السودان يكسر حاجز الحرب.. وأبطال القوى يكتبون رسالة وطن لا ينكسر بقلم: محمد بكر برناوي

وسط الحرب، ووسط القلاقل الداخلية، وفي ظروف يعرف الجميع مدى قسوتها على الإنسان قبل الرياضة، جاء الاتحاد السوداني لألعاب القوى ليقدم درساً مختلفاً في الإرادة والانتماء، بعدما نجح في إيفاد ثلة من شباب وشابات السودان للمشاركة في البطولة العربية الثانية عشرة لألعاب القوى للناشئين والناشئات تحت 18 سنة.
قد يراها البعض مشاركة رياضية عادية، لكنني أراها بطولة في حد ذاتها.
أن تجمع وفداً على وجه السرعة، في بلد يعيش ظروفاً غير مستقرة، وبإمكانات محدودة، ثم تنجح في الوصول إلى البطولة، وترفع علم السودان بين الأشقاء العرب، وتلفت الأنظار، فذلك إنجاز يستحق التقدير.
لقد ذهب هؤلاء الأبطال الصغار ليطلوا على البطولة، لكنهم جسدوا المثل القائل: “جاء يطل.. غلب الكل”
لم يذهبوا لمجرد تسجيل الحضور. نافسوا ويواصلون منافسة أقرانهم. وحقق السودان حتى الآن نتائج مرضية ، ليؤكد أن المشاركة التي كنا نعدها في حد ذاتها انتصاراً، أصبحت منافسة حقيقية وحضوراً فنياً يستحق الاحترام.
السودان، أيها السادة، بلد عز وفخر وقوة. وأبناؤه يتميزون بانتماء ووطنية يصعب أن تجد لها مثيلاً. حين يرتدي السوداني شعار وطنه، يمنحه كل ما يملك، ويقاتل من أجله حتى آخر لحظة.
ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بصورة أبطال السودان في المحافل الكبرى. أتذكر البطل إسماعيل أحمد إسماعيل، وأتذكر أبو بكر كاكي، وما قدماه للرياضة السودانية في بكين ، كنت شاهداً آنذاك على قتالية الرياضي السوداني، وتشرفت بمرافقة الوفد إلى مقر سفارة جمهورية السودان في بكين. كانت لحظات تؤكد أن هذا الوطن قادر دائماً على إنجاب الأبطال.
واليوم، أرى المشهد يتكرر بصورة أخرى ، في القاهرة، لا يقتصر الحضور السوداني على المضمار والميدان، بل يمتد إلى الجانب الإداري أيضاً. يتواجد رئيس الاتحاد ضمن مجلس الإدارة، وتشارك الأستاذة عطيات مصطفى مندوبةً مساعدة ضمن الكادر الإداري للبطولة، في حضور يؤكد أن السودان لا يملك المواهب الرياضية فقط، بل يملك أيضاً الكفاءات القادرة على العمل والتنظيم والإدارة.
وهنا لا بد من توجيه تحية تقدير لرجال ونساء السودان، وتحية خاصة للصديق العزيز المعز عباس، رئيس الاتحاد السوداني لألعاب القوى، ولأعضاء مجلس إدارته، على هذا العمل الذي تحقق وسط أحلك الظروف وأصعبها.
فالنجاح في الأوقات الطبيعية يُحسب لأصحابه، لكن النجاح وسط الحرب والاضطراب وقلة الإمكانات له معنى آخر تماماً.
السودان لم يغب، ولن يغيب ، انتظروا هذا البلد العريق. سيعود -بإذن الله- أقوى مما كان، وستشهد ملاعب ألعاب القوى ميلاد المزيد من الأبطال، كما أنجبت من قبل أسماءً خالدة، من بينهم طيب الذكر خليفة عمر وغيره من نجوم السودان الذين تركوا بصمتهم في ميادين المنافسة.
تحية لكل لاعب ولاعبة حملوا علم السودان في هذه البطولة. وتحية لكل مدرب وإداري ومسؤول أسهم في وصولهم.
السودان لم يأتِ ليشارك فقط.. السودان جاء ليقول للعالم: نحن هنا، وما زلنا قادرين على صناعة الأبطال .

