية قانونية متماسكة وقابلة للاختبار أمام القضاء الوطني والدولي. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
26 يونيو 2026م

