مدارات للناس هاشم عمر يكتب إدريس الأمير.. قيثارة الساحل وذاكرة الشرق

تختزن ذاكرة الأمة السودانية وجوهًا قامات لم تكتفِ بمنحنا الغناء واللحن، بل شادَت جسورًا متينة بين الثقافة والهوية والمكان. وفي ساحل البحر الأحمر، حيث يلتقي التليد بالتاريخ والشجن بالبحر، يبرز اسم الفنان الراحل إدريس الخليفة علي نور—أو “إدريس الأمير” كما عرفته جماهير الفن—قامةً استثنائية صاغت وجدان الشرق وعبرت به أفق الموسيقى السودانية والإفريقية.
لم يكن إدريس الأمير مجرد مطرب يمتلك حنجرة قوية وذائقة رفيعة، بل كان مشروعاً توثيقياً وثقافياً كاملاً. نشأ في حي (ديم مدينة) ببورتسودان، في بيت طريقة وختمية وأجواء وطنية وسياسية متأصلة، ثم صقل شغفه بالمعرفة عبر عمله أميناً لمكتبة الثقافة. هناك، بين أرفف الكتب وأغاني الحقيبة، شكل وجدانه الفني، متأثراً بمدرسة “السهل الممتنع” لشيخ الملحنين عبد الرحمن الريح، حتى قدمه “الفنان الذري” إبراهيم عوض لمجتمع أم درمان في حفل أضحى من علامات التاريخ الغنائي.
تتجلى عبقرية إدريس الأمير في قدرته الفذة على جمع الشاعر والملحن والمؤدي في شخصه. ومَنْ منا ينسى بكائيته الخالدة في تحفة “سواكن”؟ الأغنية التي لم تكن مجرد كلمات وألحان، بل كانت تأريخاً حياً لماضي المدينة الذهبي منذ عهد البطالسة، لتظل واحدة من أعمق البكائيات الوطنية في تاريخ الفن السوداني. أما لحنه الشجي لقصيدة “الزاهي في زيك”، فقد تجاوز الأثير ليصبح جزءاً من الوجدان الجمعي؛ استلهمه الشيخ البرعي في مدح الحبيب المصطفى \rho (“ما في زيك يا رسول الله”)، واعتمدته القوات النظامية والجامعات لحناً أساسياً لكرنفالات التخرج وطوابير الشرف.
لكن الأثر الأكبر للأمير يكمن في ريادته لموسيقى الإقليم الشرقي والساحل الإفريقي. كان باحثاً ومجدداً في إيقاعات “التجرايت”، ودَرَس إيقاع “السسعيت” الساخن، ووثق إيقاعات “البوبوي” و”الورو عقبا” و”السوميا” التي تجلت في أعماله الخالدة مثل “مرحبابو كنتيباي”. لم تقف رسالته عند حدود الجغرافيا الوطنية، بل تجاوزتها ليكون جسراً وثقافياً إقليمياً، حين زامل صديقه الفنان الإريتري الكبير إدريس محمد علي وصداحا معاً في احتفالات تحرير أسمرا في التسعينيات، مجسدين تلاحم الشعوب وأواصر الشتات الإفريقي.
إن الحديث عن إدريس الأمير هو حديث عن أصالة الموروث، وعن فنان سخر قريحته لخدمة هوية منطقته وإثراء المكتبة السودانية بألحان لا تجود بها الأيام كثيراً. رحل الأمير، ولكن صداه ما يزال يتردد مع كل موجة تطرق شواطئ بورتسودان وسواكن، مذكرناً بأن الفن الصادق لا يموت، بل يتحول إلى ذاكرة تتوارثها الأجيال.


