مقالات الرأي

وفاءً للريادة، وعرفانًا بالعطاء الدبلوماسي اتحاد مدارس رواد التميز ونور المعالي التعليمي العالمي بمكة المكرمة يشارك في حفل وداع سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه بقلم/ الأستاذ الشيخ محمد إبراهيم

 

ليست مناسبات الوفاء محطاتٍ عابرة في سجل العلاقات الإنسانية، ولا هي لقاءات تفرضها ظروف المناسبة ثم تنقضي بانقضائها؛ وإنما هي صفحات مضيئة من ذاكرة الناس، تُكتب فيها مواقف التقدير، وتُستعاد من خلالها معاني الأصالة، ويُكرَّم فيها أصحاب العطاء الذين تركوا في النفوس أثرًا طيبًا، وفي ميادين عملهم بصماتٍ جديرة بالاعتزاز.

ومن هذا المنطلق، جاءت مشاركة اتحاد مدارس رواد التميز ونور المعالي التعليمي العالمي بمكة المكرمة في حفل توديع سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه، سفير جمهورية السودان لدى المملكة العربية السعودية بمدينة جدة، بمناسبة انتهاء فترة تكليفه، تعبيرًا صادقًا عن الوفاء والتقدير لرجلٍ جمع بين أصالة المعدن، وطيب المعشر، ونبل الأداء الدبلوماسي، وحرصٍ واضح على مد جسور التواصل مع أبناء الجالية السودانية ومؤسساتها وفعالياتها المجتمعية.

السفير الإنسان

لقد عرفنا في سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه نموذجًا للدبلوماسي الذي لا تحجبه أعباء المسؤولية عن واجبه الإنساني والاجتماعي، ولا تصرفه مقتضيات العمل الرسمي عن التواصل مع الناس والاقتراب من قضاياهم. فهو رجل أصيل، طيب السريرة، عطر السيرة، حاضرٌ في وجدان أبناء الجالية، بما عُرف عنه من دماثة الخلق، وحسن التعامل، وصدق التفاعل، وحرصٍ على أن تكون السفارة بيتًا جامعًا للسودانيين، ومنبرًا للتواصل والتآلف والتعاون.

ولعل من المواقف التي لا تزال عالقة بالذاكرة زيارته الكريمة والخاصة لمجموعة مدارس رواد التميز، في الوقت الذي كنتُ فيه ، خارجًا من عملية جراحية في العين. وقد كانت تلك الزيارة لفتة إنسانية نبيلة، تجسّد ما يتمتع به سعادة السفير من أصالة ووفاء، وتؤكد أن قيمة المسؤول لا تُقاس بموقعه الوظيفي وحده، وإنما بما يتركه من أثر طيب في النفوس، وما يجسّده من معانٍ إنسانية رفيعة.

حضور ووفاء

وقد شرّف الاتحاد هذه المناسبة بحضور وفدٍ مثّل المجموعات التعليمية السودانية بمكة المكرمة، وضمّ شخصي الشيخ محمد إبراهيم، المدير العام ورئيس مجلس إدارة الاتحاد، و رافقني الأستاذ علي إدريس الطاهر، المدير الإداري والأكاديمي للاتحاد، في مشاركة حملت معاني المحبة والتقدير، وجسّدت روح التواصل والتلاحم بين المؤسسات التعليمية والمجتمعية السودانية في مكة المكرمة وجدة.

كما ازدانت المناسبة بحضور نخبة من الشخصيات المجتمعية والأكاديمية والتربوية والإعلامية، إلى جانب الأطباء والصيادلة ورموز العمل العام، وكان من بين الحضور الأستاذ خالد إبراهيم، مدير مركز الخليل، والأستاذة رجا نمر، رئيسة مجلس إدارة صحيفة الخليل، والأستاذ عبد اللطيف السيدح المستشار الثقافي لصحيفة الخليل ، و أحد رموز العمل العام والأمين العام للجنة التسيير، كما كان من بين الحضور الأستاذ عبده الشيخ، الأمين العام لجمعية أصدقاء مرضى الكلى والقلب، والناشط في مجال العمل العام بالمنطقة الغربية – جدة، ومؤسس مجموعة «صوت الجالية – تكافل اجتماعي»، التي تمثل منبرًا للتواصل والتكافل وتعزيز روح التراحم والتعاون بين أبناء الجالية السودانية. فضلًا عن عدد من الشخصيات والفعاليات التي أسهمت في إثراء المشهد المجتمعي السوداني وتعزيز حضوره.

وقد مثّل هذا الحضور صورةً مشرقة من صور التكاتف والتواصل، ودليلًا على أن العلاقات التي تُبنى على الاحترام المتبادل والعمل المشترك تظل راسخة، مهما تباعدت الأمكنة وتغيّرت المواقع والمسؤوليات.

كلمة وذكريات

وفي لحظةٍ امتزجت فيها مشاعر الاعتزاز بمرارة الفراق، ألقى سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه كلمةً استعرض فيها محطاتٍ بارزة من مسيرته الدبلوماسية، متناولًا نحو أربع عشرة محطة من التجارب والمواقف التي تنوعت بين الشأن الوطني والتاريخي والإنساني، واستحضرت صفحاتٍ من رحلة العمل والمسؤولية، وما حفلت به من تحديات وتجارب وذكريات.

ولم تكن كلمته مجرد استعراضٍ لمحطات مهنية، بل جاءت شهادةً صادقة على مسيرة رجلٍ عاش تفاصيل المسؤولية، وتفاعل مع قضايا وطنه وأبناء شعبه، وحرص على أداء رسالته بما تمليه عليه واجبات الانتماء والوطنية. وقد بدت مشاعر التأثر واضحةً في ثنايا حديثه، كما غلبت العاطفة على أجواء الوداع، في مشهدٍ عبّر عن عمق الصلات التي نشأت بينه وبين من عرفوه وعملوا معه وتواصلوا معه خلال فترة تكليفه.

وكان للشكر والتقدير نصيبٌ وافر من كلمته، إذ عبّر عن امتنانه للحضور، وما أبدوه من مشاعر نبيلة ومواقف وفاء، في صورةٍ تعكس أن العلاقات الإنسانية الصادقة تظل أعمق أثرًا وأبقى حضورًا من حدود المناصب والتكليفات.

رسالة المجموعات

ومن جانبنا، تشرفنا بأن نكون ممثلين للمجموعات التعليمية السودانية بمكة المكرمة في هذه المناسبة الكريمة، حاملين معنا مشاعر المحبة والتقدير، وناقلين تحايا الإخوة والزملاء الذين حالت ظروف العمل المدرسي وارتباطاته دون مشاركتهم في الحفل، ولا سيما انشغال المدارس بالاختبارات النصفية والشهرية.

وقد أكدنا أن حضورنا لم يكن حضورًا شخصيًا فحسب، بل كان تعبيرًا عن موقف جماعي، ورسالة وفاء باسم المجموعات التعليمية التي تجمعها بالسفير الكريم أواصر التقدير والتواصل، وتربطها به ذكريات ومواقف تستحق أن تُصان في الذاكرة وأن يُعبّر عنها في مثل هذه المناسبات.

فالمؤسسات التعليمية، في رسالتها الحقيقية، لا تنحصر في الفصول الدراسية والمناهج والامتحانات، بل تمتد لتكون شريكًا في بناء المجتمع، وتعزيز قيمه، ورعاية روابطه، والإسهام في كل ما يجمع أبناء الوطن على المحبة والتعاون والتكافل.

تكريم مؤجل

وكان ملتقى المجموعات التعليمية السودانية بمكة المكرمة يعتزم تنظيم تكريمٍ يليق بسعادة السفير، تقديرًا لما بذله من جهود، واعتزازًا بما تركه من أثر طيب خلال فترة عمله، غير أن ظروف المناسبة وترتيباتها لم تتح الفرصة لإقامة هذا التكريم بالصورة التي كنا نرجوها.

ومع ذلك، فإن الوفاء لا يرتبط بموعدٍ محدد، والتقدير الصادق لا تُلغيه ظروف عارضة؛ فالرغبة في تكريم سعادة السفير قائمة، والنية معقودة على أن تتاح فرصة قادمة نعبّر فيها، بما يليق بمقامه ومسيرته، عن امتناننا وتقديرنا لما قدمه من عطاء، وما أبداه من تواصل كريم واهتمام صادق بأبناء الجالية ومؤسساتها.

جسور التواصل

إن انتهاء فترة التكليف لا يعني انتهاء صلات الود، ولا يطوي صفحة العلاقات التي تأسست على المحبة والاحترام؛ بل إننا نتطلع إلى استمرار التواصل مع سعادة السفير في محطاته المقبلة، سواء في مهامه القادمة أو عند عودته إلى أرض الوطن، بما يعزز أواصر التعاون والتكامل بين المجموعات التعليمية السودانية في مكة المكرمة وجدة، ويفتح آفاقًا أرحب للعمل المشترك.

ونؤمن بأن وحدة الصف، وتبادل الخبرات، وتكامل الأدوار، من أهم المرتكزات التي ينبغي أن تقوم عليها علاقات المؤسسات السودانية في المهجر؛ فالتحديات التي تواجه أبناء الجالية، وما تتطلبه المرحلة من تعاون وتنسيق، تجعل من التواصل المستمر ضرورةً لا ترفًا، ومن الشراكة المجتمعية سبيلًا لتعظيم الأثر وتوحيد الجهود.

منتدى الرواد الثقافي

وفي سياق امتداد هذه الرسالة المجتمعية، يعتزم اتحاد مدارس رواد التميز ونور المعالي التعليمي العالمي بمكة المكرمة إطلاق «منتدى الرواد الثقافي »، ليكون منبرًا للاحتفاء برواد الفكر والتربية والتعليم، وتكريم أصحاب المبادرات والعطاءات، وإبراز النماذج السودانية المشرقة التي أسهمت في خدمة المجتمع ورفعة شأنه.

ونتطلع إلى أن يشكل هذا الملتقى مساحةً رحبةً للقاء الرموز والقيادات المجتمعية من مكة المكرمة وجدة، وتبادل التجارب والخبرات، وإحياء قيم الوفاء والتقدير، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالفضل لأهله؛ فالأمم التي تحفظ لأهل العطاء مكانتهم، وتحتفي بأصحاب البصمات المضيئة، إنما تصون ذاكرتها، وتغرس في أجيالها معاني القدوة والانتماء والمسؤولية.

أثر لا يغيب

إن مشاركتنا في حفل توديع سعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه لم تكن مجرد حضورٍ في مناسبة اجتماعية، بل كانت تعبيرًا عن قيمة نؤمن بها، ومبدأ نحرص على ترسيخه: أن الوفاء لأهل العطاء واجب، وأن العلاقات الإنسانية النبيلة تستحق الرعاية والصون، وأن ما يجمع أبناء الوطن من أواصر الأخوة والانتماء ينبغي أن يظل أقوى من المسافات وتبدّل المواقع.

وإذ نودّع سعادة السفير في ختام فترة تكليفه، فإننا نتمنى له دوام التوفيق والسداد في قادم مسيرته، وأن يكتب الله له من الخير أوفره، ومن النجاح أتمّه، وأن تبقى سيرته الطيبة ومواقفه الكريمة حاضرةً في ذاكرة كل من عرفه وتعامل معه.

فشكرًا له على ما بذل، وتقديرًا لما قدّم، ووفاءً لما ترك من أثر. فالوظائف تنتهي، والمواقع تتبدل، أما المواقف الأصيلة فإنها تبقى، وأما جميل الرجال فلا تمحوه الأيام.

والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.

الأستاذ الشيخ محمد إبراهيم

المدير العام لاتحاد مدارس رواد التميز ونور المعالي التعليمي العالمي بمكة المكرمة

زر الذهاب إلى الأعلى