مقالات الرأي

ندي الحروف إبراهيم محمد نور .. يكتب ،، نريد ساتي من جديد! حين كانت الجالية بيتاً للسودانيين لا ساحة للشُلليات والمصالح

 

لا يشك عاقل في أننا نعيش زمناً كثرت فيه التقلبات، واضطربت فيه المواقف، وتراجعت لدى البعض قيم ومبادئ كانت بالأمس ثوابت لا تقبل المساومة.

ومن أخطر هذه الآفات الوصولية والانتهازية والنفاق الاجتماعي، حين تصبح المصالح الشخصية مقدمة على المبادئ، ويغدو التقرب من أصحاب النفوذ غاية، ولو كان الثمن إقصاء الآخرين والتنكر لأصحاب الفضل والعطاء.

وحين نتأمل واقع العمل المجتمعي للسودانيين في المنطقة الغربية جدة، لا نملك إلا أن نستحضر زمناً جميلاً، كان فيه بيت العم ساتي صالح، رحمه الله، عنواناً للأخوّة السودانية، وملتقى يجمع أبناء الوطن بمختلف مناطقهم وانتماءاتهم.

كان العم ساتي رئيساً للجالية السودانية في جدة لسنوات طويلة جداً، في زمن لم يكن الاغتراب فيه معروفاً لدى كثيرين ممن يتصدرون المشهد اليوم، وكانت تجربة الرواد الأوائل في الغربة مدرسةً في المروءة والتكافل وجمع الكلمة.

لم يكن بيت ساتي مجرد منزل أو مكان للضيافة، بل كان رمزاً لمعنى الجالية الحقيقية حيث يجد السوداني أخاه قبل أن يسأل عن منطقته أو قبيلته أو توجهه، وتُقدَّم المروءة على المصلحة، وتكون خدمة الإنسان غاية لا وسيلةً لتحقيق المجد الشخصي.

فمتى نعيد الجالية إلى سيرتها الأولى؟ ومتى نستعيد روح ساتي في واقعنا اليوم؟

للأسف، أصبحنا نرى في بعض أوساط العمل المجتمعي تنافساً على الواجهات والمقاعد، وشُلليات تتشكل حول المصالح، ومجاملات تتقدم على الكفاءة، وأحياناً إقصاء لمن بذلوا جهوداً كبيرة، لمجرد اختلافهم مع أصحاب القرار أو عدم انتمائهم إلى الدائرة المقربة.

وتظهر الوصولية حين يتلون الإنسان بحسب موقع المصلحة، ويمدح اليوم من يرجو عنده مكسباً، ثم يتنكر له غداً، ويستثمر علاقاته للوصول إلى المناصب لا لخدمة الناس.

وتزداد خطورة الأمر حين تُنسب إنجازات الآخرين إلى غيرهم، ويُهمَّش أصحاب العطاء، ويصبح الولاء للأشخاص مقدماً على الولاء للمؤسسة والمجتمع.

إن العمل العام ليس ملكاً لفرد أو مجموعة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق المجد الشخصي أو فرض الوصاية على الآخرين. فالمناصب تكليف ومسؤولية، والقيادة الحقيقية تُقاس بما تقدمه للناس، لا بعدد الملتفين حولها، ولا بحجم المديح الذي تحظى به.

لسنا ضد الطموح أو التنافس، بل نؤمن بأنهما ضرورة لتطوير المؤسسات، شريطة أن يكون التنافس شريفاً، والاختيار قائماً على الكفاءة والنزاهة، وأن تتسع الصدور للاختلاف، وتُحفظ حقوق الجميع، ويُعترف بفضل السابقين وجهود المخلصين.

إن استحضار سيرة العم ساتي ليس حنيناً إلى الماضي فحسب، ولا انتقاصاً من أجيال الحاضر، وإنما دعوة إلى استلهام القيم التي صنعت تماسك مجتمعنا، وإعادة الاعتبار لروح الأخوّة والتجرد ونكران الذات.

نريد مجتمعاً سودانياً معافى، وجالية أكثر تعافياً وتماسكاً جالية تتسع للجميع، وتحفظ لأهل السبق والخبرة فضلهم، وتمنح الشباب فرصتهم، وتحتكم إلى الكفاءة والشفافية، وترفض الشُللية والإقصاء والتنافس غير الشريف.

نريد اختلافا لا يفسد للود قضية، وتنافسا يرتقي بالخدمات، وقيادة تجمع ولا تفرق، وتفتح الأبواب بدلاً من أن تحصرها في دائرة ضيقة.

نريد جاليةً لا تُقاس قوتها بعدد المناصب التي يتولاها أبناؤها، بل بقدرتها على جمعهم، وحل مشكلاتهم، ورعاية مصالحهم، والوقوف إلى جانب المحتاج منهم، وتمثيلهم جميعا دون تمييز أو محاباة.

لقد ترك لنا الرواد الأوائل درسا عظيما أن قيمة الإنسان فيما يقدمه لمجتمعه، لا فيما يحوزه من ألقاب، وأن أبواب العمل العام ينبغي أن تتسع للجميع، لا أن تُغلق أمام من لا ينتمون إلى شُلّة أو دائرة مصالح.

رحم الله العم ساتي صالح، وكل من جعلوا خدمة السودانيين رسالة لا سلّماً للمصالح.

ولنجعل من ذكراهم نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل، نستعيد فيه روح بيت ساتي، ونبني جالية قوية بوحدتها معافاة بأخلاقها، ومتماسكة بتعاون أبنائها.

إن جدة اليوم بما تضمه من روابط وجمعيات وكيانات ومبادرات سودانية، أحوج ما تكون إلى استعادة تلك الروح الأصيلة روح الأخوّة والتجرد والتكافل، بعيداً عن الحساسيات والشللية وتصفية الحسابات.

نريد ساتي من جديد لا شخصاً بعينه، بل نهجاً وموقفاً وقيمةً نريد أن تعود الجالية بيتاً جامعاً، وأن يصبح العمل العام خدمة لا وجاهة، وأن تكون القيادة جسراً للتواصل لا حاجزاً للإقصاء.

فالمناصب تزول والأسماء تتغير، أما المواقف الصادقة والأيادي البيضاء والأثر الطيب فتبقى في ذاكرة الناس.

والسؤال الذي نضعه أمام الجميع هل نريد كيانات تتسابق فيها الشُلل على المواقع أم مجتمعاً يستعيد روح بيت ساتي، حيث كان السوداني يجد أخاه قبل أن يبحث عن صاحب المنصب؟

آن الأوان أن نعيدها إلى سيرتها الأولى فالمجتمع الذي جمعته المروءة لا ينبغي أن تفرقه المصالح والجالية التي صنعتها أيادي الرواد تستحق منا أن نحفظ إرثها ونصون وحدتها ونعيد إليها عافيتها وتماسكها.

رحم الله ساتي صالح، نريد أن نقتدي بأثره ونستعيد القيم التي جعلت من بيته بيتاً للسودانيين جميعا

زر الذهاب إلى الأعلى