عبد اللطيف السيدح :يكتب قنصل عام السودان بجدة، يحطم أصنام الصفوية، وهالة القداسة الفشوش

والي الخرطوم في جدة متدثرا عباءة المتنبي” إذا كانت النفوس كبارا، تعبت في مرادها الأجسام .
أحمد عثمان: إعمار العاصمة مسؤولية جميع السودانيين.
إعادة بناء الخرطوم لن تقل عن معركة تحريرها من الجنجويد.
كسر بيت السودان بجدة القاعدة الصفوية، وهالة القداسة الفشوس، التي كانت تضربها أمام بوابته فرق التأمين خلال السنين الخالية، وكان منزل القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، يغلق أبوابه في وجه أصحاب الأسرار، الذين لايريدون البوح بها أمام سابلة البشر ، وعابري الطريق، وعموم الناس المتنقلين داخل مباني مكاتب القنصلية ووسط زحام صالة خدمات الجمهور، لكنهم كانوا يريدون أن تقضى حوائجهم بالكتمان، وأفضل مكان لكتم أسرارهم، هو منزل من تم تكليفه من الدولة برعايتهم، أو ما يعرف ببيت السودان. لقد كان بعض القناصل يرفضون استقبال صاحب حاجة وقضية داخل صالون الضيافة، وهذه صفة دميمة، قبيحة مذمومة، لا يتصف بها إلا مستجد النعمة.
الآن يمكننا أن نقول بالفم المليان أن بيت السودان في عهد القنصل الحالي الدكتور كمال علي عثمان طه أصبح مفتوحا للمواطن، ومفتوحا على الوطن.
وفي رحابه يلتقي صاحب الحاجة بالمسؤول وفي هذا البيت تلتقي الوفود القادمة من السودان، وتتعانق الأفكار، وتتلاقح الرؤى، وتشحذ الهمم من أجل غد أكثر إشراقا.
وفي البيت أصبحت تطرح قضايا الوطن على موائد النقاش، وتخرج من رحمها مبادرات خلاقة ومشروعات قابلة لأن ترى النور.
لقد صار المنزل مكتبا فسيحا، فيه تحل قضايا الرعايا المعقدة، وبينما أنت تراقب يتحول البيت فجأة إلى محطة ترانزيت، تستقبل قادمين من الوطن أو عائدين إليه من مسؤولي الدولة الذين يضربون في الأرض من أجل ترسيخ دعائم الوطن التي حاولت المليشيا المجرمة اقتلاعها لكن هيهات.
وفي بيت السودان تتشكل الملامح والأفكار الجديدة، وتتبلور الرؤى لإسناد السودان في واحدة من أقسى مراحل تاريخه الحديث، فالحرب التي أوجعت البلاد، ودمرت بنيتها وأثقلت كاهل شعبها لن يكون تجاوز آثارها بالكلمات، وإنما بالعمل والتخطيط وتضافر الجهود، ومن هنا صار بيت السودان مساحة للتفكير في كيفية إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ورد الحياة إلى المدن والقرى والمؤسسات التي نالها الخراب، إنه بيت تتقدم فيه هموم الوطن على هموم صاحبه، وتعلو فيه مصلحة السودان فوق كل اعتبار، وتتحول فيه الضيافة إلى منصة للعمل الوطني.
وإذا كان البيت في أصله موطنا للراحة والسكون، فإن القنصل العام أضاف إليه وظيفة الوطن حين يحتاج إلى أبنائه، وهكذا غدا البيت ورشة كبيرة للتخطيط، ومجلسا للأفكار، ومحطة تتجمع فيها الطاقات استعدادا لمعركة البناء وإعادة ما هدمته الحرب، وفي أمسية الجمعة، كان اللقاء، بأحد أصحاب العزائم الكبرى ، وواحد من أبطال معركة الكرامة، الذي صمد في قلب العاصفة، ولم يطلق ساقيه للريح، عبر بوابات الهروب كما وثق التاريخ لزعماء القحاطة الذين أجلتهم طائرات التجسس والمنظمات المشبوهة، وأمام بوابات المعابر قسطل، وأرقين، وميناء عثمان دقنة بسواكن، إلا أن إبن محلية السريو بالنيل الأزرق صمد، وصندد، وثبت ثبات الراسيات، وبثباته ثبت أبناء ولاية الخرطوم في وجه المليشيا الغادرة .
لقد ارتبط أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، بالصمود والبقاء في قلب الخرطوم، ومواصلة أداء واجبه في واحدة من أكثر مراحل تاريخ العاصمة قسوة وتعقيدا، حيث لم تكن الخرطوم في تلك الأيام مدينة عادية، لكنها كانت ساحة مفتوحة للموت والخوف والحصار والجوع، وكان البقاء فيها امتحانا مريرا، وفي تلك الظروف اختار الوالي أن يبقى إلى جانب مواطنيه، وأن يقتسم معهم الشدائد، والأهوال، وقسوة الأيام، ولم يجعل من منصبه سلما للنجاة الشخصية.
لقد صمد ابن عثمان، وارتدى الميري، وامتشق الكلاش، وحمل روحه بين راحتيه، وظل في العاصمة وهي تواجه الحرب، حتى تمكن الجيش من تحرير مساحات واسعة من الخرطوم، وحصر الجنجويد في جيوب صغيرة .
لقد دفعت الخرطوم ثمنا باهظا، وتحملت وأهلها ما لا تتحمله أي مدينة في الدنيا، وخرجت من معركة الكرامة، إلى معركة إعادة الحياة التي لن تكون أقل أهمية من معركة تحريرها من الجنجويد..
ومن هنا بدأت الصفحة الجديدة لواليها الفارس، الذي أمضى سنوات الحرب في ملف الأمن والبقاء والصمود، والآن يفتح ملفا أكثر اتساعا وتعقيدا، إنه ملف إعادة الإعمار، الذي لن ينحصر في رص الحجارة، والإنترلوك، وربط الجسور والكباري ، وسفلتة الطرق، وتهيئة المباني، لكنه ملف إعادة الروح إلى مدينة أنهكتها الحرب، وإعادة أهلها إلى بيوتهم، واستعادة مدارسها ومستشفياتها وأسواقها وخدماتها، ورتق نسيجها الاجتماعي الذي مزقه النزوح والتشرد، ولهذا فإن المعركة المقبلة تحتاج إلى نوع آخر من العبقرية، لن تتوفر إلا في نسخة واحدة اسمها أحمد عثمان حمزة.
وإذا كانت معركة الكرامة الأولى قد دارت في الميدان، فإن معركة الكرامة الثانية ستدور في ورش البناء ومكاتب التخطيط ومواقع الإعمار، وهي معركة تحتاج إلى كل أبناء الخرطوم، في الداخل والخارج، وإلى السودانيين جميعا.
لهذا جاءت تحركات والي الخرطوم الأخيرة خارج البلاد، ومنها مشاركته في مؤتمر لإعادة الإعمار بمدينة صلالة العمانية، ثم نزل بالرحاب الطاهرة أدى عمرة الشكر لله وفي جدة التقى بعدد من أبناء الولاية، وطرح أمامهم رؤية الدولة للمرحلة المقبلة، وما ينتظر العاصمة من مشروعات وبرامج بعد إجازة هيكلها والاستعداد لمرحلة إعادة بنائها .
وببيت السودان، انعقد اللقاء التنويري الذي جمع الوالي بعدد من أبناء ولاية الخرطوم بالمنطقة الغربية ، إلى جانب مهتمين بملف إعادة الإعمار والإعلاميين، وكان لافتا أن الوالي لا ينظر إلى الإعلام باعتباره وسيلة لنقل الأخبار ، إنما تحدث مع منسوبيه بوصفهم حملة لواء التغيير والتنوير، وهو توصيف يضع على عاتقهم مسؤولية كبيرة في المرحلة المقبلة، فالعاصمة التي ستبنى من جديد تحتاج إلى إعلام يبني الوعي معها، ويشرح للناس ما يجري، ويكشف مواطن الخلل، ويشجع المبادرات، ويضع الحقائق أمام الرأي العام، بعيدا عن الضجيج والمكايدات، والحقيقة أن إعادة الخرطوم لا يمكن أن تكون مهمة الحكومة وحدها، فالعاصمة هى مدينة لكل الشعب السوداني ، وأبناؤها المنتشرون في جدة والرياض ومكة والدوحة والقاهرة ولندن وغيرها، يحملون في ذاكرتهم شوارعها وأحياءها ومدارسها ومساجدها وميادينها وذكريات العمر.
ومن هنا فإن إشراك أبناء الولاية في الخارج في صناعة المستقبل ليس ترفا، لكنه فرض عين على الجميع، والدولة تثق في أن المغترب لن يكون متفرجا على الخراب، لكنه كالعهد به شريك في البناء.
لقد أثبت والي ولاية الخرطوم أن المدن العظيمة لا تموت، ولن يستطيع كائنا من كان إيقاف قلب السودان السياسي والاقتصادي والثقافي، وستعود العاصمة المثلثة أجمل مما كانت، إذا توفرت الإرادة، وحسن التخطيط، ونظافة اليد، ووحدة الهدف، وتضافرت جهود الدولة والمجتمع وأبناء السودان في الداخل والخارج.
وللوالي أحمد عثمان حمزة في هذه المرحلة امتحان جديد، فبعد أن كان مطلوبا منه أن يصمد في وجه الحرب، أصبح مطلوبا منه أن يقود معركة البناء، وهذه معركة طويلة النفس، لا تنتصر فيها الحماسة وحدها، وإنما النجاح مرهون بالتخطيط، والعلم، والإدارة، والشفافية، واستنهاض الطاقات، والعمل بحكمة المتنبي
إذا كانتِ النفوسُ كبارا
تعبت في مرادِها الأجسام.
وعاصمة وطننا تستحق أن تتعب من أجلها الأجسام، وأن تتضافر من أجلها النفوس الكبيرة.

