عبداللطيف السيدح يكتب غتغتة ودسديس، في عملية تعيين ملحق إداري جديد لمكتب حجاج السودان!!!

لماذا لم يعلن رسميا حتى الآن عن تعيين الكفاءة الجديدة التي ستتولى إدارة أخطر ملفات حجاج السودان بدء من موسم حج هذا العام 1448 هجرية، المهندس عصام محمد أحمد? ولماذا لم يكتب من أصدر القرار الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة، وهو زميل عزيز وصحفي محترف وخريج الإعلام القوي بجامعة أم درمان الإسلامية، خبرا من خمسة أسطر يبين فيه تكليف المهندس عصام بملف الملحقية الإدارية، إضافة لعمله كأمين عام للأوقاف السودانية بالمملكة العربية السعودية، ويرسله للقنوات الاعلامية الرسمية للدولة، سونا، الإذاعة، التلفزيون? .
أما الخبر المؤكد الذي لا تنتطح فيه عنزتان أنه تم تعيين ملحق إداري جديد رسميا بقرار ممهور بتوقيع الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة المكلف الدكتور حيدر محمد زين، وستتم عملية التسليم والتسلم بينه وبين سلفه خلال ثلاثة أيام فقط حسب منطوق القرار، ومن المتوقع أن يكون ذلك غدا الخميس بمباني القنصلية السودانية العامة بجدة وقد تم تشكيل لجنة مختلطة من مختصين قادمين من السودان، إضافة لآخرين هنا يرأسهم سعادة القنصل العام.
أما الملحق الإداري الجديد فأمامه ملفات ثقيلة ومتلتلة أعانه الله عليها، بدء من الترتيب لمناقشة المصفوفة مع مسؤولي وزارة الحج والعمرة السعودية، مرورا بحلحلة القضايا العالقة وتصفير مشاكل موسم الحج الماضي، كمستحقات أكثر من 200 شخص منهم أطباء من العمالة الموسمية، علاوة على حل مشكلة موظفي مكتب حجاج السودان المعلقة، والدخول في الترتيب والاستعداد المبكر للحج المقبل?.
لقد لازم منذ سنوات غياب الشفافية، وضمور المعلومة الرسمية، والتعامل مع الصحافة وكأنها جسم غريب ينبغي التحوط منه، ملف الحج، لذلك وفي هذه الأجواء ليس غريبا أن تنمو الإشاعة، ويتسع التشويش، وتصبح المعلومة الرسمية نفسها مادة للتكهنات والتأويلات.
لقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي خبر تعيين تعيين المهندس عصام محمد أحمد ملحقا إداريا أو منسقا مقيما لمكتب حجاج السودان، خلفا للدكتور عبدالعزيز الصادق. وقد كنت أول من إنفرد بنشر الخبر على صفحتي على “فيسبوك” بعد أن زودني بها مصدري الخاص، ثم سرعان ما تلقفت المنصات، والصحف الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي الخبر، وتبارت في نشره مع إضافات (التوم والشمار) لدرجة تغيير اللون والطعم والرائحة.
واللافت لم يكن انتشار الخبر، إنما الأسئلة التي انهالت عليّ من أشخاص يفترض أنهم ليسوا بعيدين عن دوائر العمل الرسمي!! ما مصدر القرار؟ ومن هى الجهة التي أصدرته؟ وهل تم أإعفاء الملحق الإداري السابق فعلا؟
والأكثر إثارة للحيرة أن بعض المتابعين أكدوا أن الملحق الإداري الذي قيل إنه أُعفي من منصبه لا يزال يمارس عمله بصورة طبيعية، وأنه لم يتسلم قراى إعفائه رسميا. وذهب آخرون في ظل غياب عدم إذاعة الخبر رسميا إلى الاجتهاد والفلسفة، وقال لي واحد منهم، أن الإعفاء، إن صدر، لن يكون من الجهة التي ينسب إليها القرار، وإنما من رئاسة مجلس الوزراء، وهنا يصبح السؤال مشروعا ومقلقا في آن واحد، هل نحن أمام إعفاء وتعيين؟ أم أمام تعيين مدير إداري ثان؟ أم أن القرار صدر ولم يكتمل مساره التنفيذي؟ لا أحد يعلم! وهنا تبرز مشكلة عدم الاشهار. لأن المسألة ليست في تعيين أو إعفاء، لكنها تتعلق بهيبة القرار الإداري، وانضباط الخدمة المدنية، ووضوح التسلسل المؤسسي.
فمن أبجديات الدولة أن يصدر القرار من الجهة المختصة، وأن يُبلغ إلى المعنيين، وأن يبدأ أثره التنفيذي بإذاعته عبر الوكالة الرسمية، ثم تُتاح المعلومة للرأي العام بالقدر الذي لا يتعارض مع مقتضيات العمل الرسمي.
أما أن يعرف الناس قرارا إداريا ، ثم يبحثون عن مصدره، ثم يسمعون أن المعفي من المنصب ما زال في موقعه، وأنه يحدث الناس بعدم استلامه لقرار، وأن الأمر لازال في طور التكهنات، وأن الجهة التي تعفيه هى وزارة شؤون مجلس الوزراء، فهذا يؤكد أن متخذ القرار يريد النجاح في إدارة للغموض، والأخطر أن هذا الغموض يفتح الباب واسعا أمام الإشاعة.
وعندما تغيب المعلومة الرسمية،لا تترك فراغا، لكنها تترك الفراغ للإشاعة كي تملأه.
يا صانعي القرارات في بلادنا لا تجعلوا الخدمة المدنية مسرحا للتكهنات، ولا تجعلوا القرارات الإدارية أسرارا تتداولها الأسافير.
إن احترام الموظف يبدأ بإبلاغه بقرار نقله أو إعفائه بصورة رسمية، واحترام الدولة يبدأ بأن يكون قرارها واضحاً ومعلوماً ونافذاً من الجهة المختصة.
أما «الغتغتة والدسديس» في القرارات، فهي لا تحمي الدولة من التشويش؛ بل تصنع التشويش بنفسها.
والبلد الذي يريد أن يبني دولة مؤسسات لا يجوز أن يظل مواطنوه يسألون: «القرار صدر ولا لسه؟ ومن أصدره؟ ومن المسؤول الآن؟»
هذه أسئلة صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف خللاً كبيراً في إدارة الدولة.
فإما قرار واضح.. أو لا قرار. وإما مؤسسة تتحدث باسمها.. أو فوضى تتحدث باسم الجميع.

