حرب إقليم تيغراي مع الجيش الفدرالي الإثيوبي وتأثيراتها على السودان في ظل الحرب الدائرة القضارف: عبداللطيف خلف الله أحمد
يحتم علينا الواقع الذي يعيشه القرن الأفريقي القراءة السليمة والصحيحة لمعرفة أبعاد الصراع الذي تقوده قوى خارجية. ولعل ما يدعو للكتابة هي المناوشات والاحداث التي تشهدها إثيوبيا .
وبالرجوع إلى الوراء نجد أن الحرب التي اندلعت في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا في نوفمبر 2020 بين قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفدرالية بقيادة أبي أحمد شكلت نقطة تحول في القرن الأفريقي. ومع توقيع “اتفاقية بريتوريا” في نوفمبر 2022، لم تنتهِ تداعياتها، بل تزامنت مع اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع. هذا التقاطع الزمني خلق واقعاً جيوسياسياً وأمنياً وإنسانياً معقداً على الشريط الحدودي.
فالأسباب نتجت عن صراع على السلطة بين المركز الفدرالي وإقليم تيغراي، وخلافات حول ترسيم الحدود، ومسألة سد النهضة كخلفية إقليمية. وهذا ما خلّف وراءه مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 2 مليون داخلياً، وانهيار البنية التحتية. ورغم اتفاق السلام، لا تزال قضايا نزع السلاح، ووضع الأراضي المتنازع عليها في غرب تيغراي، وعودة النازحين عالقة.
هذا الصراع مع هشاشة الوضع الأمني الإثيوبي جعل السودان يواجه ضغطاً من الناحية الشرقية مع إثيوبيا. النزاع في تيغراي دفع بآلاف اللاجئين الإثيوبيين إلى شرق السودان – القضارف وكسلا – مما زاد العبء الأمني والإنساني. وبرغم ذلك استطاع السودان أن يتخطى هذه التحديات ويخلق وضعاً مناسباً لمقابلة تلك التحديات.
ومع هذه الفوضى في تيغراي استقبل السودان أكثر من 60 ألف لاجئ إثيوبي من تيغراي في معسكرات القضارف وكسلا. ومع اندلاع حرب السودان، وجد هؤلاء اللاجئون أنفسهم نازحين مرتين. جزء عاد لإثيوبيا، وجزء نزح داخل السودان، ما ضاعف الأزمة الإنسانية. والمنظمات الدولية والاقليمية لم تكن بقدر المسئولية فمثلت حلقة ضعيفة الاستجابة .
إلى جانب ذلك أدى التوتر إلى إغلاق جزئي لمعابر القلابات وهمشكوريب، مما انعكس ذلك علي الحركة الاقتصادية بين البلدين .
وهنا لابد أن نذكر البدائل اللوجستية. فإثيوبيا فقدت منافذها البديلة للواردات عبر ميناء عصب ومصوع خلال الحرب بورتسودان بسبب التوتر الذي تشهده العلاقة بين البلدين بسبب التدخل السافر لإثيوبيا في الحرب الدائرة في السودان وعليها أن تعيد التفكير في الخطوات التي تُساق إليها من قبل قوى تريد السيطرة على القرن الأفريقي والاستيلاء على الموارد فلم تكن دول المنطقة سهلة المنال.
كما أن ضعف الدولة الإثيوبية داخلياً قلل من قدرتها على التفاوض بمرونة فيما يلي سد النهضة، وزاد من تعنت الموقف بسبب التدخلات الخارجية التي تريد إشعال الحرب في المنطقة .
هذا بالإضافة إلى التأثير السياسي والدبلوماسي. فقدت إثيوبيا جاراً يمكن التنسيق معه لاحتواء الأزمات، وبدلاً من ذلك أصبحت أديس أبابا ساحة صراع وتجاذبات .
وللأسف لم يكن دور الإيقاد فعالاً في دعم استقرار القرن الأفريقي بسبب الانقياد الأعمى للمنظمة لأجندات خارجية، فأصبحت الإيقاد عبئاً ثقيلاً على المنطقة وزادت من حدة التوتر ومكّنت لظهور أطراف إقليمية جديدة تستثمر في ضعف دول المنطقة.
عودة الحرب في تيغراي يعني انهياراً كاملاً لاستقرار القرن الأفريقي وزيادة تدفق اللاجئين والسلاح.
نجاح اتفاق بريتوريا + انتصارات القوات المسلحة السودانية والقضاء على التمرد سينعكس على إعادة بناء التكامل الاقتصادي عبر شرق السودان.
الهدوء النسبي في تيغراي وحرب طويلة الأمد في الداخل الإثيوبي يشكل صغطا علي المتطقة وهذا قد يؤدي إلى بقاء الشرق السوداني منطقة عازلة مضطربة.
عموماً حرب تيغراي لم تكن حدثاً معزولاً عن المؤامرات ضد القرن الأفريقي. لقد كشفت أحداث إثيوبيا مدى هشاشة الأمن الإقليمي وتشابك المصائر بين دول المنطقة. واليوم والسودان يخوض معركة الكرامة، يصبح استقرار إثيوبيا – وخاصة تيغراي – مصلحة إثيوبية سودانية مباشرة. فأي اشتعال جديد هناك يعني مزيداً من اللاجئين والسلاح والضغط على الشرق الافريقي الذي أصلاً يستضيف نازحي الحروب الداخلية.
فأمن إثيوبيا يبدأ من استقرار الحدود، واستقرار الجوار يبدأ من إنهاء حروب الداخل .


