مقالات الرأي

كيفما  د. غالب محمد طه  يكتب حين يصبح الأرخص أغلى مما نظن

 

في الفترة الأخيرة لفتني شيء ربما كان من الصعب أن نراه قبل أشهر. الناس في السودان، رغم كل ما حدث، عادت تفكر في حياتها القديمة، أو في شيء قريب منها. وهذا في حد ذاته أمر يدعو للتفاؤل.

 

الذين نزحوا، وأولئك الذين ظلوا ممسكين بالجمر، ينتظرهم تحدٍ كبير: بيت يحتاج إلى ترميم، ومحل يحاول صاحبه أن يفتح أبوابه، وغرفة تُبنى فوق جدار بقي واقفًا، وأسرة تجمع ما تستطيع لتصلح ما أفسدته الحرب.

 

هي بدايات صغيرة، لكنها تعني شيئًا كبيرًا، لا سيما ونحن في فصل الخريف.

 

غير أن العودة إلى البناء أو الترميم ليست رخيصة. الحديد والأسمنت ومواد البناء الأخرى أصبحت تكلفتها عبئًا حقيقيًا على المواطن، يضاف إلى أعباء المعيشة والنقل وكل ما تراكم خلال سنوات الحرب. ومن يفكر في البناء أو الترميم هذه الأيام يعرف حجم العبء الذي ينتظره.

 

من هنا توقفت عند خبر نشرته الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس من ولاية البحر الأحمر. فرق التفتيش نفذت حملة على أكثر من خمسين موقعًا لبيع وعرض حديد تسليح الكانات، وركزت على منع تداول الحديد الذي يقل قطره عن ستة مليمترات.

 

أقل من ستة مليمترات.

 

نعم، أقل من ستة مليمترات فقط، أيها القارئ الكريم.

 

ولهذا الحديد اسم يعرفه أهل السوق جيدًا: «ضنب الفار».

 

وقد لا يلفت هذا الرقم، للوهلة الأولى، انتباه الشخص الذي يشتري الحديد لبناء منزله. فالقطعة التي يتحدث عنها الخبر ستختفي بعد ذلك داخل الخرسانة، ولن يراها أحد. لكن ما لا نراه قد يكون هو الأهم، فهذه القطعة الصغيرة جزء من سلامة المبنى كله. وقد يبدو هذا الفارق بسيطًا، لكنه ليس مجرد رقم. فالالتزام بالمواصفة جزء من سلامة ومتانة عناصر البناء.

 

فالمواطن الذي يدفع من مدخراته لإعادة بناء منزله لا يريد الحديد فقط، بل يريد أن يطمئن إلى أنه اشترى ما دفع ثمنه فعلًا.

 

والتاجر ليس وحده المعني بالأمر، كما أن الهيئة ليست وحدها المعنية به. هناك المستورد أو المنتج، وسلسلة النقل والتوزيع، والمقاول، والمهندس، ثم صاحب المبنى نفسه.

 

وللهيئة جهود واضحة في التوعية ونشر ثقافة التقييس وحماية المستهلك، وقد رأيناها في أكثر من مجال وموقع. وتزداد أهمية هذا الدور اليوم مع اتساع أعمال الترميم والإعمار، خصوصًا في مواد البناء التي قد لا يستطيع المستهلك العادي الحكم على جودتها بمجرد النظر إليها.

 

وهنا تصبح المعلومة جزءًا من الحماية. أن يعرف المواطن ما تعنيه المواصفة، ولماذا وضعت، وما الذي قد يعنيه الالتزام بها بالنسبة لسلامة المبنى وعمره. وعندما تصل هذه المعلومة إلى المستهلك بصورة واضحة، يصبح أقدر على حماية نفسه وماله.

 

والأهم أن دور الهيئة لا ينتهي عند التفتيش أو ضبط المنتج غير المطابق. فكلما فهم المستهلك ما تقوله المواصفة، والتزم بما توجه إليه الجهات المختصة، أصبح شريكًا في حماية ما نبنيه. وهذا أمر مهم في مرحلة إعادة الإعمار؛ لأننا لا نريد أن نبني بسرعة ثم نعود بعد سنوات لإصلاح أخطاء كان يمكن تجنبها من البداية.

 

وهذا مهم أكثر في السودان اليوم.

 

فنحن أمام بلد يحتاج إلى أن يبني كثيرًا، وفي وقت أصبحت فيه كلفة البناء مرتفعة إلى درجة تجعل كل توفير مغريًا. ومع اتساع أعمال الترميم والإعمار، سيكون من السهل أن يتحول السعر إلى المعيار الأول عند شراء مواد البناء.

 

لذلك أعجبني في خبر البحر الأحمر أنه، رغم بساطته، يفتح بابًا أكبر من مجرد حملة تفتيش. بإنه يذكرنا بأن جودة ما نبنيه اليوم ستحدد سلامة ما نعيش فيه غدًا.

 

 

ولذلك، ربما يكون من المهم أن نتعلم منذ الآن أن المواصفات ليست عبئًا إضافيًا على المواطن، ولا إجراءً بيروقراطيًا يعطل السوق.

 

هي، في أبسط معنى لها، محاولة لأن يكون ما نبنيه اليوم صالحًا لأن نقف تحته غدًا.

 

وعندما يلتزم المواطن بالمواصفة، فهو يساهم في حماية ماله، وسلامة أسرته، واستدامة ما نبنيه في بلد يحتاج إلى كل بيت ومدرسة ومرفق أن يعيش ويخدم الناس لسنوات طويلة.

 

وقد تكون ستة مليمترات مجرد رقم في خبر صحفي، وقد يبدو توفير بضعة جنيهات عند شراء الحديد أمرًا بسيطًا وسط كل هذه التكاليف.

 

لكن الأرخص ليس دائمًا أوفر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشيء سنبني فوقه حياتنا، ونضع تحته أطفالنا وأسرنا لسنوات طويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى