كيفا.. د. غالب محمد طه يكتب كم مثل عبدالله بدوي والعم شبو يمشي بيننا؟

قبل أن يكتب المؤرخ تاريخنا، علينا أن ننقذ مصادره
جمعتني بالعم عبدالله بدوي مؤخرًا مكالمة هاتفية، ولم أكن قد التقيته شخصيًا من قبل. لكن منذ المكالمة الأولى بيننا شعرت أن بيننا أشياء مشتركة، وأن الحديث معه كان مألوفًا على نحو يصعب تفسيره بين شخصين لم يلتقيا من قبل. ثم استمر تواصلنا عبر الواتساب.
قبل فترة أرسلت إليه أحد مقالاتي عن الذكاء الاصطناعي. شكرني عبدالله وقال لي إنه كان يسمع كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي، لكنه لم يكن قد أدرك اتساع هذا العالم الجديد وما يمكن أن يفعله.
لم أكن أعرف وقتها أن ذلك المقال سيقودني، بطريقة غير مباشرة، إلى قصة أخرى تمامًا.
بعدها أرسل لي العم عبدالله رسالة من جزأين كتبها قبل فترة في منتدى يجمع زملاء دفعته، يحكي فيها عن جده الشيخ العلامة، وعن موقفين نادرين جدًا في حياته: مرة رآه فيها يضحك، ومرة رآه فيها يبكي.
قرأت القصة، ثم عدت إليها مرة أخرى.
شدني فيها ذلك الطفل الذي كان يخاف من الجن والدقر وود الدلم، ويركب خلف جده على ظهر الحمار، بينما الغروب ينسحب خلف الجبال، والشيخ يقرأ بصوت خافت. ثم جاءت تلك اللحظة التي توقف فيها الجد، فقال له الطفل الخائف: «جدي ليه وقفت ما تقرا؟».
فضحك الجد.
ضحكة ظل عبدالله يتذكرها عشرات السنين.
ثم في الجزء الثاني رأيته يبكي.
هذه المرة لم يكن طفلًا يركب خلف جده. كان شابًا، وكان جده قد تقدم به العمر، وجاء من قرقود إلى العزاء مشيًا، حتى وصل متعبًا، ثم سأل عن ابنتيه، وحين حضرتا احتضنهما وبكى.
توقفت طويلًا عند هذه القصة.
ليس لأنها قصة جميلة فقط، وإنما لأنني شعرت أن العم عبدالله لم يكن يروي لنا قصة جده وحده. كان يفتح نافذة صغيرة على عالم كامل مضى.
عالم القرى، والخلاوي، والعلاقات الأسرية، وطريقة الناس في الحزن والفرح، وهيبة الجد، وخوف الأطفال من الحكايات التي كانت تنقلها الحبوبات، وحتى تلك الكلمات التي ربما لا يعرف معناها اليوم إلا أبناء المنطقة.
لكن القصة كانت موجودة في منتدى خاص بزملاء دفعته.
وهنا بدأت أفكر: كم قصة مثل هذه بقيت في مجموعات صغيرة، أو في جلسات عائلية، أو في ذاكرة أصحابها فقط؟ وكم طالبًا أو باحثًا يمكن أن يحتاج إليها يومًا وهو يبحث عن تفاصيل الحياة في منطقة من مناطق السودان؟
وفي اليوم التالي تقريبًا، جلست في منزل الدكتور محمد أبوغزالي لمعايدته والاطمئنان عليه، وكان بين الحاضرين العم شبو.
وكأنني فتحت له صندوقًا أسود.
بدأ يتحدث.
ذكريات سياسية، واجتماعية، ونقابية. أسماء وأحداث ومواقف وشخصيات وعلاقات. أشياء لا أعرف أين يمكن أن نجدها مكتوبة بالصورة نفسها، ولا أعرف كم شخصًا آخر يحمل مثل هذه الذاكرة.
وفي الجلسة نفسها كان هناك عدد من الأصدقاء. وفي أثناء الحديث تداعت لهم ذكريات ثورة 2019.
لم أشارك في النقاش. كنت أستمع.
كان النقاش محتدمًا، وكل واحد منهم يحاول أن يثبت وجهة نظره، مستندًا إلى ما عاشه ورآه وسمعه بنفسه. لم يكن أحد منهم يتحدث عن تاريخ بعيد؛ كانوا يتحدثون عن حدث عاشوه جميعًا، ومع ذلك بدت لكل واحد منهم روايته الخاصة.
وأنا أستمع إليهم، جاءني سؤال آخر:
إذا كنا نختلف بهذه القوة حول حدث عشنا تفاصيله بأعيننا، فكيف سنكتب عنه بعد ثلاثين عامًا؟
ماذا سيبقى من روايات هؤلاء الشهود؟ ومن سيعرف أين تنتهي الذاكرة الشخصية وتبدأ رواية الحدث؟
خرجت من الجلسة وأنا أفكر في العم عبدالله والعم شبو معًا.
ثم جاء السؤال بصورة أكثر إلحاحًا:
كم مثل العم عبدالله بدوي والعم شبو يمشي بيننا؟
كم رجلًا وامرأة في السودان يحملون في ذاكرتهم تاريخ قرية أو مدينة أو مؤسسة أو نقابة أو حركة اجتماعية أو مرحلة سياسية، دون أن يفكر أحد في الجلوس إليهم وتسجيل ما يعرفونه؟
نحن نعرف قيمة الوثيقة، ونبحث عن الكتب القديمة والصحف والمذكرات والسجلات.
لكن هناك وثائق تمشي على قدمين.
رجل عاش الحدث.
امرأة عاشت التحول.
معلم يتذكر كيف كانت المدارس.
نقابي يعرف كيف كانت النقابات تعمل.
صحفي عاش مرحلة سياسية معينة.
مزارع يعرف كيف تغيرت الأرض والمياه والمحاصيل.
وسيدة كبيرة تحفظ أسماء الأسر والبيوت والقصص التي لا توجد في أي سجل رسمي.
هؤلاء ليسوا مجرد كبار سن لديهم ذكريات.
هؤلاء جزء من أرشيف السودان.
وقد فكرت في ذلك وأنا أتابع حلقات سيد جبيل مع الدكتور إبراهيم العسال، وكيف يعودان إلى الروايات التاريخية، ويتوقفان عند مصادرها، ويقارنان بينها، ويسألان عن رواة الرواية وسياقها وما يمكن الوثوق به.
فقلت لنفسي: نحن أيضًا لدينا روايات حية أمامنا.
لكن الفرق أن أصحابها ما زالوا بيننا.
اليوم يمكن أن نجلس إلى رجل عاش حدثًا سياسيًا قبل خمسين عامًا، أو امرأة عاشت تحولات اجتماعية كبيرة، ونسجل شهادتها بالصوت والصورة.
لا يعني ذلك أن نضع كلامها مباشرة في كتب التاريخ باعتباره الحقيقة النهائية.
فالذاكرة تخطئ، وقد تنسى، وقد تختلط عليها السنوات، وقد ينظر الإنسان إلى الماضي من موقعه الحالي.
لكن هذا كله لا يقلل من قيمتها.
بل يجعل تسجيلها أكثر أهمية.
نسجل الرواية، ثم يأتي المؤرخ فيفحصها، ويقارنها بالوثيقة والصحيفة والصورة وروايات الآخرين.
المشكلة الحقيقية أننا أحيانًا نطلب من المؤرخ أن يكتب تاريخًا لم نحفظ مواده الأولية.
ولعل السودان يعرف اليوم معنى ضياع الذاكرة أكثر من أي وقت مضى.
الحرب لم تأخذ أرواحًا وبيوتًا فقط.
أخذت معها أوراقًا وصورًا ومكتبات ووثائق، وفرقت الأسر، وأخرجت الناس من قراهم ومدنهم، وجعلت كثيرًا من السودانيين يعيشون بعيدًا عن الأماكن التي صنعت ذاكرتهم.
هناك من نزح من قريته ولا يعرف متى سيعود.
وهناك من خرج من منزله ولم يستطع أن يحمل معه سوى ما خف وزنه.
وقد تكون صورة قديمة أو دفتر أو رسالة أو وثيقة من الأشياء التي لم تجد مكانًا في حقيبة النزوح.
لكن هناك شيئًا آخر أكثر خطورة.
السودانيون أنفسهم نزحت ذاكرتهم.
رجل يحمل تاريخ قرية في دارفور ويعيش اليوم في مدينة أخرى. وامرأة تعرف تفاصيل حياة أسرة كاملة، لكنها أصبحت بعيدة عنها. ونقابي يعيش خارج السودان ويحمل في ذاكرته تاريخ مؤسسة أو تنظيم. ومعلم أو موظف أو صحفي يحتفظ بأحداث مرحلة كاملة لم تكتب كما عاشها هو.
إذا لم نسأل هؤلاء الآن، فقد يأتي يوم نبحث فيه عن تلك التفاصيل ولا نجدها.
نحن نهتم كثيرًا بتاريخ عمره مئات السنين، ونختلف حول الروايات القديمة، ونبحث عن مصادرها، بينما نترك شهود تاريخنا القريب يجلسون بيننا دون أن نسألهم.
ليس المطلوب أن نستبدل الكتب بالروايات الشفوية، ولا أن نستبدل المؤرخ بمن يحمل ذاكرة شخصية.
المطلوب أن نحفظ المادة قبل أن تختفي.
أن نضع أمامه جهاز تسجيل، أن نصوره وهو يتحدث، أن نعرف اسمه وعمره ومكانه والفترة التي يتحدث عنها، وأن نترك له مساحة ليحكي بطريقته.
ثم يأتي الباحث والمؤرخ بعد ذلك.
ولماذا لا تكون هناك منصة سودانية لهذا الأمر؟
منصة للذاكرة الحية، يكون فيها لكل منطقة مكان، ولكل إنسان فرصة لأن يترك شهادته. قصص الناس، لا بوصفها حكايات للتسلية فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والسياسية والثقافية للسودان.
يمكن أن تكون بالصوت والصورة والنص.
والأمر لا يحتاج في بدايته إلى مؤسسة ضخمة.
قد يبدأ من طالب تاريخ يحمل هاتفه ويعرف كيف يسأل. أو من طالب إعلام يتعلم كيف يسجل مقابلة ويحفظها. وقد يبدأ من ابن يجلس إلى أبيه أو جده ويسأله: كيف كانت الحياة هنا؟
السؤال البسيط أحيانًا يفتح تاريخًا كاملًا.
وعندما أفكر في عبدالله، أتخيل أن قصته ربما كان يمكن أن تصل إلى شخص لم يولد عندما كان يركب خلف جده على ظهر الحمار.
شخص لا يعرف قرقود، ولا توندي، ولا تلك الحكايات التي كانت تخيف الأطفال في الليل.
وعندما أفكر في العم شبو، أتساءل عن كل ما يمكن أن يقوله لو جلس أمامه باحث يعرف ماذا يسأل، وترك له الوقت الكافي ليعود إلى ذاكرته.
ثم أتذكر أولئك الأصدقاء وهم يختلفون حول ثورة 2019، وكل واحد منهم يتحدث من ذاكرته، وكأنه يقول: أنا كنت هناك، وأنا رأيت.
بعد ثلاثين عامًا، قد لا يكون معظم هؤلاء هنا.
لكن رواياتهم يمكن أن تكون.
كم مثل عبدالله بدوي والعم شبو يمشي بيننا؟
ربما كثيرون.
وربما أكثر مما نتصور.
لكن الوقت ليس في صالحنا.
فكل عام يمر يعني أن شاهدًا آخر قد يرحل، وتأخذ معه ذاكرة لا توجد في كتاب ولا في أرشيف.
لذلك ربما لا نحتاج اليوم إلى أن نكتب تاريخ السودان كله.
يكفي أن نبدأ في إنقاذ مصادره.
أن نذهب إلى الناس قبل أن نبحث عنهم في الكتب.
أن نسجل ذاكرتهم قبل أن تصبح ذكرى عنهم.
فالتاريخ لا يحتاج منا أن نصدق كل ما تقوله الذاكرة، لكنه يحتاج منا ألا نترك الذاكرة تموت قبل أن نسألها.
وقصة عبدالله التي كانت في مجموعة صغيرة من زملاء دفعته، ربما وصلت إليّ لسبب يتجاوز قصة الجد الذي ضحك وبكى.
ربما كانت تذكرنا بأن السودان مليء بحكايات كهذه.
حكايات تنتظر فقط من يفتح الصندوق.
وقبل أن يكتب المؤرخ تاريخنا بعد عشرين أو خمسين عامًا، علينا أن ننقذ اليوم ما يستطيع المؤرخ أن يقرأه غدًا.

