رحيل الفرسان وبقاء الأثر.. سفير الوفاق يطوي صفحة جدة ويبدأ ملحمة الأردن وفلسطين بقلم: مطر الهادي فرح

هناك رجال لا تعبر أيامهم في ذاكرة الأَوْطانِ عُبورَ الغيوم العابرة، بل تحفر خطاهم في صخر التاريخ مناراتٍ لا تأفل. وحين تتحدث عن بعثرة الحنين واجتماع الشمل، وعن الدبلوماسية الحقيقية الحية التي تقطر إنسانية وتواضعاً، فإنك تتحدث حتماً عن قامة سودانية ومهابة رسمية وشعبية استثنائية؛ تلك التي جسدها حضرة صاحب السعادة، السفير الدكتور كمال علي عثمان، القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، والذي يغادرنا مودعاً تراب المملكة العربية السعودية المعطاءة، متجهاً إلى محطته الدبلوماسية الجديدة سفيراً فوق العادة مفوضاً لدى المملكة الأردنية الهاشمية، وسفيراً غير مقيم لدولة فلسطين الأبية.
لقد مضى عام واحد فقط – وكأنَه الدهر طولاً وعمقاً وأثراً – منذ أن وطأت قدماه الطاهرتان أرض الحرمين الشريفين. وما إن حل ركابه بعروس البحر الأحمر (جدة)، حتى استحال ذلك الرجل بين أهله وجاليته إلى شمعة تحرق نفسها لتضيء دروب الآخرين. لم يعرف المكاتب المغلقة عزلةً، ولم تتركه الدبلوماسية الرسمية حجاباً بينه وبين نبض الشارع السوداني؛ بل كان القُنصل المعشوق، والأخ الأكبر، والرفيق الذي يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، يمسح دَمْعة المكروب، ويهنئ الفائز، ويحضر كل محفل ومناسبة وطنية واجتماعية وثقافية كأنَه الفرد الأكثر قرباً من قلوب الجميع.
ولعل أعظم ما تخَلِّده الذاكرة لهذا الرجل العظيم، ذلك الموقف التاريخي المشهود عندما انبرى لتسوية خلافات البيت السوداني في المنطقة الغربية، حين وقف بنفسه على تعضيد وتأسيس (لجنة تسيير الجالية بجدة). لم يكن مشرفاً عادياً، بل كان الحكم العادل، والساعي الحثيث للصلح والوفاق بين أبناء الوطن الواحد، حتى أنه أولاها ببصيرته النافذة وروحه الوطنية السامية سمة التوافق لتكون حقاً (لجنة التوافق والإعمار)، دعماً للتلاحم المجتمعي، وتأكيداً على أن السودان أكبر من كل الخلافات.
وعلى صعيد الإنجازات التاريخية الكبرى التي لن تمحى من الذاكرة الدبلوماسية لأكبر جالية سودانية في العالم، يأتي الإنجاز الأبرز والأخلد في عهده الميمون؛ حيث استطاعت القنصلية العامة – وبفضل من حِكمته وجهوده الدؤوبة – أن تمتلك أرضاً ملكاً خاصاً للقنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة، لتكون أكبر محطة دبلوماسية وأهم رموز السياج الوطني في المهجر.
ولم يكن هذا العطاء الخارق ليوجد في فراغ؛ بل تقاطع مع الرضا التام والتقدير البالغ الذي تكُنه السلطات الرسمية في المملكة العربية السعودية الحبيبة لشخص السفير د. كمال؛ إذ تعزز المملكة وتقدر كل كفاءة نبيلة ترسخ معاني الأخوة والصداقة الصادقة بين البلدين الشقيقين. ولذلك، لم يكن غريباً أن يقف الجميع متمسكين به، راغبين في بقائه بين ظهرانيهم، لولا أن سنة الحياة تقتضي تنقل الفرسان بين ميادين البذل والعطاء.
وها هو يغادر محطة “جدة” المجد والوفاق، مودعاً أرض المملكة العربية السعودية الحبيبة حاملاً معه وسام المحبة والتقدير، ليستقبله أبناء الوطن المغتربون في المملكة الأردنية الهاشمية معقلاً جديداً للريادة، فهنيئاً لهم بسعادة هذا السفير الإنسان، وهنيئاً لفلسطين الأبية بأن يكون ممثلاً دبلوماسياً لسودان العِزَّةِ فيها.
سادة القول والكلمة؛ إن د. كمال علي عثمان لم يكن مجرد قنصل أو سفير، بل كان حكاية وطن يمشي على قدمين، فنقول له بلسان الوفاء الصادق: جزاك الله عنا خير الجزاء، وسدد على دروب الحق خطاك، وإلى لقاء قريب في مراتب العُلا والمجد.
*مطر الهادي فرح*
(إعلامي وباحث في الدبلوماسية بين الثقافات والبروتوكول الدولي)


