مقالات الرأي

أوراق  نازك الشوش تكتب ” المنفسن”

 

خمدت نيران القذائف في كثير من مدن السودان، غير أن الحرب لم تضع أوزارها. لقد ارتحلت من الميادين إلى الضمائر، ومن الشوارع إلى العقول. فلم يعد الرصاص سبباً وحيداً في الموت، وإنما أصبح الموت يتسلل إلينا في صمتٍ وقلقٍ لا يفارق المُقل.

 

العائدون بعد نزوحٍ طويل يحملون أكثر من حقائبهم. رجعوا إلى ديارهم، فأعادوا بناء الجدران التي هدمتها الحرب، واشتروا الأثاث الذي نهبته الفوضى. لقد عادوا إلى ديارهم، غير أن ديارهم لم تعد إليهم. عادوا بأجسادهم، وتركوا أرواحهم معلقة في طرقات النزوح وليالي الخوف، وفي ذاكرة لا ترحم.

 

وإن أقسى ما في الحروب أن من ينجو منها بجسده لا ينجو بروحه. يظل يبحث عن الأمان حتى وهو جالس في بيته. فأخطر ما تخلفه الحرب ليس الدمار الذي نراه فقط، بل ذلك الذي لا نراه أيضاً يدخل في دائرة مخلفاتها. والمؤسف أن هذا الدمار الخفي مسكوت عنه تماماً، وإن حاولت الإفصاح عنه وُصفت بـ “المنفسن”. فالإفصاح عن المعاناة النفسية في مجتمعنا يعد ترفاً لا يليق. فنقول للمنكوب “تماسك”، وللحزين “انسَ”، وللخائف “كن شجاعاً”.

 

أساس هذا المقال وما أريد أن أسلط الضوء عليه هو أن عناوين الخطط الحكومية وبرامج المنظمات الدولية تتصدرها دائماً عبارة “إعادة الإعمار”. وتخصص المليارات للبنى التحتية والطرق والجسور والكهرباء والماء. وأنا لا أنكر أن كل ذلك ضروري، لكنه ليس كافياً. فهناك سؤال ظل مغيباً عن طاولة النقاش: “من يُعيد إعمار الإنسان”؟

 

فإعادة الإعمار التي لا تضع الإنسان في المقدمة هي إعادة إعمار هشة، قد تقوم اليوم وتنهار غداً. لأنه وببساطة، لا إعمار ينهض على أنقاض نفسية محطمة. والعالم بعد الحروب الكبرى أدرك هذه الحقيقة. فبعد الحرب العالمية الثانية أنشأت أوروبا برامج ضخمة للصحة النفسية، وبعد الإبادة في رواندا كان العلاج النفسي جزءاً أصيلاً من المصالحة الوطنية.

 

أما الإعلام السوداني فهو مشغول عن كل ذلك. مشغول بالحدث الخارجي، بالخراب الذي نراه، وبالاجتماعات التي تُعقد، وبالتصريحات التي تصدر. لكنه يتجاهل الخراب الذي لا يُرى: القلق الذي يسكن البيوت، والكوابيس التي تطارد الأطفال، والصمت الثقيل الذي خيم على كثير من الأسر.

 

وهذه ليست مسؤولية فردية، فالإعلام هو المرآة التي يرى بها المجتمع نفسه.

كان يمكن للبرامج الحوارية أن تفتح مساحة للحديث عن الخوف والصدمة. وكان يمكن للدراما أن تعالج آثار الحرب على الأسرة. وكان يمكن للإذاعات المحلية أن تبث رسائل طمأنينة وتوجيه.

 

لكن للأسف، ساهم الصمت الإعلامي في ترسيخ فكرة أن الحديث عن النفس ترف، وأن من يعاني عليه أن يكتم ويتعايش مع معاناته إلى أن يُشفى وحده.

 

اليوم نحتاج إلى إعلام يخرج من دائرة نقل الخبر إلى دائرة صناعة الوعي. إعلام يجرؤ على قول إن التعافي النفسي جزء لا يتجزأ من التعافي الوطني

زر الذهاب إلى الأعلى