ملحمة وطنية دبلوماسية في أحضان العروس بقلم: عبداللطيف السيدح

قريبا جدا ومن بين الجوانح، وشغاف القلوب، ومن تحت رموش العيون ستتفتح الأزاهير باقات من أحلام تعتقت عطورها عبر السنين لتهدينا أكبر إنجاز دبلوماسي تقاطعت دروب تاريخه مع نبض حاضره،. ورغم القفر، والفقر، وشح المفردات، سيكتب السودانيون فصلا جديدا من ملحمة وطنية سودانية، عنوانها التحول والإنجاز، ومن رحم الأحلام والوعود والتمني، وبعد عقود من التاريخ ، ستشرأب أعناق السودانيين، فوق هام السحب من داخل لوحة دبلوماسية معمارية بهوية سودانية، عنوانها العريض القنصلية العامة الجديدة المملوكة إلى قيام الساعة لجمهورية السودان، ولتكون شاهدا على إرادة لا تعرف الاستكانة، وعلى رؤية استشرفت المستقبل قبل أن يحين أوانه.
هذا المولود سيكون مختلفا، لأنه ليس صفقة عقارية، ولا غابة من الأسمنت تضاف إلى سجل الممتلكات العقارية. فهو قرار استراتيجي بامتياز، حين وقع الاختيار على مبنى فاره بحي النعيم بجدة، ليكون المقر الدائم والرسمي للتمثيل القنصلي السوداني. وجاءت مراسم توقيع عقد الشراء في أجواء احتفالية مهيبة، بحضور القنصل العام السفير الدكتور كمال علي عثمان طه، ونخبة من المسؤولين والدبلوماسيين وممثلي الجهات الرسمية والإعلامية، في مشهد عكس عمق الروابط الأخوية ومتانة العلاقات الثنائية بين السودان والمملكة العربية السعودية.
والتحدي الحقيقي لم يكن في لحظة الشراء، بل فيما تلاها. فالمبنى ولد سكنيا بطبيعته، بتصميم يخدم حياة أسرية هادئة، لا بروتوكولا دبلوماسياً ولا حركة قنصلية خدمية يومية تستقبل الآلاف من أبناء الجالية السودانية. وهنا بالتحديد تكمن عظمة الفكرة في تحويل مساحة سكنية بحتة إلى صرح حكومي دبلوماسي متكامل، يليق بمقام دولة وتمثيلها الرسمي في إحدى أهم مدن المملكة.
وتحويل مبنى من طابعه السكني إلى وظيفته الدبلوماسية ليس عملا هينا، إنما سيهدينا لوحة فنية، تتطلب فهما عميقا لاحتياجات العمل القنصلي من قاعات الاستقبال، إلى مكتب السفير ثم مكاتب القناصل، والملحقين العسكريين والفنيين وضباط الجوازات والبعثة الإدارية وصالات خدمات الجمهور وأقسام التوثيق والتأشيرات، إلى مكاتب الإدارة، إلى معايير الأمان والخصوصية التي تفرضها طبيعة العمل الدبلوماسي. وكل جدار لا بد أن يعاد التفكير فيه، وكل مساحة تحتاج إلى إعادة تصور، لتنسجم الوظيفة الجديدة مع الهوية السودانية العريقة، مع تطلعات الجالية التي طال انتظارها لمقر يليق بها.
وهنا تحديدا تظهر قيمة الفكرة الأصلية التي تبنتها القيادة القنصلية، التى رأت أن التحول ليس عبئا بل فرصة. فرصة لبناء مقر مصمم خصيصا وفق رؤية سودانية، لا مجرد نسخة جاهزة صماء، بكماء، وهى فرصة كذلك لجعل المبنى انعكاسا حقيقيا لهوية وطن، بمساحاته وتفاصيله ورمزيته، بأثر يتجاوز الجدران، ويمنح المشروع بعدا استثنائيا وهو أنه يأتي في توقيت بالغ الحساسية والدقة، حين تمر الجالية السودانية بظروف استثنائية تستدعي حضورا قنصليا أقوى وأكثر كفاءة. فالقنصلية العامة بجدة تخدم أعدادا كبيرة من أبناء السودان في المنطقتين الغربية والجنوبية بالمملكة، وتتحمل مسؤولية توفير الرعاية والمساعدة وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية، إضافة إلى أنها معبر رئيسي لحجاج وزوار ومعتمري بيت الله الحرام. وامتلاك مقر بهذا الحجم وهذه الجاهزية فبالطبع لن يكون ترفا، إنما ضرورة تواكب حجم المسؤولية.
ومما يزيد المرء فخرا أن عملية إتمام إجراءات نقل الملكية بشكل كامل لحكومة جمهورية السودان، ووفقا للأنظمة السعودية المعمول بها وبالتنسيق التام مع الجهات المختصة، يعد إنجازا إداريا بقدر ما هو إنجاز عمراني. فالمشروع لم يمر بمرحلة واحدة، بل بسلسلة متكاملة من الخطوات من اتخاذ القرار، إلى التفاوض، إلى التوقيع، إلى استكمال المتطلبات القانونية، وصولا إلى مرحلة التحويل والتهيئة التي تجري الآن لتحويل الحلم إلى واقع ملموس تراه الأعين وتلمسه الأيدي.
إن قصة الملحمة كتبت وصممت، ومع إعلان توزيعها ستنفد نسخها مهما كثرت لأنها قصة حب عميق عنوانها (إصرار سوداني على أن يكون لنا حضور يليق بنا في المهجر.
ووعد اليقين الذي لن يخلف أن جميع المقيمين الكرام والمقيمات الكريمات بالمنطقة الغربية،سيحتفظون بنسخ الإنجاز والانتصار في معركة كرامة الإرادة والتخطيط والصبر الجميل، كتفا بكتف مع ربان سفينة القنصلية، إلا من اختار الاختباء في صندوق الحسد والغبينة، لا لشيء سوى أنه يكره أن يرى الأفكار الطموحة قد تحولت إلى إنجازات على أرض راسخة.

