أحمد عبدالكريم عبداللّٰه يكتب لنتحاور بـ (السودانوية) لا بـ ( الأيديولوجية )

على مر تأريخنا نجد أننا كثيراً ما جلسنا ، وكثيراً ماتحاورنا، وكثيراً ما خرجنا من كل طاولة حوار ببيان طويل، وبذات الشروخ التي دخلنا بها ، لماذا؟ لأننا كثيراً ما اخترنا مرجعية خاطئة للحوار ، كنا نتحاور بمرجعيات سياسية ضيقة، وبأدلجة مستوردة، وبأجندات تقاطعت فيها مصالح الخارج أكثر مما تقاطعت معاناة المواطن في مدن وقرى وأصقاع الوطن المتعددة،
واليوم، ونحن على أعتاب حوار سوداني-سوداني جديد فى توقيته وفرضياته ، لابد أن نعترف بالحقيقة المرة وهى أن السياسة خذلتنا، والأيديولوجيا مزقتنا ، فهل آن الأوان أن نجرّب مرجعية أخرى؟ مرجعية لا تُستورد من الخارج ولا تُفرض من أى جهة.. مرجعية نعرفها جميعاً ونسكن فيها جميعاً وتسعنا جميعاً ، إنها الثقافة السودانية ،
السودان ليس حزباً ولا برنامجاً انتخابياً ، السودان جرتق ، و دوبيت ، ودليب ، و ربابة وتم تم، السودان كِسرة وقراصة، في الشمال ، و عصيدة في الغرب ،و سلات في الشرق ، السودان نقارة ، و طبلة ، و طمبور، السودان جبة وتوب ، وسروال وعِمَّة ، هذا التنوع المدهش لم يكن يوماً سبباً للفرقة ، كان دائماً مصدر غنى ، فما الذي جمع النوبي مع الزغاوي مع البجاوي مع العربي في سوق واحد، وفي حزن واحد، وفي فرح واحد؟ الذي جمعنا هو إحساس واحد أصيل نسميه السودانوية ، السودانوية هي تلك القيمة التي تجعلنا نقول يا زول فنفهم بعضنا، والسمح فنبتسم جميعاً، والبلد فنبكي جميعاً ،
هذه هي المرجعية التي يجب أن نحاور بها ، لا مرجعية يمين أو يسار، ولا مرجعية معسكر أو محور ، مرجعية تفرض علينا قبل أن نختلف على السلطة، أن نتفق على مفهوم ثابت بأن هذا الوطن هو بيتنا جميعاً، وأن جلباب ستره عندما يتمزق ،فإن ستره يستوجب تضافرنا وتوحدنا واتفاقنا جميعاً ،
فعبر كل حقب حواراتنا كنا نشتم رائحة أفكار جاهزة قد تكون مستوردة ويأتى بها بعضنا لنطبقها على واقعنا ، فإذا فشلت، اتهمنا الواقع ، وإذا نجحت جزئياً، نسبناها لغيرنا ، وفي كل الحالات كان المواطن السوداني هو آخر من يُسأل، وآخر من يُستشار، رغم أنه هو المحور الأول والأخير ورُمانة ميزانٍ لأي حوار ، المواطن لا يسأل عن الإطار النظري للحوار ، ولكنه يسأل: هل سينتهي القتال؟ هل سيعود النازح؟ هل سأجد الدواء؟ هل سيكون لأبنائي مستقبل؟ هذه الأسئلة لا يستطيع أن يجيب عليها كتاب أيديولوجي ، والمستطيع الوحيد للإجابة عليها هو عُرف، وتسامح، وتراحم، وقيم متجذرة فينا منذ آلاف السنين ،
لا نطلب إلغاء السياسة، ولكن نطلب تأجيلها مؤقتاً ، نطلب أن نبدأ الحوار من حيث انتهى الأجداد ، من الجودية، ومن الشورى ، ومن النفير ، ومن الفزعة ، ليتنا ولمرة واحدة فقط أن نترك آلة الثقافة تعمل على رتق ما حدث من شروخ وتمزقات في جلباب ستر هذا الوطن ، دعونا نتحاور بلغة الشاي المغرب ولمة في الضرا، لا بلغة البيانات ، بلغة الحجيوية والحبوبة، لا بلغة التخوين ، بلغة من يهمه أن يعود السودان واحداً موحداً، لا بلغة من يهمه أن ينتصر مشروعه ،
فإذا كانت مرجعيتنا هي ثقافتنا بتنوعها المتناغم، فسنكتشف أن الخلاف السياسي كان دائماً أصغر من أن يمزقنا ، وأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا ، إن السودانوية ليست شعاراً، بل أن السودانوية هي الحل ، فلنجربها هذه المرة.. قبل أن لا يبقى لنا وطن نتحاور من أجله ،،.


