فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب المحاكمة الغيابية في القانون والقضاء السوداني والمعايير الدولية وحكم محكمة مكافحة الإرهاب ببورتسودان في قضية محمد حمدان دقلو (حميدتي) وآخرين(5)

أثارت المقالات السابقة حول المحاكمة الغيابية جملةً من التساؤلات التي تتجاوز حدود النص الإجرائي المجرد، من بينها السؤال عن مدى قدرة شخصٍ منخرط في نزاع مسلح، أو خارج عن سلطة الدولة المركزية، أو يقود قوة مسلحة تسيطر فعلياً على مناطق من إقليم الدولة، على المثول أمام المحكمة، وما إذا كان مجرد وجوده خارج نطاق السلطة الحكومية يكفي لاعتباره غير قادر على الحضور، أم أن الأمر يستلزم بحثاً واقعياً وإثباتياً في مدى توافر القدرة الفعلية والإرادة في المثول أو الامتناع عنه. ويتصل بذلك بصورة مباشرة بمفهوم المتهم الغائب والمتهم الهارب، وما إذا كان الهروب وصفاً يستخلص من مجرد الغياب، أم واقعة قانونية وإثباتية تقوم على العلم بالإجراءات، وتوافر القدرة الواقعية على الحضور، ثم اتجاه الإرادة إلى تفادي سلطة العدالة.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ضوء المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991م، التي جعلت حضور المتهم هو الأصل، وأجازت المحاكمة في غيبته في حالات استثنائية، من بينها حالة اتهامه بأي من الجرائم الموجهة ضد الدولة، إلى جانب الحالات الأخرى التي حددها النص. وهنا لا تعود المسألة مجرد سؤال: هل أجاز القانون المحاكمة الغيابية؟ وإنما تمتد إلى أسئلة أكثر عمقاً: ما المقصود بالغياب الذي يجيز الاستثناء؟ وهل يكفي وصف المتهم بأنه خارج سلطة الدولة؟ وما أثر كونه طرفاً في نزاع مسلح؟ وهل تتوافر لديه، رغم ذلك، قدرة فعلية على المثول؟ وكيف يثبت قصد الهروب أو الإفلات من العدالة؟
وتزداد المسألة تعقيداً عندما يكون المتهم من رعايا الدولة وحملة جنسيتها، ومنخرطاً في نزاع مسلح داخلي، أو قائداً لقوة مسلحة خارجة عن سلطة الدولة، وتنسب إليه جرائم جسيمة واسعة النطاق أو ممنهجة. ففي مثل هذه الحالة لا يستقيم افتراض أن الخروج عن سلطة الدولة يساوي تلقائياً استحالة المثول، كما لا يستقيم، في المقابل، اعتبار مجرد عدم الحضور دليلاً قاطعاً على الهروب. فالمعيار الأدق هو البحث في الوقائع: أين يوجد المتهم؟ ومن يسيطر على المكان الذي يوجد فيه؟ وما موقعه في القوة المسلحة؟ وما الوسائل المتاحة له للحركة والاتصال؟ وهل علم فعلاً بالإجراءات؟ وهل كان يستطيع، بصورة واقعية، الاستجابة لطلب العدالة؟ وهل كان عدم مثوله نتيجة ظرف قاهر خارج عن إرادته، أم نتيجة اختيار واعٍ للاستمرار خارج متناول السلطة القضائية؟
ومن هنا فإن تعذر المثول لا يساوي الغياب، والغياب لا يساوي الهروب، والخروج عن سلطة الدولة لا يساوي انعدام القدرة على المثول. وفي المقابل، فإن ثبوت العلم بالإجراءات، وتوافر القدرة الفعلية على الحضور، ثم الامتناع الإرادي والمتعمد عن المثول، قد يؤسس، متى ثبتت عناصره، لوصف المتهم بالهارب. وهذه ليست أوصافاً لغوية، وإنما مسائل ذات أثر مباشر في مشروعية الانتقال من أصل المحاكمة الحضورية إلى استثناء المحاكمة الغيابية.
ومن زاوية نظرية الإثبات المعاصرة، تصبح هذه المسألة أكثر أهمية؛ لأن المحكمة لا ينبغي أن تنتقل مباشرة من واقعة (غياب المتهم) إلى نتيجة (هروبه)، وإنما عليها أن تفصل إثباتياً بين وقائع متمايزة: واقعة الغياب، والعلم بالإجراءات، والقدرة الفعلية على المثول، وسبب عدم الحضور، واتجاه الإرادة إلى تفادي العدالة. ثم يأتي بعد ذلك سؤال مختلف تماماً يتعلق بثبوت الجريمة والمسؤولية الجنائية. فإثبات الهروب، حتى لو ثبت، لا يشكل دليلاً بذاته على ارتكاب الجريمة، كما أن غياب المتهم لا يجوز أن يخفض معيار الإثبات أو ينقل عبء إثبات الاتهام إليه. وكلما ضعفت المواجهة بسبب غيابه، ازدادت الحاجة إلى صرامة اختبار الأدلة ومصادرها وموثوقيتها وتساندها.
وفي هذا السياق تحديداً تفرض نفسها واقعة المحاكمة التي جرت أمام محكمة الإرهاب في بورتسودان ضد قيادات من مليشيا الدعم السريع، وما أثارته من أسئلة تتعلق بقيمة وجدوى المحاكمة الغيابية في ظل نزاع مسلح مستمر، وبمدى استيفاء شروطها القانونية والإجرائية، وبطبيعة الأدلة التي يمكن أن تبني عليها المحكمة قناعتها في غياب المتهمين، وبمدى توافر العلم بالإجراءات والقدرة على المثول، ثم بما يترتب على الحكم من آثار قانونية وعملية.
ومن هنا لا ينبغي أن ينحصر السؤال في (هل كان يجوز للمحكمة أن تحاكمهم غيابياً؟)، وإنما ينبغي أن يتسع إلى سؤال أكثر جوهرية: ما القيمة القانونية والقضائية لحكم غيابي يصدر في مواجهة متهمين منخرطين في نزاع مسلح، خارج سلطة الدولة، ومتهمين بجرائم جسيمة واسعة النطاق أو ممنهجة، إذا لم يكن الحكم قابلاً للتنفيذ فوراً؟ وهل تكفي قيمته في تثبيت المسؤولية الجنائية قضائياً، وحفظ الأدلة، وتحديد الوقائع، ومنع تقادم الذاكرة القضائية، وتهيئة الطريق أمام القبض على المتهمين ومحاكمتهم حضورياً مستقبلاً، أم أن غيابهم يجعل الحكم، في بعض جوانبه، عاجزاً عن تحقيق الغاية الكاملة للمحاكمة الجنائية؟
وهنا تتصل جدوى المحاكمة الغيابية بوظيفتها في منظومة العدالة لا بمجرد صدور حكم بالإدانة. فقد تكون للمحاكمة قيمة في توثيق الوقائع، واختبار الأدلة، وتحديد المسؤوليات، وحماية حقوق الضحايا، ومنع إفلات الجرائم الجسيمة من الملاحقة بسبب هروب المتهم أو استمرار النزاع. لكنها لا تستمد مشروعيتها من خطورة الاتهام وحدها؛ بل من استيفائها شروط المحاكمة العادلة، واستقلال المحكمة، وفعالية الدفاع، وسلامة إجراءات الإعلان، وصرامة الإثبات، ووجود إطار قانوني واضح لما يترتب على الحكم الغيابي من آثار، وما إذا كان يظل قابلاً للمراجعة أو إعادة المحاكمة عند ظهور المتهم.
وعليه، فإن النقاش حول محاكمة قيادات الدعم السريع غيابياً، لا ينبغي أن يتحول إلى موقف مسبق مؤيد للمحاكمة أو رافض لها بسبب الموقف من الحرب أو من أطراف النزاع. فالسؤال القانوني الأعمق هو: هل استوفت المحاكمة شروط الاستثناء الذي أجازه القانون، وهل أمكن إثبات أن الغياب يبرر المضي فيها، وهل بقيت ضمانات الدفاع والإثبات والمحاكمة العادلة قائمة، وما القيمة التي يمكن أن ينتجها الحكم في مواجهة متهم لم يمثل أمام المحكمة؟
وهذه الأسئلة تعيدنا إلى جوهر المسألة التي أثارتها المقالات السابقة: المحاكمة الغيابية ليست مجرد استثناء من حضور المتهم، وإنما استثناء من الطريقة الطبيعية لإنتاج الحقيقة القضائية. ولذلك فإن مشروعيتها لا تقاس فقط بالنص الذي يسمح بها، وإنما كذلك بكيفية تطبيقه، وبمدى قدرة المحكمة على تعويض غياب المواجهة بضمانات إجرائية وإثباتية أكثر صرامة، وبقدرتها على الفصل بين مقتضيات العدالة في زمن الحرب وبين خطر تحويل القضاء الجنائي إلى امتداد للخصومة السياسية. ومن هنا يصبح البحث في المادة (134) اجراءات جنائية وفي تجربة محكمة الإرهاب ببورتسودان مدخلاً أوسع إلى سؤال جوهري: كيف يمكن للعدالة الجنائية السودانية أن تواجه الجرائم الجسيمة في زمن الحرب دون أن تجعل من غياب المتهم سبباً لتعطيل العدالة، ودون أن تجعل من المحاكمة الغيابية طريقاً مختصراً إلى إدانة لا تستوفي شروط المحاكمة العادلة؟
(أولاً) المحاكمة الغيابية في سياق الحرب السودانية:
——————————–
تزداد إشكالية المحاكمة الغيابية تعقيداً في ظل الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023م؛ إذ لم يعد غياب المتهم بالضرورة نتيجةً للفرار من العدالة، فقد يكون وليد ظروف الحرب والنزوح أو اللجوء، أو وجوده في منطقة خارجة عن السيطرة الفعلية للدولة، أو انقطاع وسائل الاتصال والوصول إلى جهات العدالة، أو ارتباطه بأحد أطراف النزاع المسلح. ومن ثم، فإن مجرد عدم المثول أمام المحكمة لا يكفي، في سياق الحرب، لاستخلاص قصد الهروب أو التهرب من العدالة، وإنما يتعين التحقق، على نحو مستقل، من علم المتهم بالإجراءات، وقدرته الفعلية على المثول، وسبب غيابه، واتجاه إرادته، والظروف الموضوعية المحيطة بعدم حضوره. وهذه ليست مسائل تمهيدية أو أوصافاً إجرائية عابرة، وإنما وقائع إثباتية سابقة ولازمة لتقرير مشروعية السير في المحاكمة غيابياً؛ إذ ينبغي للمحكمة أن تثبتها وتقدرها قبل الانتقال إلى بحث الوقائع الموضوعية المكونة للجريمة ونسبة المسؤولية الجنائية إلى المتهم. وبذلك يصبح تحديد طبيعة الغياب ذاته جزءاً من موضوع الإثبات الإجرائي في المحاكمة الغيابية، لا نتيجةً مفترضة تستخلص من مجرد عدم الحضور.
غير أن تعقيدات الحرب، في المقابل، لا يجوز أن تتحول إلى سبب لتعطيل العدالة إلى أجل غير محدد، ولا سيما في الجرائم الجسيمة التي تمس حياة الأشخاص وسلامتهم، أو تنال من المؤسسات العامة والنظام الدستوري، أو تنطوي على انتهاكات واسعة النطاق أو ممنهجة في سياق النزاع المسلح. ومن ثم، يظل التحدي القانوني متمثلاً في إقامة تمييز دقيق بين الغياب الإرادي الذي يتجه فيه المتهم، عن علم وقدرة، إلى تفادي سلطة العدالة، وبين الغياب القهري الذي تحول فيه ظروف موضوعية خارجة عن إرادته دون المثول أمام المحكمة. ويقتضي ذلك ألا تُستخلص إرادة الهروب من مجرد الغياب، وألا تُتخذ جسامة الاتهام أو خطورة الجرائم المنسوبة إلى المتهم دليلاً بذاتها على هروبه أو على ثبوت مسؤوليته الجنائية؛ إذ يظل لكل من مشروعية السير في المحاكمة غيابياً وإثبات الجريمة ونسبة المسؤولية نطاقه الإثباتي المستقل.
(ثانياً) القدرة الفعلية على المثول أمام المحكمة في سياق النزاع المسلح:
———————————-
تثير عبارة (القدرة الفعلية على المثول امام المحكمة) إشكالية خاصة في سياق النزاعات المسلحة، إذ لا يكفي لانتفاء هذه القدرة أن يكون المتهم خارج إقليم الدولة أو في منطقة لا تمتد إليها سلطتها الفعلية. فالقدرة على المثول ليست مجرد إمكانية جغرافية للوصول إلى المحكمة، وإنما هي حالة مركبة تتصل بقدرة المتهم الواقعية والإرادية والقانونية على الاستجابة لإجراءات العدالة. ومن ثم، ينبغي التمييز بين من يحول النزاع المسلح أو الظروف القاهرة دون وصوله إلى المحكمة، وبين من يوجد خارج سلطة الدولة بإرادته، أو يمارس سلطة فعلية على قوة مسلحة أو إقليم، أو يمتلك وسائل الحركة والاتصال والوصول، ولكنه يمتنع عن المثول ويتخذ من وضعه خارج سلطة الدولة وسيلة للحيلولة دون خضوعه للعدالة.
وتصبح المسألة أكثر دقة عندما يكون المتهم نفسه طرفاً في النزاع المسلح أو قائداً لقوة مسلحة، وتنسب إليه جرائم واسعة النطاق أو ممنهجة بحق المدنيين أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة. ففي هذه الحالة لا يستقيم افتراض أن مجرد وجوده خارج نطاق السلطة الحكومية يعني تلقائياً انعدام قدرته على المثول؛ فقد يكون خروجه عن سلطة الدولة هو نتيجة فعلية لممارسته سلطة منافسة أو مسلحة، وقد تكون له، بحكم موقعه ونفوذه ووسائل الحماية والحركة المتاحة له، قدرة عملية على اتخاذ قرار المثول أو الامتناع عنه. ومن ثم، فإن معيار القدرة الفعلية يجب أن يبحث في الوقائع التي تكشف عن طبيعة السيطرة التي يمارسها المتهم، ووسائل انتقاله واتصاله، وإمكان وصوله إلى جهة العدالة، ومدى خضوعه فعلياً لسلطة أخرى تحول دون ذلك، وما إذا كان عدم مثوله نتيجة عائق موضوعي خارج عن إرادته أم نتيجة قرار واعٍ بالبقاء بعيداً عن متناول العدالة.
ولا يجوز، في المقابل، أن تتحول جسامة الجرائم المنسوبة إلى المتهم إلى قرينة على قدرته على المثول، كما لا يجوز أن يتحول خروجه عن سلطة الدولة إلى قرينة تلقائية على هروبه. فكل منهما يحتاج إلى إثبات مستقل. إلا أن الانخراط في نزاع مسلح، أو السيطرة الفعلية على قوات أو مناطق، قد يكون من الوقائع ذات الدلالة في تقدير القدرة على المثول، لا بوصفها دليلاً قائماً بذاته على الهروب، وإنما باعتبارها عنصراً من عناصر التقييم الموضوعي للقدرة والإرادة.
ومن منظور نظرية الإثبات المعاصرة، فإن (القدرة الفعلية على المثول) ليست حقيقة تُفترض، وإنما هي واقعة إثباتية مركبة ينبغي أن تُستخلص من مجموعة من القرائن والوقائع المتساندة: مكان وجود المتهم، وطبيعة السيطرة القائمة على ذلك المكان، وموقعه في الهيكل العسكري أو السياسي، ووسائل الاتصال والحركة المتاحة له، وإمكان وصوله إلى ممثليه القانونيين، وما إذا كان قد تلقى إخطاراً بالإجراءات، وما إذا كان قد أعلن موقفاً صريحاً من المثول أو امتنع عنه رغم إمكانه. ولا ينبغي لأي عنصر منفرد من هذه العناصر أن يحسم المسألة بمعزل عن بقية الأدلة.
وهنا تظهر نقطة مهمة جداً في سياق الحرب السودانية: فالمعيار لا ينبغي أن يكون: هل يستطيع المتهم أن يصل إلى المحكمة سيراً أو بوسيلة نقل؟ وإنما السؤال الإثباتي الأدق هو:(هل كان ثمة عائق موضوعي وقاهر يحول دون مثول المتهم، أم أن عدم المثول كان نتيجة وضع اختاره المتهم أو حافظ عليه بإرادته، رغم توافر وسائل واقعية وقانونية تمكنه من الاستجابة للعدالة؟).
وبذلك يمكن وضع المسألة ضمن ثنائية أكثر دقة:
تعذر المثول ≠ الغياب.
الغياب ≠ الهروب.
الخروج عن سلطة الدولة ≠ انعدام القدرة على المثول.
والقدرة على المثول + العلم بالإجراءات + الامتناع الإرادي = عناصر يمكن أن تؤسس، متى ثبتت، لوصف
الهروب.
أي بمعنى، تعذر المثول لا يساوي مجرد الغياب؛ فقد يكون المتهم غائباً عن المحكمة، ولكن غيابه لا يرجع إلى استحالة أو تعذر حضوره، كما أن مجرد الغياب لا يكفي بذاته لوصفه بالهارب. فالهروب وصف قانوني وواقعة إثباتية تتطلب أكثر من مجرد عدم الظهور أمام المحكمة، إذ تستلزم التحقق من ظروف الغياب وسببه ومدى علم المتهم بالإجراءات واتجاه إرادته.
كذلك، فإن الغياب لا يساوي الهروب؛ فقد يغيب المتهم بسبب عدم علمه بالدعوى، أو بسبب ظروف قاهرة تحول دون وصوله إلى جهة العدالة، أو بسبب وجوده في منطقة حرب أو منطقة لا تمتد إليها سلطة الدولة. وفي مثل هذه الحالات لا يجوز استخلاص قصد الإفلات من العدالة من مجرد عدم الحضور، وإنما يتعين إثبات الوقائع التي تكشف عن التعمد والإرادة.
وفي المقابل، فإن الخروج عن سلطة الدولة لا يعني بالضرورة انعدام القدرة على المثول. فقد يكون المتهم خارج الإقليم أو في منطقة لا تخضع لسيطرة الدولة، ومع ذلك تكون له، بحكم موقعه أو نفوذه أو سيطرته على قوة مسلحة أو منطقة معينة، وسائل فعلية للحركة والاتصال واتخاذ القرار. ولذلك، فإن معيار القدرة على المثول لا يقاس بمجرد خضوع مكان وجود المتهم لسلطة الدولة، وإنما بمدى توافر إمكانية واقعية وفعلية لديه للاستجابة لإجراءات العدالة.
وعليه، فإن القدرة الفعلية على المثول، مقترنة بالعلم بالإجراءات، ثم الامتناع الإرادي والمتعمد عن الحضور أو اتخاذ موقف يقصد به الإفلات من سلطة العدالة، يمكن أن تشكل، متى ثبتت وقائعها، أساساً قانونياً لوصف المتهم بالهارب. أما إذا انتفت القدرة الفعلية بسبب ظروف قاهرة خارجة عن إرادته، فلا يصح استخلاص الهروب من مجرد عدم المثول.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة في النزاع المسلح؛ إذ لا يجوز أن تتحول حالة الحرب أو خروج بعض المناطق عن سيطرة الدولة إلى قرينة تلقائية على الهروب، كما لا يجوز في المقابل أن تتحول السيطرة المسلحة أو الخروج الإرادي عن سلطة الدولة إلى حصانة واقعية من المثول أمام العدالة. ومن منظور نظرية الإثبات المعاصرة، تظل كل واقعة من هذه الوقائع ــ الغياب، وتعذر المثول، والقدرة على الحضور، والعلم بالإجراءات، وقصد الإفلات من العدالة ــ مسألة مستقلة ينبغي إثباتها وتقييمها في سياقها، دون الخلط بينها أو تحويل إحداها إلى قرينة قاطعة على الأخرى.
أما إذا كان المتهم يسيطر فعلياً على قوة مسلحة أو إقليم، ولا يخضع لسلطة الدولة، فإن هذه الوقائع لا ينبغي أن تؤدي إلى إعفائه تلقائياً من المحاكمة، بل تطرح سؤالاً مختلفاً: هل أصبح عدم المثول نتيجة لعجز حقيقي عن الوصول إلى العدالة، أم أن السيطرة المسلحة نفسها هي التي توفر له القدرة على الإفلات منها؟
وهذا التفريق مهم جداً في نظرية الإثبات المعاصرة؛ لأن المحاكمة الغيابية لا ينبغي أن تعاقب المتهم على مجرد كونه في منطقة نزاع، وإنما ينبغي أن تواجه، بالدليل، حالة الإفلات الإرادي من سلطة العدالة. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول حالة النزاع المسلح أو السيطرة على إقليم إلى حصانة واقعية تمنع الدولة من ممارسة اختصاصها القضائي، خصوصاً في الجرائم الجسيمة واسعة النطاق أو الممنهجة، متى توافرت الأسس القانونية للملاحقة وضمانات المحاكمة العادلة.
(ثالثاً) المحاكمة الغيابية من منظور نظرية وعلم الإثبات المعاصر:
———————————-
الأهم أن كل ما يتعلق بتدابير المحاكمة الغيابية، أن لا يمس قرينة البراءة، ولا يجوز أن تختلط فيه المسألة الإجرائية بالمسألة الموضوعية؛ فإثبات هروب المتهم، أو علمه بالإجراءات، أو قدرته على المثول، إنما يتعلق بالسؤال السابق على المحاكمة: هل توافرت الشروط التي تجيز للمحكمة أن تمضي في الدعوى رغم غيابه؟ أما السؤال الآخر، وهو: هل ارتكب المتهم الجريمة؟، فهو سؤال موضوعي مستقل لا تجيب عنه واقعة الغياب ولا واقعة الهروب، وإنما يتطلب إثباتاً مستقلاً لعناصر الجريمة والمسؤولية الجنائية وفق معيار الإثبات المقرر قانوناً.
ومن هنا تتصل المحاكمة الغيابية اتصالاً مباشراً بنظرية وعلم الإثبات المعاصر؛ لأن غياب المتهم لا يمثل مجرد حالة إجرائية، وإنما يؤثر في بيئة إنتاج المعرفة القضائية واختبارها. فالمحكمة الجنائية ليست مستودعاً للأدلة تُلقى فيه المعلومات والوثائق والشهادات ثم تستخرج منه الإدانة، وإنما هي، في جوهر وظيفتها، معمل لاختبار الأدلة؛ تُفحص فيه مصادرها، وتُختبر موثوقيتها، وتُناقش دلالتها، وتُقارن بغيرها، وتُختبر قدرتها على الصمود أمام التفسيرات والفرضيات البديلة، ثم تُبنى النتيجة القضائية على ما يثبت بعد هذه العملية، لا على مجرد وجود مواد أو معلومات في ملف الدعوى.
وفي المحاكمة الحضورية تعمل هذه الآلية الاختبارية في بيئة أكثر اكتمالاً؛ إذ تُعرض الأدلة، ويُتاح للدفاع مناقشتها، واستجواب الشهود ومواجهتهم، والطعن في مصادرها، وتقديم روايات بديلة، وكشف أوجه التناقض أو القصور فيها، ومناقشة الخبراء، وفحص المستندات والمواد الرقمية، ثم تزن المحكمة الأدلة في سياقها الكلي. أما في المحاكمة الغيابية، فإن غياب المتهم ودفاعه الشخصي قد يؤدي إلى فقدان جزء من هذه الآلية؛ ولذلك لا ينبغي أن يُنظر إلى غيابه باعتباره مجرد فراغ في قاعة المحكمة، وإنما باعتباره نقصاً في إحدى آليات اختبار الدليل، يتعين على المحكمة أن تعوض أثره بتشديد منهجها في الفحص والتقييم والتسبيب.
ومن هنا تبرز قاعدة منهجية مركزية في نظرية الإثبات المعاصرة: كلما ضعفت المواجهة، وجب أن تزداد صرامة اختبار الدليل. ولا تعني هذه القاعدة إنشاء معيار إثبات أدنى أو أعلى بحسب حضور المتهم أو غيابه، وإنما تعني أن المحكمة، وهي تطبق معيار الإثبات ذاته، مطالبة بأن تكون أكثر صرامة في اختبار الأدلة التي لم تتح للمتهم فرصة مناقشتها ومواجهتها. فغياب المواجهة لا يعالج بمرونة في قبول الدليل، وإنما بمزيد من التدقيق في مصدره، وطريقة الحصول عليه، وسلامة حفظه، وسلسلة حيازته، واستقلاله، واتساقه الداخلي والخارجي، وتعضيده بأدلة مستقلة، وقدرته على تفسير الوقائع مقارنة بالفرضيات البديلة.
وبهذا المعنى، فإن المحكمة في المحاكمة الغيابية لا ينبغي أن تسأل فقط: هل توجد أدلة تؤيد الاتهام؟، وإنما عليها أن تسأل بصورة أكثر عمقاً: ما الذي يجعل هذه الأدلة موثوقة؟ وهل مصدرها مستقل؟ وهل يمكن تفسيرها تفسيراً آخر؟ وهل تتساند الأدلة بعضها مع بعض أم أنها تعيد إنتاج المصدر ذاته في صور متعددة؟ وهل تكفي لإثبات كل عنصر من عناصر الجريمة، ثم لإسناد المسؤولية الفردية إلى المتهم تحديداً؟ فوجود عدد كبير من الأدلة لا يعني بالضرورة قوة الإثبات، كما أن تعدد الوثائق أو الشهادات لا يعوض ضعف مصدرها إذا كانت جميعها تستند إلى أصل واحد غير مختبر.
وتزداد أهمية ذلك في سياق الحرب والنزاعات المسلحة؛ إذ تتداخل المعلومات الاستخبارية مع المعلومات الإعلامية، والشهادة المباشرة مع الشهادة المنقولة، والصورة الأصلية مع المادة الرقمية المعاد نشرها، والواقعة الموثقة مع الرواية السياسية، وقد تتعدد الروايات المتعارضة حول الواقعة الواحدة. ولذلك لا يجوز للمحكمة أن تتعامل مع كل ما يصل إليها باعتباره دليلاً مكتملاً، وإنما ينبغي أن تميز بين المعلومة التي تصلح لتوجيه التحقيق، والدليل الذي يصلح لإثبات الواقعة أمام القضاء. فالمعلومة الأولية قد تكون ذات قيمة استخبارية أو تحقيقية كبيرة، لكنها لا تتحول لمجرد إدراجها في ملف الدعوى إلى دليل قضائي مكتمل الحجية.
ويقتضي ذلك إخضاع الأدلة الرقمية، والتسجيلات، والصور، ومقاطع الفيديو، وبيانات الاتصالات، والمصادر المفتوحة، والشهادات، والتقارير الفنية، وغيرها من مواد الإثبات، إلى اختبار مصدرها وسلامتها وسياقها وتاريخها وإمكان التلاعب بها واستقلال وسائل التحقق منها، فضلاً عن مقارنتها بمصادر أخرى مستقلة. وهنا يظهر جوهر علم الإثبات المعاصر: ليست قيمة الدليل فيما يقوله وحده، وإنما فيما يستطيع أن يصمد أمام عملية الاختبار المنهجي التي تجريها المحكمة.
وتتضاعف هذه المسؤولية عندما تتعلق الدعوى بجرائم واسعة النطاق أو ممنهجة ارتكبت في سياق نزاع مسلح؛ إذ لا يكفي إثبات وقوع المجازر أو الانتهاكات أو وجود نمط إجرامي واسع، وإنما يجب الانتقال إثباتياً من إثبات الحدث إلى إثبات الإسناد، ومن إثبات النمط إلى إثبات الصلة، ومن إثبات وقوع الجريمة إلى إثبات المسؤولية الفردية. فلا يجوز أن تتحول جسامة الجرائم أو بشاعتها إلى بديل عن إثبات مسؤولية المتهم، كما لا يجوز أن يتحول موقعه السياسي أو العسكري أو القيادي، بذاته، إلى دليل مكتمل على ارتكابه أو مسؤوليته عن كل فعل وقع في نطاق النزاع.
وهنا تتضح أهمية الفصل بين مستويات الإثبات المختلفة: فقد تكون هناك أدلة تثبت أن جريمة وقعت، وأدلة تثبت انتشارها أو تكرارها، وأدلة تشير إلى وجود تنظيم أو نمط مشترك، لكن الانتقال من هذه المستويات إلى إسناد المسؤولية الجنائية إلى شخص بعينه يحتاج إلى حلقة إثبات مستقلة ومحددة. فالمحكمة لا تبني حكمها على الصورة العامة للجريمة، وإنما على ما ثبت بالنسبة إلى المتهم تحديداً، وعلى العلاقة القانونية والواقعية بينه وبين الفعل أو السلوك الذي تقوم عليه مسؤوليته الجنائية.
ومن هذه الزاوية أيضاً، لا يجوز أن يتحول إثبات الهروب إلى قرينة على ارتكاب الجريمة. فالهروب، متى ثبت، قد تكون له آثاره الإجرائية التي يقررها القانون، لكنه لا يملأ الفراغ الإثباتي في عناصر الجريمة. وكذلك فإن ثبوت قدرة المتهم على المثول، أو خروجه عن سلطة الدولة، أو علمه بالإجراءات، لا يثبت بذاته ارتكاب الجريمة. فهذه وقائع قد تدخل في إثبات مشروعية السير في المحاكمة غيابياً، لكنها تظل منفصلة عن إثبات المسؤولية الجنائية الموضوعية.
وتتضح هنا بصورة خاصة أهمية التمييز بين تعذر المثول، والغياب، والهروب. فتعذر المثول قد يكون نتيجة ظرف قهري، والغياب قد تكون له أسباب متعددة، أما الهروب فهو واقعة تتطلب إثباتاً لعناصرها الواقعية والقصدية. وفي سياق النزاع المسلح، لا يكفي القول إن المتهم خارج إقليم الدولة أو خارج نطاق سيطرتها الفعلية، بل ينبغي فحص الوقائع التي تكشف عن قدرته الواقعية على المثول، وعلمه بالإجراءات، واتجاه إرادته إلى تفادي سلطة العدالة. وفي المقابل، إذا ثبت أن شخصاً خرج عن سلطة الدولة بإرادته، وكان طرفاً في النزاع المسلح، واستمر في أفعال مرتبطة بالنزاع أو في ارتكاب جرائم جسيمة، فإن هذه الوقائع قد تكون ذات أهمية في تقدير وضعه الإجرائي، ولكنها لا تعفي المحكمة كذلك من إثبات كل واقعة لازمة للحكم بإدانته.
ومن ثم فإن المحكمة في المحاكمة الغيابية تتحمل عبئاً منهجياً مضاعفاً: فهي لا تملك رفاهية اعتبار ملف الاتهام حقيقة مكتملة لمجرد غياب من يناقشه، وإنما عليها أن تتحول من مجرد مستقبِل للبينات إلى مختبر قضائي لها. عليها أن تفصل بين الدليل والمعلومة، وبين القرينة والاستنتاج، وبين الواقعة المثبتة والفرضية، وبين النمط العام والمسؤولية الفردية، وأن تكشف في تسبيب حكمها كيف انتقلت من المادة الأولية إلى الدليل، ومن الدليل إلى الواقعة، ومن الوقائع إلى الفرضية الراجحة، ومن ثم إلى النتيجة التي تستوفي معيار الإثبات .

