مقالات الرأي

الإعلام والموسم الشتوي.. معركة وطن لا موسم زرع ،، بقلم : أحمد عبدالكريم عبداللّٰه،

 

الجميع يعلم أن البندقية تحرر الأرض، ولكن السنابل هي التي تمنح أهلها مسوّغ البقاء فيها ، وفي هذه الأيام العصيبة التي يُمتحن فيها السودان في وجوده ولقمة عيشه، تتجه أبصار خمسة وأربعين مليون سوداني صوب الولاية الشمالية، تعويلاً عليها فى أن تكون طوق النجاة، ومورد الغذاء حين تجف الموائد ،

لقد أحسنت حكومة الولاية صنعاً حين أطلقت على موسمها الشتوي هذا العام شعار ( موسم الكرامة الثالث )، وهو بالتأكيد ليس عبارة إنشائية محضة، بل هو تأصيل واعٍ لمعركة واحدة ذات وجهين هما كرامة الجندي القابض على زناده في الخندق ، وكرامة المزارع القابض على محراثه في الحقل ، فكلاهما يذود ويبذل ، وكلاهما يصون ويحمى ، ومن هذا المضمون فإن دور الإعلام في هذا الموسم لم يعد دوراً ثانوياً أو ترفاً ثقافياً، بل هو دور قتالي بامتياز، وجناح ثانٍ لمعركة الكرامة ذاتها ،

فماذا نريد من الإعلام، والوطن كله معلق بسنابل الشمالية؟

نريد نُقلة من إعلام المناسبات إلى إعلام العمليات ، كفانا إعلاماً موسمياً مؤقتاً يحضُر يوم التدشين، ليلتقط صورة للمسؤول وهو ينثر البذور أمام العدسات، ثم ينصرف الجميع بعدها ، إننا نريد إعلاماً مرابطاً، مقيماً إقامة دائمة في الحقول والحواشات والمشاريع الزراعية،

نريده تواجداً إعلامياً حيث ما وجد المحراث والمعول ، يسمع أنين الوابور المتعطل، ويتتبع وصول التقاوي المحسنة، ويرصد شُح الجازولين قبل أن يستفحل ويصبح أزمة، نريد الإعلامي الذي يبيت ليلته برفقة المزارع فى حقله ، لا الذي يحرر الأخبار من مكتب مكيف ،

إن المزارع اليوم ليس بحاجة إلى من يعرفه أهمية الزراعة، فهو يعرف أهميتها أكثر منا جميعا ً، لأنه يمارسها متوارثة بجهده وبحبات عرقه ، ولكنه بحاجة إلى معلومات دقيقة تساعده على إنجاح موسمه ، نوصل له معلومة عن أين يوجد سماد الداب؟ كم بلغ سعر جوال تقاوي القمح المحسن؟ ماهى شروط التمويل بصيغة السلم ؟ وماهى الجرعات الإرشادية التى تعينه على نجاح موسمه الزراعى بتحقيق معدل عالٍ من الإنتاج ،

هذا هو الإعلام المطلوب ، إعلام خدمي، يترجم لغة البحوث الزراعية المعقدة في مراكزها المغلقة إلى لهجة بسيطة يفهمها المزارع فى موقع زراعته ،

إن أخطر ما يتهدد موسم الكرامة الثالث هذا الموسم ، هو خطاب الهزيمة الذي يروجه البعض حين يرددون ويشيعون أن تكلفة العمليات الزراعية عالية، والأسمدة نار أسعارها ونادر وجودها ، نعم، التكلفة عالية، والجميع يعلم ذلك، ولكن ما هو البديل؟ أنترك الأرض بوراً بلقعاً، ونمد أيدينا للمنظمات ودول العالم نستجديها حفنة قمح؟

إن الإعلام رسالة تشجيع وتبشير لا خذلان وتنفير ، فبدلاً من إحصاء الخسائر، لابد للإعلام الإيجابى أن يبرز قصص النجاح ، أن يتحدث عن ذلك المزارع الذي زرع فدانين فولاً فحصد وربح فصار قدوة لأقرانه ، إن النماذج الحية هى التى تنمى وتحرك الأمم ، بينما التخويف والتخوين وتسبيط الهمم هو الذى يقعدها فى تخلف دائم،

وثمة رسالة خاصة أوجهها إلى زملائي الإعلاميين في جميع الولايات ، وفي دول المهجر مفادها إن السودان لن يشبع من الموانئ والمعابر ، ولا من بيانات المنظمات الأممية، بل يشبع بإذن الله من سواعد مزارعيه وهى تعانق حقوله وجروفه وأراضية الممتدة ،

فليكن لكم سهم في هذا الشرف ، نريد منكم حملة قومية موحدة بعنوان: ازرعوا مع الشمالية ، فليمسك كل منكم قلمه ويستجمع مداده ويتجه بعباراته ومعالجته الإعلامية نحو الشمالية، تحدثوا عن زرعها وضرعها.. عن تمورها وقمحها وفولها وتوابلها، كونوا لسان حال منتجيها ومزارعيها باعتبارها اليوم تمثل سلة لغذاء السودان ، وأن نكون كإعلاميين جسراً أميناً بين المزارع والمسؤول، ننقل الشكوى بصدق، ونتابع الحل بجدية ،

إن الموسم الشتوي في الولاية الشمالية ليس مجرد دورة زراعية عابرة، إنه استفتاء حقيقي على قدرة هذا الشعب على الحياة الكريمة ،

والذي سيرجح كفة النجاح بعد عون الله تعالى وجهد المزارع هو الإعلام الفاعل،

زر الذهاب إلى الأعلى