مقالات الرأي

دكتور التجاني الطيب عبد الماجد يكتب  ناطقون باسم الخارج… قراءة في تحولات الخطاب السياسي السوداني

 

أفرزت الحرب الدائرة في السودان واقعاً سياسياً جديداً، أعاد تشكيل التحالفات، وغيّر لغة الخطاب، ووضع القوى السياسية أمام اختبار بالغ الصعوبة: هل تكون الأولوية لمخاطبة الداخل السوداني، أم لكسب التأييد في الخارج؟

 

يرى منتقدو تحالف الحرية والتغيير، ومن بعده تحالف “صمود” بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، أن أداءه السياسي خلال سنوات الحرب اتجه بصورة متزايدة نحو مخاطبة المجتمع الدولي والعواصم الأجنبية، أكثر من تركيزه على بناء توافق وطني داخل السودان. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى كثافة اللقاءات والمؤتمرات التي عُقدت خارج البلاد، وإلى الخطاب الموجه للمنظمات الدولية والدول المؤثرة، معتبرين أن ذلك أسهم في ترسيخ انطباع بأن بوصلته السياسية تتجه إلى الخارج بقدر ما تتجه إلى الداخل.

 

وفي المقابل، يقول قادة هذه القوى إن انخراطهم في المسارات الدولية يهدف إلى الدفع نحو وقف الحرب، وتخفيف المعاناة الإنسانية، والبحث عن تسوية سياسية، وهو تفسير يختلف معه كثير من منتقديهم الذين يرون أن الأولوية كان ينبغي أن تكون لبناء قاعدة تأييد وطنية أوسع داخل السودان.

 

ومن القضايا التي ظلت محوراً للجدل وصف القوات المسلحة بأنها “جيش الحركة الإسلامية”. وقد رفضت الحركة الإسلامية هذا الوصف في بيانات وتصريحات متعددة، مؤكدة أنها ليست طرفاً في الحرب. كما يرى مؤيدو القوات المسلحة أن مشاركة المستنفرين، والمقاومة الشعبية، والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، والإدارات الأهلية، وآلاف المواطنين من خلفيات اجتماعية وسياسية متنوعة، تعكس أن القاعدة المساندة للجيش أوسع من أن تُختزل في انتماء سياسي واحد. وفي المقابل، تتمسك أطراف أخرى بقراءتها المختلفة لطبيعة المشهد السياسي والعسكري.

 

كما أثارت الاتهامات المتعلقة بالتدخلات الخارجية نقاشاً واسعاً. فقد رفعت الحكومة السودانية دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، كما تناولت تقارير أممية وتقارير صادرة عن منظمات دولية مزاعم تتعلق بإمدادات السلاح. وتنفي الإمارات هذه الاتهامات، وتؤكد أن سياستها تقوم على الدعوة إلى وقف الحرب والتوصل إلى حل سياسي. وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى الملف محل نقاش وتحقيق على المستوى الدولي.

 

ومع التطورات العسكرية الأخيرة واستعادة القوات المسلحة عدداً من المدن، برزت مجدداً دعوات إلى وقف إطلاق النار والهدن الإنسانية. ويعتبر بعض المراقبين أن توقيت هذه الدعوات يثير تساؤلات سياسية، بينما يرى آخرون أنها تعكس القلق من استمرار الكلفة الإنسانية للحرب. وهذا التباين في القراءة يعكس حجم الاستقطاب الذي فرضه النزاع على الحياة السياسية السودانية.

 

لقد كشفت الحرب أن معركة السودان ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة روايات وخطابات ومشروعات سياسية متنافسة. وفي مثل هذه الظروف، تزداد أهمية أن تنطلق أي قوة سياسية من قراءة دقيقة لمزاج المجتمع السوداني، وأن توازن بين الانفتاح على المجتمع الدولي والحفاظ على ثقة الداخل، لأن الشرعية السياسية في نهاية المطاف لا تُبنى في المؤتمرات وحدها، وإنما تُكتسب من قدرة القوى السياسية على إقناع المواطنين بأنها تعبر عن تطلعاتهم ومصالحهم.

 

وسيظل الجدل قائماً حول مواقف مختلف الأطراف، لكن المؤكد أن الحرب غيّرت معايير الحكم على الأداء السياسي. فالسودانيون، على اختلاف توجهاتهم، باتوا أكثر ميلاً إلى تقييم القوى السياسية من خلال مواقفها العملية، ومدى قربها من هموم المواطنين، وقدرتها على الإسهام في إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة الدولة، وهي معايير ستبقى حاضرة في أي مرحلة سياسية مقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى