مقالات الرأي

الصادق يسين يكتب علي خطي الاصلاح .. الوطن الذي (يحارب) بأبنائه و(يحكم) بغيرهم

 

ليس ثمة وجعٌ أشدَّ إيلاماً على النفس من أن ترى وطنك يتلاشى ليس لقلة رجاله ولا لشح مائة.. بل لأن حُكّامه صمموا على قيادته بعينٍ واحدة .. عينٍ تُبصر الشباب في خنادق القتال وأسِرَّة الشرف وتتغاضى عنهم تماماً حين تُفتح دواوين التخطيط وتُدار موائد المستقبل ..!

لقد طالعتُ مؤخراً رسالةً صاغها أحد أبناء هذا الوطن المسلوب بمداد الحرقة ودموع الخذلان .. رسالة كانت موجهة إلى رئيس مجلس السيادة السوداني أختزل فيها ذلك الشاب تجربة جيلٍ كامل .. شابٌ كان (دَهّابياً ) يحفر تراب الأرض بحثاً عن لقمة العيش فلما ضاقت به سبل الوطن غادر محمولاً بخيبته ليغدو خلال سنوات قليلة مديراً تنفيذياً يُشار إليه بالبنان في ديار الغربة.

هذه الرسالة ليست مجرد فضفضة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي .. بل هي توصيفٌ دقيق لخللٍ بنيوي قاتل يهدد بقاء السودان كدولة لها قيمة وكينونة . . إنها تضعنا أمام تساؤلٍ استراتيجي محرق .. كيف يستقيم أن نثق بالشباب ليقدم روحه في سبيل الأرض ولا نثق بعقله ليصنع مستقبل هذه الأرض؟

الجريمة التي نرتكبها بحق المستقبل

إن المأساة الحقيقية التي نعيشها اليوم تتلخص في ثلاث ظواهر كارثية ..

تصدير العقول وإبقاء الأطلال هكذا سنظل دولة تُفرغ نفسها بنفسها. . لأنها تقدم أفضل عقولنا في الإدارة والطب والهندسة والتكنولوجيا هدايا مجانية لأقاصي الأرض ثم نجلس في العاصمة والولايات نتساءل ببلاهة أين الكفاءات..!؟.. تلك الكفاءات التي لم تختفِ بل طردها العجز والتعنت السياسي !

لقد ظلت النخب السياسية والعسكرية تتعامل مع الشباب بوصفهم “خزاناً بشرياً” للاستنفار والوقود .. فإذا ما وضع السلاح أوزاره عاد الشباب إلى الهامش وعادت الكراسي للوجوه القديمة ذاتها التي لم تنتج على مدى عقود إلا الفشل والتشرذم.

أنه (الكفر الإيجابي باللعبة السياسية) .. لقد وصل جيل الشباب إلى مرحلة الزهد التام في صراعات السلطة والمحاصصات الحزبية ولم يعودوا يطالبون بـ (سنغافورة جديدة) .. بل بأبسط حقوق الإنسان وطنٌ يتسع للعمل والأمان وبناء أسرة دون خوف من الغد .

( إنها مبادرة إلى أصحاب العقول) كيف ننقذ ما تبقى؟

إن استمرار هذا الخلل يعني شيئاً واحداً .. أن الغد سيكون أكثر إظلاماً .. وأن البلاد ستتحول إلى مجرد جغرافيا بلا روح ولا طاقة .

وحنين لا يحدث ذلك ومن موقع المسؤولية الأخلاقية والفكرية أتوجه بهذه الرسالة المفتوحة إلى أصحاب العقول في قيادة الدولة والمجتمع للبدء فوراً في تطبيق مايمكن من خطوات عملية لإعادة قطار الوطن إلى مساره

كلمة أخيرة .. قبل أن ينقطع الخيط

إن الأرض التي لا يُستفاد من عقول أبنائها لإعمارها ستبقى أبد الدهر بين الحفر .. والوطن الذي يعتمد على شبابه لمواجهة الموت ثم يستكثر عليهم صناعة الحياة .. هو وطنٌ يكتب وثيقة فنائه بيده.

فليعد الساسة إلى رشدهم .. وليترجل الأوصياء عن أكتاف هذا الجيل قبل أن يتفرق ما تبقى من أبناء السودان كحبات سبحة انقطع خيطها.. وحينها .. لن ينفع ندم ولن تجدوا أرضاً تحكمونها ولا شعباً تبكون عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى