شيء للوطن م.صلاح غريبة – يكتب .. درة الساحل المنسي: آفاق استثمارية واعدة ورؤية اقتصادية لنهضة السودان

يُمثّل شريط الساحل السوداني على البحر الأحمر شريان حياة استراتيجياً وبوابة كبرى تطل على التجارة العالمية، وهو مساحة بكر تزخر بإمكانات جبارة قادرة على إعادة صياغة المشهد الاقتصادي الإقليمي والدولي. وفي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، يتجه السودان اليوم نحو صياغة نموذج سيادي مستقل في إدارة شراكاته الدولية، قوامها استقطاب كبريات اقتصاديات العالم الجادة وفق منافسة عادلة وشفافة، وربط عصب الساحل بالعمق الإنتاجي للبلاد من زراعة وثروة حيوانية، بما يضمن تعظيم القيمة المضافة وتحقيق المصلحة الوطنية العليا دون تفريط في السيادة والقرار المستقل.
لا يقتصر الطموح التنموي للساحل السوداني على كونه معبراً تقليدياً لتصدير البضائع، بل يتعداه ليكون مركزاً إقليمياً متكاملاً؛ حيث يتيح إنشاء المناطق الاقتصادية الحرة ومراكز التخزين الاستراتيجي فرصة ذهبية لتدفق رؤوس الأموال والخبرات. كما يمتلك الساحل مقومات استثنائية تؤهله للتربع على عرش السياحة البحرية العالمية، ولا سيما سياحة اليخوت والغوص والغطس، نظراً لما تزخر به مياهه الإقليمية من شعاب مرجانية فريدة وتنوع بيئي فريد يجذب عشاق السياحة الفاخرة والبيئية من مختلف أنحاء المعمورة، مما يتطلب بنية تحتية سياحية متطورة وعصريّة تدار بأعلى المعايير العالمية.
إن استقطاب الاستثمارات الدولية الكبرى لا يعني بحال من الأحوال تجزئة السيادة أو منح حصص جغرافية سيادية، بل يعتمد على توزيع الفرص الاستثمارية والمشروعات المحددة على الشركاء الجادين، مع إفساح المجال واسعاً أمام المال الوطني السوداني ورأس المال العربي ليأخذوا دور الريادة والشراكة الأساسية في مسيرة البناء.
وفي هذا السياق، تبرز أولوية التعاون مع روسيا في مجالات التعدين، والطاقة، والصناعات الثقيلة، والسكك الحديدية، جنباً إلى جنب مع الشركاء الآخرين كالصين في قطاع البنية التحتية والموانئ، وتركيا في الإنشاءات والصناعات التحويلية، والولايات المتحدة والغرب في مجالات التقنية المتقدمة والتمويل والزراعة الحديثة. إن هذا التنوع المدروس يمنح البلاد ميزة تفاوضية كبرى، تضمن الحصول على أفضل العروض، وأقل التكاليف، وأعلى معدلات نقل التكنولوجيا وتدريب الكفاءات الوطنية.
لا قيمة حقيقية للساحل وموانئه بمعزل عن رئة البلاد النابضة بالداخل؛ بالرؤية الاقتصادية الرشيدة تحتم الربط العضوي والاستراتيجي بين ساحل البحر الأحمر ومناطق الإنتاج الزراعي والحيواني والمعدني في ولايات السودان المختلفة. إن الهدف الأسمى هو التوقف نهائياً عن سياسة تصدير المواد الخام بأرخص الأثمنة وإعادة استيرادها سلعاً مصنعة بأضعاف مضاعفة؛ ويتحقق ذلك عبر إنشاء ممرات لوجستية وسكك حديدية حديثة تربط مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني بالموانئ البحرية مباشرة لتسهيل حركة الصادرات، وانشاء صناعات تحويلية وقيم مضافة قريبة من مناطق الإنتاج والساحل لتعظيم العائد الاقتصادي وتوفير آلاف فرص العمل. مع توفير منظومة طاقة متكاملة ومحطات تخزين وتبريد تضمن حفظ الحاصلات الزراعية واللحوم وفق أحدث المعايير الدولية للتصدير المنافس.
إن الدولة التي تؤسس لعلاقاتها على دفاتر واضحة المعالم، وشروط قانونية ومؤسسية صارمة تحمي حقوق المستثمرين وفي الوقت ذاته ترفض الاحتكار أو المساس بالأصول السيادية، قادرة بلا شك على تحويل ساحلها إلى منارة للنهضة والازدهار الشامل.

