الأخبار

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين .. يكتب ،،الحكم الجنائي الإماراتي بحق قيادات سودانية عسكرية وأمنية ومواطنين سودانيين في سياق الصراع الاستراتيجي الدولي

 

التداول الأخباري والمعلوماتي عبر الفضاء الرقمي بشأن محاكمة قيادات عسكرية وأمنية رفيعة ومواطنين سودانيين، في ظل سيولة العلاقات الدولية بعصر العولمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يقتضي مقاربة استراتيجية متقدمة تفوق الأطر التقليدية؛ فالحكم الصادر عن إحدى المحاكم الجنائية في الإمارات بحق شخصيات سودانية بارزة، وفي مقدمتهم الفريق أول/ ياسر عبد الرحمن العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية، وصلاح عبد الله المعروف بصلاح قوش المدير العام الأسبق لجهاز الأمن والمخابرات، لا يمكن اختزاله في تحليل جنائي عابر أو الاكتفاء بالتكييف والتحليل الفني للاتهامات والعقوبات المقررة، بل يستوجب قراءة تحليلية أعمق تستوعب السياق السياسي والاستراتيجي المحيط به، وتجليات طبيعة العلاقات السودانية الإماراتية على واقع الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل 2023م، وما تعج به البيئة الإقليمية والدولية من تداخل معقد بين المصالح الجيوسياسية وأدوات القوة الخشنة والناعمة، وصولاً إلى توظيف الضغوط القانونية والاقتصادية والأمنية في صراعات النفوذ المعاصرة.

ففي عالم العلاقات الدولية المعاصر، لم تعد القوة مقتصرة على التفوق العسكري أو النفوذ الاقتصادي أو القدرة الدبلوماسية، وإنما امتدت إلى توظيف المنظومات القانونية والقضائية والمالية والمعلوماتية، فضلاً عن أدوات الاستخبارات والتأثير السياسي والإعلامي، في إدارة الصراعات وتحقيق المصالح الاستراتيجية للدول. وأصبحت المؤسسات الوطنية، بما فيها المؤسسات القضائية، تعمل في بيئة دولية تتشابك فيها الاعتبارات القانونية مع المصالح السياسية والأمنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتفاء استقلالية المؤسسات القضائية أو تجردها من وظيفتها القضائية.

ومن هذا المنطلق، يثير الحكم الجنائي الاماراتي الصادر في حق قيادات سودانية عسكرية وأمنية ومواطنين سودانيين تساؤلات تتجاوز المسؤولية الجنائية الفردية للمحكوم عليهم، وتمتد إلى حدود الاختصاص القضائي العابر للحدود، ومدى احترام قواعد التعاون القضائي الدولي، وأثر المحاكمات الغيابية في ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة، فضلاً عن التداعيات المحتملة للحكم على سيادة السودان ومؤسساته الوطنية وعلاقاته الخارجية.

وتنبع أهمية هذه القراءة التحليلية من ضرورة التمييز بين المشروعية القانونية للإجراء القضائي من جهة، والآثار السياسية والاستراتيجية المترتبة عليه من جهة أخرى؛ فالحكم القضائي، حتى وإن صدر عن محكمة وطنية مختصة، قد تترتب عليه نتائج تتجاوز نطاق الدولة التي أصدرته، وقد يتحول، بحكم ظروف الصراع الدولي، إلى عنصر مؤثر في موازين النفوذ والعلاقات والتحالفات.

وعليه، فإننا من خلال هذه المقالة نتناول الحكم من منظور علم العلاقات الدولية المعاصر القائم على علم القوة والترصد والمؤامرات، باعتباره مجالاً معرفياً لا يدرس العلاقات الرسمية بين الدول فحسب، وإنما يحلل أيضاً بنية القوة والمصالح والصراعات والتحالفات، وآليات التأثير المتبادل، وتوظيف الأدوات القانونية والاقتصادية والأمنية في إدارة الأزمات الدولية.

(أولاً) علم القوة والترصد والمؤامرات: برادغم Paradigm العلاقات الدولية المعاصر:

——————————–

انطلاقاً من مفهوم البرادغم Paradigm بوصفه الإطار الذهني والفكري الذي يُنظّم رؤيتنا للعالم ويُوجّه تفسيرنا للظواهر والأحداث الجيوسياسية، تبرز في سياق الدراسات الاستراتيجية وعلم العلاقات الدولية المعاصر حاجة ملحة لتجاوز النماذج النظرية التقليدية (كالواقعية الكلاسيكية والمؤسساتية والليبرالية)؛ إذ غالباً ما تقارب هذه النظريات النظام الدولي عبر قواعد معيارية ومثالية مفترضة، تسودها الشفافية والمساواة الظاهرية بين الوحدات السياسية. ومِن هذا المنطلق، يتسق الطرح المنهجي لقراءة الحكم الجنائي الجزائي الصادر في دولة الأمارات نحو التأسيس لبرادغم (Paradigm) نقدي وحقل معرفي متكامل، يُمكن الاصطلاح عليه (علم القوة والترصد والمؤامرات).

وانطلاقاً من خبرتي العملية في مهنة القانون بوصفـي محامياً، ومن دراستي الأكاديمية لعلم العلاقات الدولية، تتشكل هذه القراءة في ضوء رؤية شخصية وتأملات نقدية للحكم الإماراتي الصادر. وهي قراءة تأملية لا تدّعي الحياد النظري المطلق بقدر ما تسعى إلى استيعاب الظاهرة محل الدراسة للحكم الأماراتي من خلال تفاعل الخبرة القانونية مع التحليل السياسي والاستراتيجي. وتستمد هذه المقاربة أطرها التفسيرية من الجذور الفكرية الكلاسيكية والمعاصرة لكبار منظري العلاقات الدولية، وفي مقدمتهم المفكر والمُنظر الأمريكي الجنسية/ هانس مورغانثو (Hans Morgenthau) وغيره من المفكرين الذين أسهموا في تأسيس نظريات القوة وتوازنات المصلحة الوطنية وتفسير السلوك الدولي بمنطق الصراع والمنافسة والهيمنة.

ومن هذا المنظور، يمكن تعريف الحقل التحليلي الذي تنتمي إليه هذه القراءة (علم القوة والترصد والمؤامرات) بأنه إطار معرفي نقدي يُعنى بدراسة البنيات العميقة والديناميكيات غير المعلنة التي تتحكم في تفاعلات الفاعلين الدوليين، حيث لا تُفهم الدول والكيانات الكبرى باعتبارها مجرد أشخاص قانونية تتحرك داخل حدود القواعد المعيارية للقانون الدولي فحسب، وإنما بوصفها وحدات سياسية واستراتيجية وبراغماتية تسعى إلى إدارة صراعات النفوذ والوجود وتعظيم مصالحها الوطنية عبر الاستخدام المنهجي لمختلف أدوات القوة الصلبة والناعمة والذكية.

وفي هذا السياق، تتجلى أهمية أدوات الترصد الاستخباراتي والاستراتيجي، والتوظيف المؤسسي والقانوني والاقتصادي العابر للحدود، باعتبارها وسائل فاعلة في إدارة التنافس الدولي المعاصر. ويشمل ذلك ظواهر متنامية مثل القتال القضائي أو الحرب القانونية (Lawfare)، وتسليح الاعتماد المتبادل (Weaponized Interdependence)، والحروب الهجينة (Hybrid Warfare)، وغيرها من الأدوات التي تُستخدم لتحقيق أهداف جيوسياسية واستراتيجية، وإعادة تشكيل موازين التأثير والنفوذ، وتقويض شرعية الخصوم أو تقييد حركتهم وإخضاعهم سياسياً واستراتيجياً، دون الحاجة بالضرورة إلى الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة أو حروب تقليدية مفتوحة.

وفي ضوء وجهة نظري الشخصية التأملية، تتجسد الركائز المعرفية والبنيوية لهذه النظرية التحليلية (لعلم القوة والترصد والمؤامرات) في تفكيك آليات الصراع المعاصر على النحو التالي:

(1) نزع القناع عن واجهة (القانون الدولي والمؤسسي الدولي والوطني):

———————————-

يفترض هذا العلم (علم القوة والترصد والمؤامرات) أن النظم القانونية الدولية والوطنية (عندما يتم تسييسها واستخدامها عابرة للحدود) لا تمثل بالضرورة أدوات للعدالة المجردة، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى (سلاح استراتيجي Strategic Weapon) أو آلية للتقاضي العدائي (Lawfare) تهدف إلى تجريد الخصوم من الشرعية، ومحاصرة سيادتهم، وإنتاج سرديات تآمرية موجهة لخدمة مصالح قوى الهيمنة.

(2) سوسيولوجيا الترصد والترقب الإستراتيجي:

———————————

يرتكز هذا الحقل العلمي المعرفي (علم القوة والترصد والمؤامرات) على دراسة كيفية رصد الدول الكبرى للثغرات الداخلية والحروب الوجودية التي تعاني منها الدول الضعيفة أو المستهدفة، لاستغلالها عبر شبكات الاستخبارات Intelligence Networks، والحروب الهجينة Hybrid War، والضغوط المصرفية (تسليح الاعتماد المتبادل Weaponized Interdependence)، وتحويل الأزمات البنيوية المحلية إلى أدوات ضغط واختراق خارجي.

(3) اقتصاديات المؤامرة والتشابك المالي العابر للحدود:

———————————

ينظر هذا العلم (علم القوة والترصد والمؤامرات) إلى تدفقات الأموال، وعقود التسلح والإمداد العسكري والأمني، وشبكات التحويلات المصرفية، لا باعتبارها مجرد معاملات تجارية، بل بوصفها (مسارح عمليات) يتم من خلالها هندسة الأزمات، وتوظيف تُهم/ تهمة غسل الأموال وتجريم العقود العسكرية السيادية لإعاقة الدول عن حماية أمنها القومي واستقرارها الدفاعي.

(4) السرية المشروعة في مواجهة الاختراق الممنهج:

———————————-

يقر هذا المنظور بأن ممارسة الدول ذات السيادة لحقها الأصيل في تأمين مقدراتها العسكرية والدفاعية والأمنية، يتطلب بالضرورة اعتماد (سرية وقائية مشروعة) وفقاً لأعراف العلاقات الدولية، معتبراً أن محاولات تجريم هذه السرية عبر أحكام قضائية غيابية أو مسيسة هي جزء من الهندسة السياسية المعاصرة لإضعاف الدول من الداخل.

بهذا المعنى، لا يعود علم العلاقات الدولية وفق هذا المنظور مجرد دراسة للتحالفات الدبلوماسية، بل يصبح علماً لكشف آليات الصراع الخفي، وتحليل هندسة القوة، وفك شفرات الترصد والمؤامرات التي تُصاغ فيها مصائر الدول خلف واجهات النصوص القانونية والمؤسسية المخاتلة.

(ثانياً) التكييف الاستراتيجي للحكم الأماراتي خارج الإطار التقليدي للقانون الدولي:

———————————

ارتبطت النظريات التقليدية للعلاقات الدولية، ولا سيما الاتجاهات الليبرالية والمؤسساتية، بأهمية القانون والمؤسسات الدولية في تنظيم سلوك الدول، وتسوية المنازعات، وتعزيز التعاون والاستقرار الدولي. إلا أن تطور النظام الدولي، وما شهده من تحولات في طبيعة الصراعات ومصادر القوة، كشف عن فجوة متزايدة بين التصور المعياري للعلاقات الدولية وبين الممارسة الواقعية للدول في بيئة تتنافس فيها المصالح وتتفاوت فيها القدرات والنفوذ.

فالقانون الدولي، على الرغم من أهميته بوصفه إطاراً ناظماً للعلاقات بين الدول، لا يعمل بمعزل عن موازين القوة والتفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحيط بتطبيقه. ولذلك فإن دراسة الأحداث القانونية ذات الامتداد الدولي تقتضي الجمع بين التحليل القانوني والتحليل الاستراتيجي، وعدم الاكتفاء بظاهر الإجراء أو المؤسسة التي أصدرته.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحكم الأماراتي محل وموضوع هذه المقالة باعتباره واقعة قضائية ذات امتدادات استراتيجية محتملة، بالنظر إلى طبيعة الأشخاص المشمولين به، ومراكزهم داخل المؤسسة العسكرية السودانية، والظروف السياسية والعسكرية التي تشهدها العلاقات بين السودان والإمارات. وتبرز هنا ثلاثة أبعاد أساسية:

(1) إعادة تشكيل الشرعية السياسية والمؤسسية (Delegitimization):

———————————

إن استهداف قيادات عسكرية رفيعة المستوى بأحكام جنائية جسيمة قد تتجاوز آثاره النطاق الشخصي للمسؤولية الجنائية، لتنعكس على الصورة الخارجية للمؤسسة التي ينتمي إليها المحكوم عليهم، ولا سيما عندما ترتبط الاتهامات بتعاملات تتصل بتسليح القوات المسلحة السودانية واحتياجاتها العسكرية.

ومن ثم، فإن أحد الأسئلة الاستراتيجية التي تستحق البحث يتمثل في مدى إمكانية انتقال الأثر المعنوي والقانوني للحكم من الأشخاص المدانين إلى المؤسسة العسكرية السودانية ذاتها، وما إذا كان من شأنه التأثير في صورتها الدولية أو في علاقاتها مع الدول والمؤسسات التي تتعامل معها.

ومع ذلك، يتعين التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية المؤسسية؛ فإدانة شخص لا تستتبع، بذاتها، إدانة المؤسسة التي ينتمي إليها أو تحميلها المسؤولية عن أفعاله، كما أن الصفة العسكرية لا تشكل حصانة تحول دون مساءلة صاحبها متى ثبت، وفقاً للقانون، ارتكابه فعلاً مجرّماً. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحقق من القصد الجنائي ببُعدَيه العام والخاص، مع مراعاة طبيعة النشاط محل الاتهام وغايته الفعلية؛ ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بتسليح القوات المسلحة السودانية وتأهيل قدراتها العسكرية وتعزيز إمكاناتها الدفاعية، بما يستهدف دعم قدرتها على أداء مهامها الوطنية، لا انتهاك سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة أو تهديد أمنها، بشقيه الداخلي والخارجي. ومن ثم، فإن التكييف الجنائي للفعل لا ينبغي أن يقوم على مجرد طبيعته أو موضوعه، وإنما يتعين أن يستند إلى إثبات أركانه المادية والمعنوية، وبوجه خاص توافر القصد الجنائي الذي يتطلبه النص العقابي، ومدى انصراف إرادة المتهم إلى تحقيق الغاية الإجرامية المحددة قانوناً.

(2) الحصار الجيوسياسي والتوظيف القضائي العابر للحدود (Lawfare):

———————————

أصبح مفهوم توظيف القانون في الصراعات الدولية (Lawfare) من المفاهيم البارزة في تحليل النزاعات المعاصرة، ويُقصد به استخدام الأدوات والآليات والإجراءات القانونية في سياقات الصراع لتحقيق أهداف أو آثار استراتيجية تتجاوز نطاق الفصل القضائي التقليدي؛ سواء من خلال تقييد حركة الخصوم، أو التأثير في شرعيتهم السياسية والمؤسسية، أو ممارسة ضغوط اقتصادية ودبلوماسية عليهم، أو إعادة تشكيل البيئة القانونية التي تتحرك في إطارها علاقاتهم وتحالفاتهم الدولية.

وفي هذا السياق، قد تمتد الآثار المترتبة على الأحكام الجنائية الصادرة بحق قيادات سياسية أو عسكرية إلى مجالات تتجاوز نطاق المسؤولية الجنائية الفردية، لتطال حرية الحركة والتنقل الدولي، وطبيعة العلاقات الدبلوماسية، والمعاملات المصرفية والمالية، وأوجه التعاون الأمني والقضائي، ولا سيما إذا أعقبت تلك الأحكام طلبات للمساعدة أو التعاون القضائي الدولي، أو إجراءات قانونية عابرة للحدود. ويتعين، عند تقدير هذه الآثار، وضع الالتزامات الناشئة عن اتفاقيات التعاون القضائي المصادق عليها في الاعتبار، وفي مقدمتها اتفاقية التعاون القضائي بين السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2005م، واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لعام 1983م، فضلاً عن المركز القانوني للسودان والتزاماته في إطار عضويته في المنظمات والمحافل الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي.

ومن ثم، تبرز أهمية دراسة التداعيات المحتملة للحكم الإماراتي على حرية حركة القيادات السودانية وعلاقاتها الخارجية، ومدى تأثيره في إمكانات التواصل الدبلوماسي والتعاون الإقليمي والدولي، وما إذا كانت آثاره العملية قد تتجاوز الأشخاص الصادر بحقهم الحكم لتنعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على هامش الحركة السياسية والقانونية للدولة السودانية، وقدرتها على إدارة تحالفاتها وشراكاتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. ويقتضي ذلك التمييز بين الأثر القانوني المباشر للحكم، وما قد ينشأ عنه من تدابير أو طلبات تعاون دولي وفقاً للاتفاقيات والقواعد واجبة التطبيق، وبين التداعيات السياسية والدبلوماسية المحتملة التي قد تتجاوز نطاقه القضائي، دون افتراض تحقق أي منها بمجرد صدور الحكم.

وفي هذا السياق، لا ينبغي إغفال أن الخلافات والنزاعات السياسية بين الدول، مهما بلغت حدتها، لا تؤدي بذاتها إلى إسقاط الآثار القانونية للاتفاقيات الدولية النافذة والمصادق عليها، ولا تعفي أطرافها من الالتزامات المترتبة عليها. ذلك أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م كرّست في المادة (26) مبدأ وجوب تنفيذ المعاهدات بحسن نية (Pacta Sunt Servanda)، وأكدت في المادة (27) عدم جواز الاحتجاج بأحكام القانون الداخلي لتبرير عدم تنفيذ الالتزامات التعاهدية. كما أن قطع العلاقات الدبلوماسية، وفقاً للمادة (63)، لا يؤدي في ذاته إلى إنهاء العلاقات القانونية التي تنشئها المعاهدة أو تعطيل آثارها، ما لم تكن تلك العلاقات الدبلوماسية ضرورية لتطبيقها.

وبناءً على ذلك، فإن ما قد ينشأ بين السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة من خلافات أو توترات سياسية أو دبلوماسية لا يكفي، بمجرده، لتعطيل الالتزامات المترتبة على اتفاقية التعاون القضائي الثنائية لعام 2005م، أو التنصل من آثار اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لعام 1983م. وإنما يظل تنفيذ تلك الالتزامات محكوماً بنطاق كل اتفاقية، وشروط تطبيقها، والتحفظات أو الاستثناءات الواردة فيها، والقواعد العامة للقانون الدولي للمعاهدات.

ومن ثم، فإن صدور حكم قضائي في سياق خلاف سياسي أو دبلوماسي بين الدول لا ينشئ، بذاته، سبباً قانونياً لإهدار اتفاقيات التعاون القضائي أو تجاوز أحكامها؛ بل يقتضي بحث مدى خضوع الإجراءات المترتبة على الحكم وإجراءاته اثناء وبعد المحاكمة لقواعد التعاون القضائي الدولي، ومدى توافقها مع الالتزامات التعاهدية القائمة. فالعلاقات السياسية قد تتغير وتتدهور، ولكن الالتزامات القانونية الدولية لا تزول لمجرد تغير المناخ السياسي، وإنما تنتهي أو يتوقف العمل بها وفقاً للأسباب والإجراءات التي يقرها القانون الدولي.

(3) القوة القضائية بوصفها أحد أبعاد القوة الدولية:

———————————

لم تعد القوة في العلاقات الدولية المعاصرة محصورة في أدوات الإكراه العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، بل امتدت لتشمل القدرة على إنشاء مراكز قانونية ومؤسسية وإنتاج إجراءات قضائية وأمنية قد تتجاوز آثارها الحدود الإقليمية للدولة التي صدرت في نطاقها. فالحكم القضائي الوطني قد تترتب عليه، بحسب طبيعته وأساسه القانوني ومدى استيفائه للشروط المقررة، آثار عابرة للحدود، من خلال طلبات المساعدة القضائية الدولية، أو إجراءات التسليم، أو طلبات التعاون الشرطي عبر المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، أو التدابير المتعلقة بالأموال والمعاملات المصرفية، وغيرها من صور التعاون الدولي التي تنظمها الاتفاقيات والقوانين الوطنية والدولية.

وفي هذا الإطار، يمكن التعبير عن أحد أوجه القوة في العلاقات الدولية بمفهوم القوة القضائية في العلاقات الدولية (Judicial Power in International Relations)، والمقصود به قدرة المؤسسات والأحكام والإجراءات القضائية على إنتاج آثار قانونية وعملية تتجاوز النطاق الوطني، والتفاعل مع المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية وموازين النفوذ في البيئة الدولية. إلا أن الاعتراف بهذه القوة وآثارها العابرة للحدود لا يعني إطلاقها من الضوابط القانونية، أو اعتبار كل حكم وطني أساساً كافياً لتحريك آليات الملاحقة والتعاون الشرطي الدولي (الإنتربول)؛ إذ تظل مشروعية تلك الآثار رهناً باحترام قواعد الاختصاص القضائي، وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، والاتفاقيات الدولية واجبة التطبيق، والقيود التي تحكم عمل المنظمات الدولية المعنية.

وتتجلى أهمية هذه الضوابط بوجه خاص في إطار المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، إذ تحظر المادة الثالثة من دستور المنظمة حظراً صارماً أي تدخل أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري. ويترتب على ذلك أن آليات التعاون الشرطي الدولي (الإنتربول)، بما في ذلك النشرات الحمراء وطلبات التعميم والتعاون في تحديد أماكن الأشخاص المطلوبين، لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لملاحقة الأشخاص بسبب مواقفهم أو انتماءاتهم السياسية أو أدوارهم العسكرية، أو لتصفية الخصومات الناشئة عن النزاعات الداخلية أو الخارجية أو الدولية، أو لخدمة أغراض تتعارض مع المبادئ والقيود التي تحكم عمل المنظمة الدولية (الإنتربول).

ولا يقتصر تطبيق هذا الحظر على مجرد وجود خلفية سياسية أو عسكرية للنزاع الذي نشأت في سياقه القضية؛ فالعبرة ليست بالخلفية وحدها، وإنما بطبيعة الجريمة المنسوبة إلى الشخص، والوقائع التي يستند إليها الاتهام، والأساس القانوني للطلب، والغرض الحقيقي من الإجراء، ومدى توافقه مع دستور المنظمة وقواعدها. ومن ثم، فإن مجرد إسباغ وصف جنائي على الوقائع لا يكفي وحده لإضفاء المشروعية على طلب التعاون الشُرطي الدولي (الشرطة الدولية) إذا كانت طبيعة الوقائع أو ظروف الملاحقة أو الغاية من الإجراء تكشف عن طابع سياسي أو عسكري محظور. وفي المقابل، فإن اتصال القضية بنزاع سياسي أو عسكري لا يؤدي تلقائياً إلى استبعاد التعاون الدولي متى تعلق الأمر بجرائم جنائية عادية لا جرائم ذات طابع دولي كجريمة الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم ذات الطابع الدولي المتصل والمرتبط بحقوق الإنسان المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وثبت استقلال الملاحقة عن الأغراض السياسية أو العسكرية، واستيفاء الطلب للشروط القانونية المقررة.

كما ينبغي التمييز بين الحكم الجنائي الوطني وآثاره الدولية؛ فالنشرة الحمراء الصادرة عن الإنتربول (الشرطة الدولية) ليست مذكرة توقيف دولية، ولا تنشئ بذاتها التزاماً مطلقاً على الدول الأعضاء بالقبض على الشخص المطلوب، وإنما تمثل طلباً للتعاون في تحديد مكانه وتوقيفه مؤقتاً، وفقاً للقانون الوطني للدولة المعنية، تمهيداً للنظر في الإجراءات القانونية اللاحقة. ولذلك، فإن صدور حكم جنائي في دولة ما لا يعني، بمجرده، وجوب تنفيذه خارج إقليمها، ولا يغني عن استيفاء الشروط والضمانات التي تفرضها اتفاقيات التعاون القضائي والتشريعات الوطنية وقواعد المنظمة الدولية للشرطة الجنائية الدولية.

وتزداد أهمية هذه الضوابط عند النظر في الأحكام والإجراءات القضائية التي تصدر أو تُتخذ في سياق نزاعات سياسية أو عسكرية أو خلافات دولية؛ إذ يتعين التحقق من عدم تحول آليات التعاون القضائي والشُرطي الدولي إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري، أو وسيلة لتقييد حركة الخصوم وإضعاف مراكزهم القانونية والدبلوماسية خارج نطاق المساءلة الجنائية المشروعة. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة فحص أي طلب محتمل للتعميم أو الملاحقة الدولية على ضوء المادة الثالثة من دستور الإنتربول (الشرطة الدولية)، إلى جانب القواعد المنظمة للتعاون القضائي والتسليم، والاتفاقيات الدولية الثنائية والإقليمية ذات الصلة، بما فيها اتفاقية التعاون القضائي بين السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2005م، واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لعام 1983م، مع مراعاة نطاق تطبيق كل اتفاقية وشروطها واستثناءاتها.

وبالتالي، لا يعني مفهوم القوة القضائية في العلاقات الدولية أن القضاء أصبح بالضرورة أداة سياسية، وإنما يكشف عن أن مخرجات العمل القضائي قد تتحول، في ظروف معينة، إلى أدوات ذات آثار استراتيجية عابرة للحدود؛ الأمر الذي يستوجب إخضاعها لرقابة قانونية دقيقة، والتحقق من سلامة الأساس الجنائي للإجراءات، واستقلالها عن الاعتبارات السياسية والعسكرية، واحترامها للضمانات القضائية والالتزامات التعاهدية الدولية. فالمساءلة الجنائية المشروعة تظل حقاً للدول في مواجهة الأفعال التي يجرّمها القانون، لكنها لا يجوز أن تكون غطاءً لتوظيف الإجراءات القضائية والأمنية في تصفية الخصومات السياسية أو العسكرية، أو للالتفاف على الحظر الذي قرره القانون الدولي بشأن استخدام آليات التعاون الشُرطي الدولي (الإنتربول) لأغراض سياسية أو عسكرية. ونواصل، للحديث بقية.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

01 نوفمبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى